اليمن المؤسطَر والحـ..وثي المُبرَّأ في عيون بعضٍ من نخبة العرب
فلليمن في المخيّلة العربية صورةٌ مستقرةٌ أقدم من كل حدثٍ يقع فيه، وهي كافيةٌ لتأويل وتفسير كل لاحقٍ. هو عند القومي مهد العرب الأول الذي يمنح أصالة الانتماء، وعند اليساري بروليتاري الجزيرة الذي يُقاوم أثرياءها (الرجعيين والمتبجحين)، وعند الإسلامي أرض "الإيمان يمان والحكمة يمانية" ومخزن رجال الفتوحات. وتختلف منابع التصورات، لكنها تلتقي في مشهدٍ واحدٍ؛ يمنٌ أصيلٌ، نقيٌّ، فقيرٌ، كريمٌ، مسكونٌ بالكبرياء، يعيشُ في بيئةٍ معاديةٍ تريد أن تنتزع منه مورده الوحيد (الأصالة الحضارية) الذي تفتقده. وفكرة أن يكون اليمن جديداً ومختلفاً، وكذلك المنطقة، لا يهم، وربما هي غير ممكنة أو لا مفكر فيها، وفق وجهات النظر هذه، ما يهم هو أن يظل في المقاومة للحفاظ على أصالته المُستهدفة على الدوام، وبما استطاع إلى ذلك سبيلا. ومن يَحمِل هذه الصورة في رأسه، لا يحتاج أن ينظر أو يتمعن فيما تفعله أي حركة يمنية بـ(أهلها)، ودراسة سلوكها في الداخل، فكل ما ينتظره منها هو الهدف الخارجي الذي تصوّب إليه خطابها/بندقيتها.
خطورة هذه الصورة أو السردية المؤسطرة هي أنها ترفع اليمن إلى مقام الرمز (المُقدّس)، وتنزع عنه في اللحظة ذاتها كونه مجتمعا تقليدياً، وبلد ينتمي إلى قائمة دولة العالم الثالث الأكثر بؤساً. فالرمز لا سجون فيه، لا مناهج يُعاد كتابتها لتلقين الأطفال أن الحكم حٌقٌ حصريٌّ في سلالةٍ، لا نساء تُنتهك حرماتهن ويذقن المرّ في السجون وخارجها، لا صحفيين يُحكم عليهم بالإعدام بتهمٍ ملفقةٍ، لا لوائح زكاة تُقطع من قوت الناس المقهورين لصالح فئة تزعم امتيازاً بالنسب... الرمز لا يملِك إلا وجهاً وحيداً؛ الوجه الذي يواجه به العالم.
كان اليمن الجنوبي الاشتراكي الماركسي العروبي قلعة صلبة لمواجهة الهيمنة الإمبريالية، وخط متقدم للدفاع عن قضايا الأمة العربية، وعلى هذا الأساس والهدف ذهب محمود درويش في بداية الثمانينات بعد خروجه الاضطراري من بيروت إلى عدن "قبل أحلامه وقبل تاريخه، وليَعرِف لمن يرفع البحر أجراسه، وإيقاعه المُنتظر...". ومع إن درويش لم يجد بعد رحلته سوى "يمناً حزيناً على أمرئ القيس، ويمضغ القات، ويمحو الصور"، استمرت السردية اليسارية والقومية في خيالها الشاطح تجاه أخر قلعة الصمود العالية أسوارها. هُزمِت دولة الجنوب على إيدي نظام صالح (القبلي، الإسلامي، المتحالف مع المعسكر الغربي)، لكن سرعان نَقَلت هذه النخب كفالة مشاعرها القومية تجاه صالح، فتقاطرت عليه خطاباً وفي المناسبات (الباذخة) التي كان يُقيمها خصيصاً وباستمرار على شرفها.
وحين وقف صالح في صف صدام حسين عند غزو بلد عربي آخر (الكويت)، صار صالح في المخيّلة القومية الجامحة رمزاً للكرامة العربية المهدورة في وجه "الهيمنة". كان موقفاً لا يُبرر، ومع ذلك لم يسأل أحدٌ من مُصفقّي تلك اللحظة العنفوانية عن مصير مؤسسات دولة الجنوب التي يعرفونها جيداً، وإنسانها، ولا عن التنمية في اليمن، أو عن السجون، فضلاً عن مصير أكثر من مليون عامل يمني دفعوا ثمن هذا القرار غير الرشيد، فقد كان الموقف الخارجي يكفي لإصدار أحكامٍ قطعيةٍ، ويَجُبَ كل ما قبله وما بعده وما بينهما. على أنه، وحين حاول صالح نفسه الانقلاب على الحوثي صار "عميلاً"، ولم يُثر قتله من قِبل حلفائه/خصومه الحوثيين في ديسمبر ٢٠١٧ أي تعاطف أو ارتباك في المنطلقات الأخلاقية والقومية للمعجبين بـ"اليمن المقاوم"، لقد تغيّر الممثّل وبقي الدور. ولم يكن الحوثي بحاجةٍ إلى صناعة شرعيّةٍ مقبولةٍ شعبياً في عيون هذه النخب، فالشرعية جاهزة. وكل ما في الأمر هو أن يعثر على المقعد الأمامي الشاغر في مسرحٍ مُتخيّلة شرعيته سلفاً ليجلس عليه، ثم يصرخ تجاه الخارج بما يكفي حتى يتحوّل ما يفعله في الداخل إلى تفصيلٍ هامشيٍّ لا يستحق الالتفات.
تبرير كل ما تقوم به جماعة الحوثي تحت لافتة الدفاع عن القضية الفلسطينية، قضية الأمة، يُعيد تذكرينا بتلك الثنائية التي اقامتها الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة العربية لتبرير استبدادها وتسلطها وعجزها عن التنمية والتحديث (التناقض مع العدو الخارجي رئيسي دائماً، والتناقض مع المستبد الداخلي ثانوي دائماً). فما الذي يمكن أن يفعله بلدٌ كاليمن يجري تجريف وعي أجياله للقضية الفلسطينية؟
ولعل من أغرب التبريرات في هذا السياق استبدال أو استهجان مشروعية المقاومة بناء على ادعاء الأصالة أو الانتماء العضوي؛ أي تحويل النتائج التي فرضها السلاح إلى هوية اجتماعية أصيلة ودائمة. قد يكون لهذا الحديث بعض المعقولية عندما كانت الحركة لا تتجاوز حدود صعدة، لكن اليوم يقوم هذا المنطق على جعل كل جماعة مسلحة فرضت أمراً واقعاً بالقوة أصيلة بقدر سطوتها. كانت المبررات القديمة التي منحت الحركة مشروعية مواجهة نظام صالح قائمة على رفض العنف والظلم والتهميش، وهذا الدور تقوم به الحركة الحوثية اليوم، في كل أرجاء البلاد، ودون هوادة. ومع إن هذه المقولة تُعيد تذكيرنا بأقدم مقولات الفقه السلطاني (إمامة المُتغلّب)، فيتحول التحليل لميزان القوة إلى تزكيةٍ له، يبقى جوهر الإشكال في وصف الحركة بـ"المكوّن الأصيل" باعتباره يستمد وجوده وحضوره وحقه من نسيجٍ اجتماعي قائم في صعدة وشمال الشمال، أي من البيئة الزيدية، وكما يُفهَم من ذلك. هذا الوصف يُحاول أن يُحرر الحوثي من كونه "أداة إيرانية" بحتة، وهي الإحالة التي تتكرر بغرض الشيطنة واستجلاب التعاطف الخارجي، لكن ومن حيث لا يدري أو يقصد صاحبه، يرتكب ما هو أخطر؛ أي تحميل المذهب الزيدي والكتلة الزيدية مسئولية ما تقوم به الحركة الحوثية، حيث يجري تحويل الانتماء المذهبي لملايين اليمنيين إلى رصيدٍ سياسيٍّ محجورٍ باسم حركةٍ واحدةٍ، فيجعل كل زيدي مسجلاً على الحوثيين مسبقاً وحصرياً، ورهينةً لأصالةٍ لم يمنحها هو لها. والحركة الحوثية تريد هذا التحديد بالذات، فمشروعها الإيديولوجي يقوم على احتكار تمثيل الزيدية، والتحدث بلسانها، وابتلاع تراثها، ومصادرة حقها في أن تكون شيئا آخر غير الحركة الحوثية. والمفارقة أن هذا التحليل الذي ربما يحاول تجنّب الوقوع في فخ القراءة الطائفية، يلتقي مع خصوم الحوثيين الطائفيين الذي يقولون بأن الحوثيين هم الزيدية، كل الزيدية، والزيدية هي الجارودية/التشيع، والتشيع هو في نهاية المطاف إيران، بغض النظر عن دوافع قول ذلك سواء بهدف الشيطنة أم باسم الاقرار بالواقع، فالنتيجة في نهاية المطاف واحدة. وفي الحالتين يخسر الزيدي العادي حقه في أن يكون مواطناً مستقلاً عن السلاح الذي يُرفَع باسمه.
أما سردية "العالم المُعادي" فلا تصمد أمام الوقائع، فلقد كان العالم متسامحاً مع الجماعة إلى حد بعيد، وربما لم يحظ فاعلٌ مليشياويٌّ ما دون الدولة بكل هذا القدر من التسامح الخارجي. أوقف اتفاقٌ دوليٌّ معركة الحديدة، وتلته هدنة طويلة، ثم مبادرات متتالية. وحيث امتدت يد الجماعة إلى الملاحة الدولية في البحر الأحمر، قرأ المبعوث الأممي هذا التحرك في إحاطاته أمام مجلس الأمن جزءاً من تصعيدٍ إقليميٍّ متصلٍ بغزة، ودعا إلى معالجة شاملة لقضايا المنطقة بدل الردع. ومع ذلك لم تكف الجماعة عن اجتياح المدن خصوصا في تلك المناطق التي لا تُشارِكها المذهب أصلاً.
ولا يعني هذا كله أن الحرب التي اندلعت منذ عام ٢٠١٥ كانت صفحة بيضاء في الجانب الآخر، أو أن من تصدّوا للحركة الحوثية كانوا بمنأى عن الخطأ. فقد رافقت هذه المعركة أخطاء جسيمة، دفع المدنيون ثمن بعضها من دمائهم وأرزاقهم. وتخللتها صراعات محلية وإقليمية متشابكة، على أكثر من مستوى وفي أكثر من اتجاه، حتى داخل المعسكر الواحد، فتعددت الأجندات وتنازعت الولاءات وتآكلت الثقة بين الحلفاء. غير أن الإقرار بأخطاء الآخرين شيء، واتخاذها ذريعة لتبرئة الحركة الحوثية شيء آخر. فالنوايا الصادقة لمساعدة اليمن على الخروج من أتون هذه الحرب، وإنهاء دورة العنف التي أنهكت أهله، تبدأ من فهم الواقع كما هو: بتعقيده، وتعدد فاعليه، وتوزّع المسؤوليات فيه، ولا تبدأ من صورة متخيَّلة تختزله في بطل (مقاوم) وأعداء. أما منح الحركة دفعات متتالية من التشجيع والتزكية، فليس انحيازًا إلى السلام أو انتصاراً للإنسان اليمني على الإطلاق، بل هي وقودٌ إضافيٌّ لحربٍ تُستأنف كل مرة على مدن اليمن الأخرى.
صفحة الكاتب على فيسبوك



