هل أنصفنا التاريخ القبلي في اليمن؟
أثار الصديق نشوان العثماني مجموعة من الأسئلة المهمة حول علاقة حاشد وبكيل وخولان وغيرها من القبائل اليمنية بالإمامة الهاشمية، وحول ما إذا كانت هذه القبائل قد تجاوزت إرث الإمامة بعد قيام الجمهورية، أم أن بعض أنماط النفوذ والامتياز ظلت حاضرة بأسماء وتحالفات جديدة.
وهي أسئلة تستحق النقاش الجاد، بعيدًا عن المجاملات القبلية أو الأحكام المسبقة، لأن بناء الدولة اليمنية الحديثة يتطلب منا مراجعة تاريخنا السياسي والاجتماعي بشجاعة، وفهم الأسباب التي حالت دون استقرار الجمهورية على أسس المواطنة المتساوية.
لكن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي أولًا التمييز بين القبيلة بوصفها تكوينًا اجتماعيًا واسعًا، وبين مشايخها وقياداتها السياسية، وبين أفرادها الذين اتخذوا مواقف مختلفة، بل متعارضة أحيانًا، من الإمامة والثورة والجمهورية.
فليس من الإنصاف أن نحمل حاشد أو بكيل، بكل مكوناتهما وأجيالهما، مسؤولية مواقف قيادات معينة، كما لا يصح إعفاء تلك القيادات من المساءلة التاريخية لمجرد انتمائها القبلي أو ما قدمته من أدوار في مراحل معينة.
لقد قامت العلاقة بين الأئمة والقبائل في اليمن على مزيج من الصراع والتحالف والمساومة. احتاج الأئمة إلى القوة القبلية لتثبيت حكمهم، بينما سعت بعض القيادات القبلية إلى حماية استقلال مناطقها أو تعزيز نفوذها والحصول على نصيب من السلطة. ولهذا لم تكن كل مواجهة مع الإمام رفضًا لمبدأ الإمامة، كما لم يكن كل تحالف معه تعبيرًا عن إيمان راسخ بحصر الحكم في سلالة بعينها.
وهنا تكمن أهمية السؤال الذي طرحه نشوان العثماني عن بكيل، وما إذا كان يصح وصفها بأنها حارس للإمامة. إن إطلاق هذا الوصف على اتحاد قبلي واسع، امتد تاريخه عبر مراحل مختلفة، يحتاج إلى أدلة تفصيلية تميز بين مواقف قياداته وفروعه والظروف التي أحاطت بكل موقف. فالتاريخ لا يُقرأ بالشعارات، وإنما بالوقائع والوثائق ودوافع الفاعلين ونتائج تحالفاتهم.
والأمر نفسه ينطبق على حاشد، التي عرفت قيادات منها صراعات مع الأئمة، ثم كان لها دور مهم في دعم الجمهورية وتعزيز نفوذها السياسي. والسؤال الذي يستحق البحث ليس فقط لماذا اختلف بعض مشايخ القبائل مع الأئمة، وإنما أيضًا: هل كان خلافهم متعلقًا بطبيعة الحكم وحق اليمنيين في اختيار حكامهم، أم كان في بعض الحالات نزاعًا على النفوذ داخل النظام القائم؟
إن الإجابة لا يمكن أن تكون واحدة لجميع القيادات والمراحل، لكنها تفتح الباب أمام مراجعة تاريخية ضرورية، لا تستهدف الانتقاص من أحد، وإنما فهم طبيعة التحولات السياسية في اليمن.
أما قيام الجمهورية، فلم يكن كافيًا وحده لإنهاء كل أنماط الامتياز الاجتماعي والسياسي التي عرفها المجتمع اليمني.
لقد أسقطت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 نظام الإمامة الملكي وأعلنت الجمهورية، لكنها واجهت، خلال مسيرتها، صراعات داخلية وتحديات حالت دون بناء مؤسسات مستقرة تحتكر الدولة من خلالها القوة وتطبق القانون على الجميع.
وفي العقود اللاحقة، ولا سيما في عهد علي عبدالله صالح، برزت تحالفات بين السلطة وبعض مراكز النفوذ القبلي والعسكري والسياسي. وأصبح لبعض المشايخ نفوذ يتجاوز أحيانًا حدود الدور الاجتماعي إلى التأثير في مؤسسات الدولة وتوزيع الموارد والمناصب.
ولا يعني ذلك أن الجمهورية كانت امتدادًا مطابقًا للإمامة، فبين النظامين اختلافات جوهرية في الشرعية السياسية والبنية الدستورية. لكنه يعني أن إسقاط النظام الإمامي لم يؤد تلقائيًا إلى تفكيك كل العلاقات التي سمحت بتركيز النفوذ في أيدي فئات محددة.
لقد انتقل بعض المشايخ من موقع التفاوض مع الحاكم أو مقاومته إلى موقع المشاركة في السلطة والتأثير في قراراتها. وفي حالات أخرى، كان أبناء القبائل أنفسهم من أبرز المدافعين عن الجمهورية، ومن المشاركين في بناء مؤسساتها والدفاع عنها. ولذلك ينبغي ألا تختلط مساءلة مراكز النفوذ بإدانة القبائل أو التقليل من دور أبنائها في التاريخ الوطني.
إن المشكلة الحقيقية ليست في أن يكون للقبيلة حضور اجتماعي أو أن يشارك أبناؤها في السياسة، فهذا حق مكفول للجميع، وإنما في أن تتحول المكانة القبلية إلى امتياز سياسي، أو أن تصبح قدرة الشيخ على الحشد والنفوذ بديلًا عن المؤسسات والقانون، أو أن توزع المناصب والثروة العامة على أساس الولاءات بدلًا من الكفاءة والاستحقاق.
ومن هذه الزاوية، فإن سؤال تجاوز إرث الإمامة لا ينبغي أن يقتصر على حاشد وبكيل وخولان، بل يجب أن يشمل جميع القوى التي تعاقبت على الحكم أو شاركت فيه، سواء كانت قبلية أم عسكرية أم حزبية أم دينية. فاحتكار السلطة لا يرتبط بهوية واحدة، والاستبداد لا يصبح مقبولًا إذا مارسته جماعة ترفع شعار الجمهورية، مثلما لا يصبح مقبولًا إذا استند إلى شرعية دينية أو سلالية.
ولعل أخطر ما واجه التجربة الجمهورية هو أن الصراع على السلطة ظل، في محطات عديدة، أقوى من الاتفاق على قواعد مشتركة لإدارتها. فبدلًا من أن تتقدم فكرة الدولة التي يخضع لها الجميع، تقدمت أحيانًا حسابات تقاسم النفوذ، وأصبحت بعض التحالفات تنظر إلى الدولة بوصفها غنيمة تتنافس عليها القوى، لا مؤسسة وطنية تخدم المواطنين.
ومن هنا، فإنني أتفق مع نشوان العثماني في أهمية فتح ملف العلاقة بين القبيلة والإمامة والجمهورية، وفي ضرورة مساءلة كل من أسهم في تكريس الامتيازات الموروثة أو عرقل بناء دولة المواطنة. لكنني أرى أن المراجعة المطلوبة ينبغي ألا تتحول إلى محاكمة جماعية لقبائل بعينها، بل إلى مساءلة تاريخية وسياسية محددة، تستند إلى الوقائع وتحدد المسؤوليات دون تعميم.
وأين تبدأ هذه المراجعة؟
تبدأ بإعلان واضح من كل القوى السياسية والاجتماعية أن الحكم حق للمواطنين جميعًا، وأن النسب لا يمنح أحدًا حقًا حصريًا في السلطة، وأن الانتماء القبلي لا يمنح صاحبه امتيازًا فوق القانون. كما تبدأ بالاعتراف بأن احترام القبيلة وتقاليدها لا يتعارض مع بناء الدولة، ما دامت القبيلة إطارًا اجتماعيًا اختياريًا لا سلطة بديلة عن مؤسسات الدولة.
وتتطلب كذلك مراجعة مواقف القوى التي دعمت أنظمة استبدادية أو شاركت في تقاسم السلطة والثروة، ونشر الوثائق والشهادات التي تسمح للأجيال الجديدة بفهم التاريخ كما كان، لا كما تريد العصبيات السياسية والقبلية تصويره.
وليس المطلوب من أبناء حاشد وبكيل وخولان أن يتبرؤوا من تاريخهم، وإنما أن يشاركوا، مثل بقية اليمنيين، في استخلاص دروسه، وأن يحددوا موقفهم من أي مشروع يعيد إنتاج احتكار الحكم أو التمييز بين المواطنين. فالتاريخ الذي نعتز بجوانبه المشرقة ينبغي أن نمتلك الشجاعة لمراجعة جوانبه المظلمة أيضًا.
إن اليمن لا يحتاج إلى استبدال امتياز سلالي بامتياز قبلي، ولا إلى استبدال هيمنة حزب أو جماعة بهيمنة أخرى. ما يحتاج إليه هو دولة جمهورية ديمقراطية، تقوم على المواطنة المتساوية، وتداول السلطة سلميًا، واستقلال القضاء، وخضوع المؤسسات العسكرية والأمنية لسلطة الدولة والقانون.
إن تجاوز إرث الإمامة لا يتحقق بتغيير أسماء الحكام، وإنما بإسقاط مبدأ الامتياز الموروث من الحياة السياسية، أيًّا كان مصدره.
وعندما يصبح اليمني قادرًا على الوصول إلى أعلى المناصب بكفاءته وإرادة المواطنين، لا بنسبه أو قبيلته أو سلاحه أو قربه من مراكز النفوذ، عندها فقط يمكننا القول إن الجمهورية بدأت تحقق معناها الحقيقي، وإننا انتقلنا من صراع الجماعات على السلطة إلى شراكة المواطنين في بناء الدولة.
تلك هي المراجعة التي نحتاجها، وهي مسؤولية وطنية لا تخص قبيلة بعينها، وإنما تشمل الجميع.



