الثلاثاء 27 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • المفارقة النرويجية في خطاب ترامب: تشوّه القيمة الأخلاقية واستباحة معنى السلام

المفارقة النرويجية في خطاب ترامب: تشوّه القيمة الأخلاقية واستباحة معنى السلام

يرمي ترامب بعتهه السياسي فيصيب ذاته. ولم تمضِ 48 ساعة على قذارة المصطلح الذي أطلقه تجاه اليمن وليبيا والصومال حتى أعاد فتح فجوة تشوهات خطاباته اللفظية ليلقي الوصف ذاته على النرويج، لا لشيء إلا لمخيالٍ تصوّر الحرمان من استحقاق لا يقاربه حتى جزافًا. فالنرويج، التي يرتبط اسمها تاريخيًا بالوساطة والسلام، تجد نفسها أمام مفارقة مفاهيمية تكشف منطقًا يخلط القوة بالعته وينحدر بالحصافة السياسية إلى درك الغباء الكامل.

ترامب
ترامب
إذ كيف يمكن لشخصية سياسية أن تتعامل مع السلام بوصفه أداة لإثبات الذات وفرض الإرادة، لا كقيمة أخلاقية تحكم السلوك السياسي قبل كل شيء؟ ذلك هو الإدراك الغائب لدى هذه الشخصية التي يبدو أنها تفتقد إلى أبسط المراحل المنطقية اللازمة لإزالة شوائبها السياسية والإعلامية قبل إطلاقها في الفضاء العام.
في يناير 2026، ربط ترامب في رسالته إلى رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره عدم حصوله على جائزة نوبل للسلام بتراجعه عن الشعور بأنه ملزم بالتفكير في السلام وحده، مجددًا في الرسالة نفسها موقفه بشأن ضرورة السيطرة الأمريكية الكاملة على غرينلاند. وهنا تتجلى المفارقة في الخلط بين الحكومة النرويجية ولجنة نوبل المستقلة، وفي التعامل مع السلام كما لو كان التزامًا مشروطًا بالحصول على الاعتراف الشخصي، لا قيمة أخلاقية وسياسية قائمة بذاتها.
لكن تصريحات ترامب الأخيرة في تجمع ميشيغان في 25 أكتوبر تكشف أن الأمر لم يكن موقفًا عابرًا، بل نمطًا سياسيًا مستمرًا تصاعدت حدّته بصورة أقرب إلى الوقاحة. فلم يكتفِ بإعادة وصف النرويج بعبارات مهينة، بل أقحم ملف الهجرة في خلافه على الجائزة، معلنًا أنه لا يريد مهاجرين من النرويج لأنه لم يحصل على جائزة نوبل للسلام. وهنا تتجاوز المسألة حدود العتب الشخصي إلى تحويل العملية الدبلوماسية والسياسات السيادية إلى أوراق مقايضة في نزاع على الاعتراف الشخصي. إذ يصبح موقفه من المهاجرين النرويجيين مرتبطًا بحرمانه من الجائزة، فيما تتداخل مطالبه بالاعتراف مع نزوعه إلى فرض الإرادة على الآخرين. إنها صورة من توظيف القضايا العامة في خدمة الذات، حيث لا يعود الآخر شريكًا في علاقة سياسية تحكمها المصالح والقواعد، بل يتحول إلى طرف يُكافأ أو يُعاقب بحسب ما يمنحه من اعتراف.
ويتصل بذلك هجومه على الفائزة بالجائزة لعام 2026، الحقوقية نافي بيلاي، واستخفافه بمكانتها، في مقابل إصراره على أنه أوقف ثماني حروب وأنه كان يستحق ثماني جوائز نوبل. إن هذا الإلحاح على الاستحقاق، مقرونًا بتشويه الآخر حين لا يمنحه الاعتراف المطلوب، يعيدنا إلى مساءلة العلاقة بين الشعور بالنقص والسعي التعويضي إلى التفوق وفق مقاربة ألفرد أدلر، لا بوصفها تشخيصًا نفسيًا محسومًا، بل إطارًا لقراءة سلوك سياسي تتقدم فيه الذات ومطالبتها بالاعتراف على القيمة الأخلاقية التي يفترض أن يمثلها السلام.
لا يبدو الاستحقاق في هذا المنطق لترامب مرتبطًا بما تحقق من نتائج فعلية للسلام وقدرته على الإضافة الأخلاقية، بقدر ارتباطه بالقدرة على فرض الإرادة وإشعال التوترات العالمية. وهنا يتقدم سؤال أعمق: هل يتحول السعي إلى الاعتراف، وجائزة نوبل مثالًا، إلى غاية مستقلة عن القيمة التي يُفترض أن يمنح الاعتراف صاحبها مكانته، وهي السلام بوصفه قيمة؟ وهل يصبح السلام مجرد لقب يراد امتلاكه، لا مسؤولية أخلاقية تقتضي الالتزام بها حتى حين تتعارض مع الرغبات الشخصية ومصالح القوة؟
لا يمكن فهم المنطق الذي تقوم عليه هذه الصورة السياسية إلا بمحاولة مقاربته من خلال مفهوم الشعور بالنقص والتعويض والسعي إلى التفوق وفق ما طرحه عالم النفس ألفرد أدلر. فالتعويض قد يتخذ شكل سعي متزايد إلى إثبات الذات عبر التفوق والسيطرة، وحين يصبح الاعتراف الخارجي شرطًا لرضا الذات، يتحول السلام من غاية أخلاقية إلى أداة براغماتية لانتزاع الاعتراف وتأكيد المكانة. ولا يعني توظيف هذا المفهوم تشخيص الشخصية أو الجزم بدوافعها النفسية، بقدر ما يتيح إطارًا تفسيريًا لقراءة سلوك سياسي معلن يتكرر فيه الهجوم اللفظي العنيف كلما تعارض الواقع مع الاستحقاق الذي يعلنه صاحبه. فتكرار هذا النمط ينقل الإساءة من مستوى الخطأ العابر إلى مستوى السلوك المتكرر، ويكشف التوتر بين القيمة الأخلاقية للسلام وبين توظيفه في خدمة الذات والإصرار على التفوق.
وعلى هذا الأساس، لا تكمن المسألة في أن ترامب لم يحصل على جائزة نوبل للسلام، بل في الطريقة التي استُحضرت بها الجائزة في رسالته وما كشفه هذا الربط من توتر بين الاعتراف الشخصي والالتزام السياسي. فالقيمة الأخلاقية لا تستمد معناها من مقدار ما تمنحه لصاحبها من مجد أو مكانة، ولا تسقط مسؤوليتها حين لا يحصل المرء على التقدير الذي يراه حقًا له، وإلا أصبح السلام مرهونًا برضا صاحبه عن العالم، لا بالتزامه تجاهه.
وهنا تقع استباحة معنى السلام: حين يتحول من مبدأ يُفترض أن يحدّ من تغوّل القوة إلى خطاب يُستدعى لتأكيد التفوق، ومن مسؤولية أخلاقية إلى استحقاق شخصي، ومن غاية إنسانية إلى أداة في صراع الإرادات. أما المفارقة النرويجية فتكشف كيف تجد دولة يرتبط اسمها تاريخيًا بالوساطة والسلام نفسها في مواجهة خطاب يحمّلها مسؤولية حرمان شخصي لا تملكه أصلًا، ثم يجعل من ذلك مدخلًا للمطالبة بالقوة والسيطرة على أرض أخرى.
إن أخطر ما في هذا المنطق ليس مجرد قذارة المصطلح أو فجاجة العبارة، بل ما يكشفه من هشاشة الحد الفاصل بين القيمة الأخلاقية والرغبة الشخصية حين تتحدث السلطة بلسانها. فعندما يصبح السلام اعترافًا مطلوبًا، والقوة دليلًا على الاستحقاق، والآخر موضعًا لتفريغ الغضب من الحرمان، فإننا لا نكون أمام خلاف حول جائزة أو موقف دبلوماسي عابر، بل أمام استباحة لمعنى السلام نفسه.