الإثنين 26 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • النسب لا يصنع فضيلة ولا يمنح حقا في السلطة

النسب لا يصنع فضيلة ولا يمنح حقا في السلطة

يكفي الإنسان فخرا أنه ابن آدم الذي كرّمه الله، وأمر الملائكة بالسجود له، لا لامتياز وراثي في دمه أو سلالته، بل تكريما إلهيًّا للإنسان. وما عدا ذلك من ادعاءات التفاضل بالنسب، حين تتحول إلى وسيلة للاستعلاء على الآخرين أو احتكار الحق أو السلطة، ليس إلا جهلا مركبا؛ لأنه يجمع بين الجهل بحقيقة الدين والجهل بحقيقة الإنسان.

إن الله أعدل من أن يجعل النسب، مهما علا، صكّا أبديّا للتفاضل بين البشر، أو امتيازا ينتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء، أو تفويضا إلهيّا يمنح سلالة بعينها حق الوصاية على بقية خلقه. فالأنبياء والرسل، على عظيم منزلتهم، لم يجعل الله قرابتهم وحدها معيارا لنجاة أقاربهم، ولم يمنح أبناءهم حصانة من الحساب، بل قرر القرآن الكريم أن معيار الكرامة هو التقوى والعمل الصالح، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

ومن هنا تبدأ المشكلة حين ينتقل بعض الناس من محبة آل بيت النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهي محبة لا تتعارض مع العدل والمساواة، إلى اتخاذ النسب النبوي وسيلة لتأسيس امتياز اجتماعي أو سياسي، وكأن القرابة من الرسول تمنح أصحابها حقّا لا يملكه سائر المسلمين، أو تجعلهم أوصياء على الدين والناس بحكم الولادة، بصرف النظر عن علمهم وأعمالهم ومواقفهم وعدالتهم.

إننا نجلّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ونحترم أهل بيته ونقدر مكانتهم، لكننا نرفض أن تتحول هذه المحبة إلى أداة للتمييز بين المواطنين، أو إلى مبرر لادعاء حق إلهي في الحكم، أو إلى أساس لتقسيم المجتمع إلى سادة ومسودين، وأصحاب حق وراثي في القيادة، وأتباع لا حق لهم إلا الطاعة. فمحبة أهل البيت شيء، وتحويل النسب إلى سلطة سياسية موروثة شيء آخر لا يجوز الخلط بينهما.

فالإنسان لا يرث فضيلة أبيه، كما لا يرث ذنبه، ولا يصبح عادلا لأن أباه كان نبيا، ولا يستحق الحكم لأن جده كان من الصالحين. ولو كان النسب وحده كافيا للنجاة والصلاح، لما قصّ القرآن علينا أخبار أبناء الأنبياء وأقاربهم الذين لم تنفعهم قرابتهم حين خالفوا الحق. وفي قصة ابن نوح عليه السلام أبلغ دليل على أن رابطة الدم لا تتقدم على رابطة الإيمان والعمل، وأن ميزان الله لا تحكمه العواطف ولا الأنساب.

ولعل من المفيد هنا أن نعود إلى المفهوم القرآني للقرابة والاتباع؛ فقد حسم القرآن هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. فالأولوية لإبراهيم عليه السلام ليست حكرًا على ذريته، وإنما تتصل باتباع نهجه والإيمان برسالته. وهذه قاعدة أخلاقية وفكرية واضحة: القرب الحقيقي من الأنبياء لا يقاس بالدم وحده، وإنما بالالتزام بما جاءوا به من حق وعدل وهداية.

وفي هذا السياق، يُروى عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في نهج البلاغة قوله: "إن وليَّ محمد من أطاع الله وإن بَعُدَت لحمته، وإن عدوَّ محمد من عصى الله وإن قربت قرابته". وهذا القول، بمعناه العميق، يضع حدا فاصلا بين القرابة البيولوجية والقرابة الأخلاقية؛ فقد يكون الإنسان بعيد النسب من النبي، لكنه قريب منه باتباع هديه، وقد يكون قريب النسب منه، لكنه بعيد عن رسالته إذا خالف مبادئها.فقد اخرج الاه ابن نوح من بيت نبيه لأنه عمل عملا غير صالح حسب قراة لفظة (عمل) على الفاعلية.

ومن الضروري، ونحن نناقش هذه القضية، أن نميز بين أهل البيت بوصفهم أهلا للنبي وذوي قرابته، وبين مفهوم الآل في استعمالاته الدينية واللغوية المتعددة. فليس صحيحا اختزال جميع هذه الاستعمالات في تعريف واحد مطلق؛ إذ يختلف معنى الآل باختلاف السياق. غير أن القضية الأساسية التي ينبغي ألا تغيب عنا هي أن أي تعريف للقرابة لا يمكن أن يتحول بذاته إلى دليل على استحقاق سياسي أو تفوق إنساني موروث.

ولعل تاريخ الصراع على السلطة في الإسلام يقدم لنا شاهدًا مهمًّا على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها رابطة النسب من علاقة اجتماعية إلى حجة سياسية. فقد احتجت جماعات مختلفة بالقرابة من النبي، وتعددت تصوراتها بشأن الجهة الأحق بالحكم، ثم تفرعت داخل الاتجاهات نفسها آراء متباينة حول حدود النسب الذي ينبغي أن تنحصر فيه الإمامة أو الولاية السياسية.

فمن قائل بأحقية قريش، إلى من قصر الحق في بني هاشم، إلى من خصّه بذرية علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم من حصره في ذرية الحسن والحسين، وصولًا إلى من قصره في ذرية الحسين وحده. وهذه تصورات تاريخية وفقهية وسياسية متباينة، وليست مجرد خلافات في الأنساب، بل تعكس إشكالية أعمق: هل تستمد السلطة شرعيتها من النسب والانتساب العائلي، أم من رضا الناس والعدل والكفاءة والالتزام بالقانون؟

إن الاعتراض على احتكار الحكم باسم النسب لا يعني إنكار فضل أحد، ولا الانتقاص من مكانة أهل البيت، ولا مصادرة حق أي إنسان في ممارسة السياسة والمشاركة في الحكم. وإنما يعني رفض تحويل القرابة إلى امتياز فوق المواطنة، ورفض جعل الدم بديلًا عن الكفاءة، والسلالة بديلًا عن الإرادة الشعبية، والدعوى الدينية بديلًا عن الدستور والقانون.

وإذا كان بعض الهاشميين قد رأوا أن لهم أحقية خاصة في الحكم بحكم انتسابهم إلى بني هاشم، فإن آخرين من أبناء البيت نفسه لم يجعلوا النسب وحده معيارا للحق والفضل. وهذا الاختلاف ذاته يكشف أن المسألة ليست حقيقة دينية واحدة متفقًا عليها، بل قضية تاريخية وسياسية تشكلت حولها اجتهادات ومذاهب وصراعات، ولا يجوز تحويل أحد تفسيراتها إلى حقيقة مقدسة تُفرض على المجتمع، أو إلى امتياز لا يقبل النقاش.

أما القول المنسوب إلى الإمام علي عليه السلام: "استشهدتم بالشجرة ونسيتم الثمرة"، فيُستشهد به في سياق الجدل حول القرابة النبوية والاستحقاق السياسي، لكن ينبغي التثبت من مصدره ولفظه قبل الجزم بصحة نسبته إليه. فالمبدأ الذي نناقشه لا يحتاج إلى رواية مختلف في توثيقها، ما دام القرآن نفسه قد وضع معيارًا واضحًا للتفاضل، وربط القرب من الأنبياء باتباع الحق، لا بمجرد الانتساب إليهم.

إن أخطر ما في النزعة السلالية أنها لا تقف عند حدود الاعتزاز بالأصل، فالاعتزاز بالأسرة أو القبيلة أو النسب أمر إنساني مفهوم ما دام لا ينتقص من الآخرين؛ وإنما تبدأ الخطورة عندما يتحول الاعتزاز إلى استعلاء، والاستعلاء إلى ادعاء الأفضلية المطلقة، ثم تتحول الأفضلية المزعومة إلى حق في الحكم والتشريع وتقرير مصائر الناس.

وهنا يصبح النسب أداة لإعادة إنتاج الاستبداد في ثوب ديني؛ إذ يُطلب من الناس التسليم بحقوق سياسية لمجرد الولادة، بدلًا من الاحتكام إلى إرادتهم الحرة، ويُختزل الدين في امتيازات اجتماعية، بدلًا من أن يكون رسالة للعدل والتحرر من الظلم. وما أكثر ما استُخدمت المقدسات في التاريخ لتبرير سلطات لم يكن لها من الشرعية سوى قدرتها على فرض نفسها، أو قدرتها على إقناع الناس بأن الاعتراض عليها اعتراض على الدين ذاته.

ولذلك فإن القضية ليست صراعًا مع الهاشميين، ولا مع أي أسرة أو قبيلة أو جماعة، وإنما هي موقف مبدئي من كل أشكال التمييز الموروث، أيًّا كان أصحابها. فلا يجوز أن يُمنح شخص حقًّا سياسيًّا لأنه هاشمي، كما لا يجوز أن يُحرم آخر من حقه لأنه ليس هاشميًّا؛ ولا يجوز أن يصبح الانتماء القبلي أو المذهبي أو العائلي معيارًا للمواطنة أو أساسًا لتوزيع الحقوق والواجبات.

إن الدولة العادلة لا تسأل المواطن عن نسبه لتقرر مقدار حقوقه، بل تسأله عن التزامه بالقانون حين يكون مسؤولًا، وتحمي حقوقه حين يكون مواطنًا. وفي الدولة المدنية الحديثة، لا توجد سلالة فوق الدستور، ولا أسرة فوق القانون، ولا جماعة تحتكر الوطن أو تدّعي امتلاك مفاتيح الحكم باسم السماء.

ولعل اليمن، بما عانته من صراعات سياسية ومذهبية وحروب غذّتها دعاوى الحق الحصري في السلطة، هي أحوج ما تكون إلى مراجعة جريئة لكل ثقافة تضع الإنسان في مرتبة أعلى أو أدنى بسبب مولده. فاليمن وطن لجميع أبنائه، لا ملكية خاصة لسلالة، ولا إقطاعية سياسية لقبيلة، ولا امتدادًا لحق مزعوم في الحكم تتناقله الأجيال.

إن المواطنة المتساوية ليست انتقاصًا من أحد، بل ضمانة للجميع؛ وهي لا تطلب من الهاشمي أن يتخلى عن نسبه، ولا من غير الهاشمي أن يتنكر لأصله، وإنما تطلب من الجميع أن يتخلوا عن تحويل الأنساب إلى حقوق سياسية متفاوتة، وأن يقبلوا بأن يكون القانون هو الحكم، وصندوق الاقتراع هو طريق الوصول إلى السلطة، والكفاءة والنزاهة وخدمة الناس هي معايير تقييم الحاكم.

وخلاصة القول: إن شرف النسب لا يُنكر، لكن امتيازاته السياسية الموروثة لا تُسلَّم بها؛ ومحبة أهل البيت لا تستلزم الإيمان بحق أحد منهم في حكم الناس دون رضاهم؛ والانتساب إلى النبي لا يعفي صاحبه من معيار العدل والمساءلة. فليس في الإسلام، كما نفهمه من مقاصده القرآنية، ما يبرر أن يتحول شرف القرابة إلى استعباد للآخرين، أو أن يصبح الدم حجة على الناس، أو أن يُفرض عليهم حاكم لمجرد أنه ينتمي إلى هذه الأسرة أو تلك.

يكفي الإنسان فخرًا أنه من بني آدم، وأن كرامته الإنسانية ثابتة لا يمنحها له نسب ولا يسلبها منه اختلاف الأصل. أما ما عدا ذلك من دعاوى التفوق الوراثي، فليس إلا محاولة لإعادة إنتاج الجاهلية بأسماء جديدة.

فالأنبياء ورثة الرسالة، لا ورثة امتيازات الحكم، والفضيلة تُكتسب بالعمل، والسلطة تستمد شرعيتها من رضا الناس، والكرامة حق لكل إنسان، لا منحة من سلالة ولا امتيازًا تحتكره أسرة.