الأحد 25 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • التجويع الممنهج سلاح الحرب ضد الإنسان

التجويع الممنهج سلاح الحرب ضد الإنسان

تتحول لقمة العيش في الحروب إلى سلاح للضغط والإخضاع، ويغدو الغذاء وسيلة لفرض الإرادة، بينما يصبح الحصول على الماء والدواء معركة يومية من أجل البقاء. وفي ظل هذا الحرمان، يتجاوز التجويع الممنهج حدود الجوع والعوز، ليستهدف حياة الإنسان وكرامته وقدرته على الصمود، ويحوّل الاحتياجات الأساسية إلى أدوات للسيطرة وكسر الإرادة.

يمثل التجويع الممنهج أحد أخطر أشكال العنف الذي يمكن أن تمارسه الأطراف المتحاربة ضد المدنيين؛ لأنه لا يستهدف الجسد وحده، بل يمتد أثره إلى النفس والإرادة والوعي. فالإنسان الذي يُحرم من الغذاء والماء والدواء، ويُترك أطفاله فريسة للجوع والمرض، يجد نفسه أمام ضغوط تتجاوز قدرته على الاحتمال، وقد يُدفع إلى خيارات قسرية تحت وطأة الحاجة والخوف، لا عن اقتناع أو إرادة حرة. وبهذه الطريقة، يتحول الجوع من معاناة معيشية إلى وسيلة للسيطرة على الناس وإخضاعهم لمطالب القوة التي تحاصرهم.

وتكمن خطورة التجويع في استهدافه أبسط شروط الحياة الإنسانية، وتحويله الاحتياجات الأساسية إلى أوراق للمساومة السياسية والعسكرية. فعندما يُحرم السكان من الغذاء، أو تُعطَّل طرق وصول الإمدادات، أو تُمنع المساعدات الإنسانية عن المحتاجين عمدًا، تصبح المعاناة اليومية جزءًا من معادلة الصراع، ويغدو المدنيون، الذين لا يملكون قرار الحرب ولا أدواتها، أول من يدفع ثمنها. وهنا تتجلى المفارقة القاسية؛ إذ تُستغل حياتهم، التي يُفترض أن تُصان، وسيلةً للضغط، وتُستغل حاجتهم إلى الطعام لاستنزافهم وإخضاعهم.

وللغذاء في حياة الإنسان مكانة تتجاوز مجرد سد الجوع؛ فهو أساس لاستمرار الحياة، وشرط للأمن والاستقرار والطمأنينة. وقد امتنّ الله تعالى على قريش بنعمتي الإطعام والأمن، وجمع بينهما في قوله سبحانه:

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ ۝ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [سورة قريش: ٣-٤].

ويكشف اقتران الإطعام بالأمن عن مكانة هاتين النعمتين في حياة الإنسان؛ فالجوع تهديد للبقاء، وانعدام الأمن تهديد للحياة والاستقرار. وعندما يُحرم الإنسان من الغذاء ويُحاصر بالخوف، تتضاعف معاناته، وتتأثر حياته النفسية والاجتماعية. لذلك، فإن توفير الطعام وحماية الإنسان من الخوف مسؤولية أخلاقية وإنسانية لا يجوز إخضاعها للمساومات السياسية والعسكرية.

ولا تقف آثار التجويع عند حدود الجوع وسوء التغذية، بل تمتد إلى تفكيك الحياة الاجتماعية وإضعاف الروابط الإنسانية. فعندما تعجز الأسرة عن توفير وجبة لأطفالها، ويتحول الأب أو الأم إلى شاهد عاجز على معاناة أبنائهما، تتراكم مشاعر القهر والعجز والخوف، وتتصدع الثقة بالمحيط، ويصبح تأمين الاحتياجات الأساسية أولوية تتقدم على التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة. ومع استمرار الحرمان، تتراجع قدرة المجتمع على المبادرة والتعافي، وتتسع دائرة الفقر والتبعية، ويصبح تجاوز آثار الحرب أكثر صعوبة حتى بعد توقف القتال.

أما الأطفال، فهم الأكثر تعرضًا لعواقب التجويع، والأشد هشاشة أمام آثاره. فالجوع في سنوات النمو لا يحرمهم من الغذاء فحسب، بل قد يترك أضرارًا طويلة الأمد في صحتهم وقدراتهم الذهنية وتحصيلهم الدراسي. والطفل الذي يفترض أن ينشغل بالتعلم واللعب وبناء أحلامه، يجد نفسه أسير الحاجة والخوف، وقد يفقد أبسط مقومات طفولته في بيئة لا تمنحه الأمان ولا تضمن له الحد الأدنى من الحياة الكريمة. وهكذا، لا تتوقف آثار التجويع عند معاناة الحاضر، بل تمتد إلى مستقبل المجتمع بأكمله.

وفي الحروب، يكتسب التجويع الممنهج بُعدًا سياسيًا بالغ الخطورة؛ إذ يمكن أن يُستخدم للضغط على الخصوم، أو إخضاع السكان، أو دفعهم إلى النزوح، أو انتزاع تنازلات تحت وطأة الحاجة. غير أن القدرة على ممارسة هذا النوع من الضغط لا تمنح مرتكبيه حقًا في استخدامه، ولا تجعل معاناة المدنيين وسيلة مشروعة لتحقيق الأهداف. فالسياسة التي تجعل جوع الإنسان أداة للمساومة تفقد جوهرها الأخلاقي، والقوة التي تستمد نفوذها من حرمان الناس من ضروريات الحياة تكشف عن عجزها عن تحقيق أهدافها بوسائل تحترم الإنسان وحقوقه.

ومن أخطر جوانب هذه الممارسة محاولات تبريرها بخطاب الحرب، أو تحميل الضحايا مسؤولية ما يتعرضون له، أو التعامل مع معاناتهم باعتبارها ثمنًا لا بد منه للصراع. ومع تكرار هذه التبريرات، يصبح الألم مألوفًا في الوعي العام، ويتراجع الإحساس بمأساة الجائعين، وكأن حرمان الإنسان من الطعام أمر يمكن تجاوزه تحت ضغط الحسابات السياسية والعسكرية. وهنا تتجاوز الخطورة فعل التجويع نفسه إلى اعتياد الظلم وتراجع الحس الإنساني، عندما تصبح المكاسب مقدَّمة على الحياة.

ويقال في المثل الشعبي: «الجوع كافر»، في إشارة إلى ما يتركه الجوع من قسوة وضغط على الإنسان عندما تُسد أمامه سبل العيش. وقد يتحول الجوع والتجويع، عندما يتجاوزان حدود الاحتمال، إلى دافع للانفجار الشعبي ومقاومة واقع الحرمان، وإلى حافز لتصعيد النضال من أجل الخبز والكرامة والحقوق. فالشعوب التي تُحاصر في أقواتها قد تبلغ لحظة تدرك فيها أن الصمت لم يعد يحميها، وأن استمرار المعاناة يدفعها إلى المطالبة بالتغيير وانتزاع حقها في حياة كريمة. ومع ذلك، لا يقود الجوع حتمًا إلى الانتفاض؛ فقد يدفع بعض الناس إلى الاحتجاج والمقاومة، بينما يفرض على آخرين الخوف والعجز والانكفاء. وتظل النتائج مرتبطة بظروف المجتمع، ومدى تماسكه، وقدرته على تحويل المعاناة إلى فعل جماعي منظم يطالب بالحقوق ويواجه الظلم.

وتتطلب مواجهة التجويع رفض تحويل الاحتياجات الإنسانية إلى أدوات للصراع، وضمان وصول الغذاء والماء والدواء إلى المدنيين دون تمييز، ومنع استغلال المساعدات في الابتزاز والإخضاع. كما تستلزم موقفًا واضحًا من القوى السياسية والاجتماعية والمؤسسات الإنسانية والإعلامية لكشف الوقائع وتوثيق الانتهاكات، وتسليط الضوء على معاناة المتضررين، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون. فالصمت أمام تجويع البشر لا يخفف من مأساتهم، والتبرير لا يغيّر طبيعة الانتهاكات، بل يمنح مرتكبيها مساحة أوسع للاستمرار.

ويحتل الإعلام موقعًا أساسيًا في هذه المواجهة؛ فمسؤوليته لا تقتصر على نقل صور الطوابير أمام المخابز أو أعداد المحتاجين، بل تشمل كشف الظروف التي أنتجت المجاعة، وتوضيح الجهات المسؤولة عن منع الغذاء أو عرقلة وصوله، وإتاحة المجال للضحايا للتعبير عن معاناتهم بكرامة، بعيدًا عن الاستغلال أو الإثارة. فالكلمة المهنية قادرة على نقل الجوع من هامش الاهتمام إلى صدارة النقاش العام، ومقاومة محاولات تطبيع الحرمان أو إخفاء المسؤولية عنه.

وفي اليمن، حيث تركت الحرب والأزمة الاقتصادية وتراجع سبل العيش آثارًا قاسية على حياة ملايين الناس، تبرز ضرورة حماية المدنيين من الجوع، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، وعدم إخضاع الاحتياجات الأساسية لحسابات الصراع ومصالح أطرافه. فمعاناة الأسر التي تكافح لتوفير وجبة يومية لأطفالها ليست تفصيلًا ثانويًا في المشهد السياسي، بل مقياس حقيقي لمدى احترام الإنسان وحقوقه، ودليل على حجم المسؤولية الواقعة على عاتق كل من يمتلك سلطة أو قدرة على تخفيف هذه المعاناة.

إن الجوع ليس مجرد فراغ في المعدة، بل حرمان من الأمان، واستنزاف للكرامة، وتهديد للحاضر والمستقبل. وعندما يصبح التجويع وسيلة متعمدة لإخضاع البشر، فإن مواجهته تتجاوز توفير الغذاء إلى الدفاع عن حق الإنسان في الحياة، ورفض استخدام المدنيين رهائن في صراعات لا يملكون قرارها. فالحروب، مهما تعددت مبرراتها، لا تمنح أحدًا الحق في تجريد الناس من إنسانيتهم، ولا يمكن لأي مكسب سياسي أو عسكري أن يبرر تحويل لقمة العيش إلى سلاح.

فالإنسان الذي يُحاصَر في قوته يُستهدف في حياته، والمجتمع الذي يُترك أطفاله للجوع يُستنزف في حاضره ومستقبله. ولا يمكن أن يكون السلام حقيقيًا ما دام الغذاء وسيلة للإخضاع، ولا أن يكون النصر مبررًا لإذلال الإنسان.