السبت 31 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • حين يحضر الشيخ وتغيب الجامعة... من يمثل عقل اليمن؟

حين يحضر الشيخ وتغيب الجامعة... من يمثل عقل اليمن؟

في المعركة الطويلة التي يخوضها اليمنيون من أجل دولتهم وحريتهم ومستقبل أبنائهم، حضر الجميع تقريبًا.
حضرت البندقية.
وحضر الشيخ.
وحضر السياسي.
وحضرت الأحزاب ثم تراجعت.
وحضرت المنظمات والمبادرات والوسطاء والممولون.
وحضر من يملك القوة، ومن يملك المال، ومن يملك المنبر.

لكن سؤالًا مؤلمًا يفرض نفسه:

أين العلماء والأكاديميون؟ وأين الجامعات ومراكز البحث والعقول اليمنية التي يفترض أن تكون في مقدمة من يرسمون مستقبل البلاد؟

هذا السؤال عاد بقوة مع انعقاد فعالية في قصر الأمم المتحدة بجنيف يوم 29 أكتوبر 2026 لإطلاق «ميثاق الشرف القبلي اليمني لحماية المدنيين»، وهي مبادرة استندت إلى الأعراف القبلية والقيم الإنسانية، وشارك في إطلاقها قيادات قبلية يمنية من مناطق مختلفة، بينما أعلن المنظمون أن آلافًا من الوجهاء أبدوا تأييدهم للميثاق.

حماية المدنيين هدف نبيل لا خلاف عليه، وأي جهد يمنع الدم ويحمي الإنسان اليمني يستحق التقدير.

لكن الحدث يفتح سؤالًا أكبر بكثير من الميثاق نفسه:

لماذا عندما يُناقش اليمن في المحافل الدولية يظهر ممثلو القبيلة والمجتمع والمنظمات والفاعلون المسلحون، بينما يبقى حضور العلماء والأكاديميين والخبراء اليمنيين أقل كثيرًا من حجمهم الحقيقي ومن المسؤولية التاريخية التي ينبغي أن يتحملوها؟

ثورة صنعت جيلًا من العلماء

من أهم المكاسب التاريخية لثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر أنهما فتحتا أبواب التعليم أمام اليمنيين.

خرج أبناء القرى والمدن إلى المدارس.

أُنشئت الجامعات.

وسافر آلاف اليمنيين إلى مصر والعراق وسوريا والاتحاد السوفيتي وأوروبا وأمريكا ودول أخرى للتعليم والتخصص.

وبعد عقود أصبح لليمن جيل كامل من أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والاقتصاديين والقانونيين والباحثين والعلماء.

أدار هؤلاء الجامعات اليمنية.

أسسوا الكليات والمراكز البحثية.

درّسوا أجيالًا كاملة.

وانتشر كثير منهم بعد الحرب في جامعات ومراكز علمية ومستشفيات ومؤسسات في أوروبا وأمريكا والخليج وآسيا وأفريقيا وأستراليا.

هذه ثروة وطنية هائلة.

وربما تكون اليوم أهم ثروة بقيت لليمن بعد أن دمرت الحرب كثيرًا من موارده ومؤسساته.

ومع ذلك، عندما يبدأ الحديث عن مستقبل اليمن، كثيرًا ما يصبح هؤلاء في الصفوف الخلفية.

لا مشكلة مع القبيلة… المشكلة حين تصبح بديلًا عن الدولة

القبيلة جزء أصيل من التاريخ والمجتمع اليمني، ولها أدوار اجتماعية ومصالحات ووساطات لا يمكن إنكارها.

لكن القبيلة لا يمكن أن تكون بديلًا عن الدولة.

والشيخ لا يمكن أن يكون بديلًا عن الجامعة.

والعرف لا يمكن أن يحل محل الدستور والقانون.

والوجاهة الاجتماعية لا تستطيع بمفردها بناء اقتصاد أو إصلاح بنك مركزي أو إعادة هيكلة التعليم أو إدارة المياه أو التخطيط للطاقة أو بناء نظام صحي أو معالجة آثار الحرب النفسية والاجتماعية أو وضع سياسة خارجية حديثة.

حتى الجهات الداعمة لميثاق جنيف أكدت أن المبادرة لا يُفترض أن تكون بديلًا عن مؤسسات الدولة أو العملية السياسية الأوسع.

وهنا بالضبط تكمن القضية.

نحن لا نحتاج إلى إلغاء دور أحد.

نحتاج إلى إعادة كل دور إلى مكانه الطبيعي.

عندما تغيب المعرفة تتقدم البندقية

الكارثة اليمنية لم تبدأ فقط عندما أُطلقت أول رصاصة.

بدأت أيضًا عندما تراجعت قيمة المؤسسة أمام الجماعة، وقيمة القانون أمام السلاح، وقيمة المعرفة أمام التعبئة، وقيمة المواطن أمام النسب والمذهب والولاء.

ثم جاءت مليشيات الحوثي بمشروع مسلح ذي بعد عقائدي وسلالي، واستولت على صنعاء ومؤسسات الدولة في سبتمبر 2014، لتدخل البلاد في حرب مدمرة ما تزال آثارها تتوسع حتى اليوم.

وأصبح اليمن ساحة لصراعات داخلية وإقليمية، وكان للدعم الإيراني للحوثيين أثر أساسي في إطالة قدرة الجماعة العسكرية والسياسية.

لكن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس المبنى أو الطريق أو حتى المال.

أخطر خسارة هي أن نفقد فكرة اليمن نفسها.

أن يتحول اليمني من مواطن إلى تابع لقبيلة أو طائفة أو سلالة أو جماعة.

أن يصبح الانتماء أهم من الكفاءة.

وأن يصبح حامل السلاح أعلى صوتًا من حامل المعرفة.

من يستطيع إعادة بناء اليمن؟

من سيعيد بناء الاقتصاد؟

الخبير الاقتصادي.

من سيعيد بناء التعليم؟

الأستاذ والمعلم والباحث.

من سيصلح النظام الصحي؟

الطبيب وخبير الإدارة الصحية.

من سيعيد بناء القضاء والدستور ومؤسسات الدولة؟

القانونيون وعلماء السياسة والإدارة.

من سيعالج أزمة المياه والطاقة والزراعة؟

المهندسون والعلماء والمتخصصون.

ومن يستطيع دراسة آثار الحرب على الأطفال والمجتمع وإيجاد حلول لها؟

علماء النفس والاجتماع والتربية.

ومن يستطيع بناء علاقات اليمن مع العالم على أساس المصالح لا الشعارات؟

الدبلوماسيون والخبراء والاقتصاديون وأصحاب المعرفة.

إذن لماذا نناقش مستقبل اليمن في كثير من الأحيان بعيدًا عن هؤلاء؟

لا نريد نخبًا تابعة

والمقصود بالعلماء والأكاديميين ليس مجرد من يحمل شهادة أو لقبًا جامعيًا.

اليمن يحتاج إلى عقل مستقل.

إلى أكاديمي لا ينتظر تعليماته من حزب.

ولا يبحث عن رضا شيخ.

ولا يخضع لمليشيا.

ولا يصبح واجهة لمنظمة يمولها طرف خارجي ثم يحدد لها ما تقول وما لا تقول.

العلم بلا استقلال يتحول إلى وظيفة.

والأكاديمي بلا موقف أخلاقي يصبح شاهدًا صامتًا.

ما نحتاجه هو نخبة علمية وطنية تمتلك القدرة والشجاعة على القول:

هذه مصلحة اليمن، وهذه ليست مصلحته.

اليمن يحتاج مجلسًا للعقل الوطني

ربما حان الوقت لإنشاء إطار وطني مستقل يضم العلماء والأكاديميين والخبراء اليمنيين في الداخل والمهجر.

ليس حزبًا سياسيًا.

ولا مجلس مشايخ.

ولا منظمة مرتبطة بتمويل سياسي.

بل مجلس وطني للعقول والخبرات اليمنية تكون مهمته إعداد رؤى عملية لمستقبل البلاد.

رؤية للدولة.

رؤية للاقتصاد.

رؤية للتعليم.

رؤية للصحة.

رؤية للطاقة والمياه.

رؤية للعدالة الانتقالية.

رؤية لإعادة الإعمار.

ورؤية لعلاقة الدين بالدولة والمواطنة والحقوق والحريات.

ينبغي ألا ننتظر انتهاء الحرب لكي نفكر في اليوم التالي.

اليوم التالي يجب أن يُصنع الآن.

اليمن أكبر من المذهب والمنطقة والسلالة

الدولة التي نريدها لا ينبغي أن يكون فيها الإنسان أعلى أو أدنى بسبب اسمه أو نسبه أو منطقته أو مذهبه.

ولا ينبغي أن يحكمها شيخ لأنه شيخ.

ولا سيد لأنه يدعي امتياز النسب.

ولا قائد عسكري لأنه يملك السلاح.

ولا حزب لأنه يملك أتباعًا.

الدولة الحديثة تقوم على قاعدة أبسط وأعظم:

المواطنون متساوون.

الكفاءة هي الطريق إلى المسؤولية.

والقانون فوق الجميع.

والسلطة وظيفة عامة وليست ملكية خاصة ولا حقًا سلاليًا ولا غنيمة حرب.

أعيدوا الجامعة إلى طاولة اليمن

اليمن الذي دمرته الحرب لا يحتاج فقط إلى من يوقف إطلاق النار.

يحتاج إلى من يعرف ماذا يفعل بعد أن يصمت السلاح.

وهذه هي اللحظة التي يجب أن يستعيد فيها الأكاديميون والعلماء والمثقفون مسؤوليتهم التاريخية.

ليس المطلوب أن يحمل الأستاذ الجامعي بندقية.

المطلوب أن يحمل مشروعًا.

وليس المطلوب أن ينافس الشيخ في القبيلة.

بل أن يمنع القبيلة من أن تصبح بديلًا عن الدولة.

وليس المطلوب أن يصبح العالم سياسيًا محترفًا.

بل أن يجعل السياسة تستمع إلى العلم.

لقد دفعت اليمن أثمانًا هائلة من دم أبنائها وحياتهم ومستقبل أطفالهم، وأصبح الخطر الأكبر اليوم لا يقتصر على استمرار الحرب، بل يمتد إلى تفكك الهوية الوطنية نفسها.

ولهذا فإن معركة اليمن القادمة ليست فقط معركة الأرض.

إنها معركة العقل.

ومعركة المدرسة.

ومعركة الجامعة.

ومعركة المواطنة.

ومعركة بناء دولة لا يسأل فيها الإنسان عن سلالته أو قبيلته أو مذهبه قبل أن يُسأل عن علمه وكفاءته ونزاهته.

لقد حضرت البندقية طويلًا.

وحضر الشيخ طويلًا.

وحان الوقت أن يحضر العقل اليمني.

فلا سلام دائم من دون علم.

ولا دولة من دون مؤسسات.

ولا مستقبل لليمن إذا ظل علماؤه وأكاديميوه خارج الغرفة التي يُناقش فيها مصير وطنهم.

اليمن لن ينقذه الجهل مهما كان مسلحًا، ولن تبنيه الوجاهة مهما علت؛ الذي سيعيد بناءه هو الإنسان اليمني الحر، المتعلم، الكفؤ، المؤمن بالدولة والمواطنة والكرامة والمساواة.