الثلاثاء 27 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • محمد بن يحيى الزبيري وحكايات من حياته (1)

محمد بن يحيى الزبيري وحكايات من حياته (1)

محمد بن يحيى الزبيري وحكايات من حياته (1)

في سنواته الأولى، وحين التحق بمدرسة نقيل كرب التي كان يديرها الفقيه العلامة أحمد بن قاسم الأموي (من قرية الأصيلع بني حماد -الحجرية)، كان الطفل محمد بن يحيى الزبيري طالبًا نبيهًا. وقد تفرس معلموه الأوائل نباهته في وقت مبكر من التحاقه بتلك المدرسة التي حفظ فيها القرآن الكريم، ودرس زبد الشافعي وغيرها من العلوم، وهو ما جعل فقهاء تلك المدرسة ينصحون والده بإرساله إلى مدينة زبيد لتلقي علوم شتى في رباط السيد محمد سليمان الأهدل المعروف بالإدريسي.

ولم يكن ابن الزبير ذلك الطفل الجامد التفكير، بل كان ذلك الطفل المتمرد الذي حاول تخطي الواقع، وأراد أن يحلق بعيدًا من خلال قدرته على القص والسرد وإعمال الخيال، مما جعل هاجسه ذات يوم يقول لزملائه الطلاب بأنه يقدر على كتابة كلام أشبه بكلام الله.

وكان الكلام في الحقيقة كلامًا مسجوعًا متناسقًا، وقام الطلاب بإبلاغ والده وقالوا له: إن ابنك محمد يقول إنه نبي هذا الزمان، ويقول لنا كلامًا، وأسمعوه ما قال لهم. فتوجه الأب باحثًا عن ولده خارج القرية، فوجده على قارعة الطريق وحوله حلقة من زملائه الطلاب وهم يسمعون كلامه المسجوع. ووصل الأب والتحق بالحلقة دون أن يشعر ابنه بوصول والده، وعندما أكمل النبي الصغير ما نزل عليه من وحي، أخذ الأب ابنه إلى خارج الحلقة، وطرحه أرضًا، وامتشق خنجره وأراد ذبحه، ووصل الخنجر إلى رقبة الابن وقطع مسافة فيها، ودفع الطلاب الأب، وتمكن الولد من الفرار والوصول إلى محلة في الشعوبة اسمها الحُمر بضم الحاء.

واستضافه الحاج سعيد محمد النابهي لمدة أسبوعين، وحين عرف ما قام به أبقاه لديه حتى يقنع والده أن يعفو عنه، فما قاله من كلام قاله طفل صغير لا يحاسب ولا ترصد عليه الملائكة أي ذنب وهو في هذه السن.

وفي صباح يوم من الأيام مر الحاج يحيى محمد الزبيري، والد ابن الزبير، من منطقة قريبة من محلة الحمر، وكان ممتطيًا بغلته ومتجهًا إلى مزارعه في شعب حمران والقياحة ووادي عباد، وأثناء مروره صعد الولد الشقي على صخرة كبيرة، وقال بيتًا من الشعر:

(ولم تكن نبوة مكتسبة

ولو رقى في الخير أعلى عقبة)

فذاك فضل الله يؤتيه لمن...

تعالى جل الله واهب المنن

فسمعه والده وتوعده، وسمعه يقول: لعنة الله علي حين تزوجت من بني معصار، والله العظيم لو كنت أعلم أنه سيخرج من صلبي مسيلمة الكذاب ما تزوجت من هذه العشيرة، ومضى إلى حال سبيله.

وقفة تحليلية: لماذا يفكر طفل في السادسة بمثل هذه القصة؟

وهذه الحادثة التي رويناها عن الطفل محمد بن يحيى، لا تدل على انحراف، بل هي ظاهرة تربوية ونفسية معروفة في علم نفس الطفل، وتكررت كثيرًا في بيئاتنا الدينية.

أولًا: ما اسم هذه الظاهرة علميًا؟

يسميها علماء النفس "التقمص الخيالي للشخصيات العظمى" أو Fantasy Identification. فالطفل في عمر 5-7 سنوات يمر بمرحلة تسمى "مرحلة التفكير الأسطوري"، وخصوصًا الطفل الذي خياله أوسع من واقعه، ويبدأ يسأل: من أين جاء الله؟ كيف يتكلم الأنبياء؟ هل أستطيع أنا أن أفعل مثلهم؟

ثانيًا: لماذا يفكر طفل بهذا الشكل تحديدًا؟

هناك 4 أسباب اجتمعت في حالة الزبيري:

1. البيئة المشبعة بالقصص الدينية: طفل يحفظ القرآن ويدرس زبد الشافعي ويسمع يوميًا قصص الوحي والنبوة وقصص مسيلمة وسجاح، فمن الطبيعي جدًا أن يدور خياله الجامح حول هذا العالم، وبذلك هو لا يكفر، بل يلعب لعبة "ماذا لو كنت أنا النبي؟" كما يلعب طفل اليوم لعبة "ماذا لو كنت سوبرمان؟".

2. الذكاء اللغوي المبكر: الزبيري كان يملك ذكاءً لغويًا خارقًا. الطفل الذي يكتشف مبكرًا أنه قادر على السجع والنظم، يشعر بنشوة القدرة، فيقول: أنا أستطيع أن آتي بكلام جميل مثل القرآن. وهذا افتتان بقدراته اللغوية، وكل الشعراء الكبار بدأوا بهذه المرحلة.

3. حاجة الطفل للتميز والزعامة: الطفل النبيه في وسط ريفي بسيط، يريد أن يلفت انتباه زملائه. وجد أن أفضل طريقة ليجمعهم حوله هي أن يقول: عندي وحي. فتجمعوا حوله في حلقة. هو في الحقيقة كان يمارس أول درس في الخطابة والقيادة.

4. عدم اكتمال مفهوم "المقدس": قبل سن السابعة، الطفل لا يفرق بشكل قاطع بين المقدس الذي لا يجوز تقليده، والمحكي الذي يجوز تقليده. يظن أن النبوة مهارة يمكن اكتسابها بالكلام الجميل، وهو نفس ما عبر عنه البيت الذي أنشده لاحقًا: "ولم تكن نبوة مكتسبة".

وخلاصة القول: ما فعله الزبيري الصغير هو دليل نباهة لا دليل انحراف. ولو كان طفلًا بليدًا لما خطرت له هذه الفكرة على الإطلاق.

وردة فعل والده يحيى الزبيري كانت ردة فعل طبيعية لرجل مؤمن في مجتمع محافظ -وهو بالمناسبة شيخ قبلي كبير في منطقته- يخاف على دين ابنه. إلا أن تدخل الحاج سعيد محمد النابهي واحتضانه للطفل أبعد هذا الخوف، ولولا ذلك التصرف لكان قد قتل موهبة أدبية أصبحت في ما بعد من أكبر مواهب اليمن.

فالطفل الذي حاول أن يكون نبيًا في السادسة، أصبح بعد ثلاثين سنة شاعرًا من شعراء اليمن الكبار، وهو الذي قال مخاطبًا النبي محمد صلى الله عليه وسلم:

وأنا الزبير إليك تحدو قصائدي

شغفًا بها ولك الفؤاد فداء

فالخيال الجامح في الصغر، إذا وجد من يحتضنه لا من يذبحه، يتحول إلى إبداع في الكبر.