الأحد 25 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • تعز في بيان أممي: قراءة في ما قيل وما لم يقل

تعز في بيان أممي: قراءة في ما قيل وما لم يقل

بيان الأمم المتحدة عن تعز، الجمعة الماضي، ليس مجرد إحاطة إنسانية. هو وثيقة سياسية مشفرة. من يقرأه كخبر سيرى أرقامًا عن الماء والدواء، ومن يقرأه كمحلل سيرى تحولًا خطيرًا في قواعد الحرب في اليمن.
البيان يقوم على ثلاث طبقات:

الطبقة الأولى: ما قيل بوضوح.

بعد 20 يومًا من العزل الكامل، تقول أوتشا إن الوصول إلى تعز أصبح "مستحيلًا". هذه الكلمة لم تأتِ عبثًا. في لغة الأمم المتحدة، كلمة "مستحيل" لا تستخدم لوصف القتال، بل لوصف منع متعمد. الأمم المتحدة تقول ضمنًا: هناك طرف يمنعنا.

ثم يقدم المتحدث يانس لاركيه تشخيصًا دقيقًا للانهيار المتسلسل: إغلاق الطرق يؤدي إلى شح الديزل، شح الديزل يؤدي إلى توقف شاحنات الماء، توقف الشاحنات يؤدي إلى انخفاض إنتاج المياه للنصف وارتفاع سعرها لثلاثة أضعاف. هذه ليست أزمة منفصلة، هذه سلسلة موت مرتبطة ببعضها. تبدأ بقرار عسكري بإغلاق طريق، وتنتهي بطفل لا يجد ماء للشرب.

والصورة تكتمل بتصريح منظمة الصحة العالمية: 42 منشأة صحية منهارة في وقت واحد، و1100 مريض فشل كلوي، و192 حالة عناية مركزة، و154 حاضنة أطفال. الأمم المتحدة هنا لا تتحدث عن نقص مستقبلي، بل عن كارثة حية. هؤلاء المرضى لا يملكون 20 يومًا أخرى.

الطبقة الثانية: ما قيل بين السطور.

البيان ركز على كلمتين خطيرتين: "الوقود" و "الطرق". لم يقل "نقص تمويل" أو "صعوبة لوجستية". قال "إغلاق الطرق وشح وقود الديزل". هذا توصيف لفعل بشري، وليس لكارثة طبيعية.

في الحروب، هناك فرق بين مدينة تعاني بسبب القتال حولها، ومدينة تعاني لأن أحدًا قرر خنقها. بيان تعز يضعنا أمام النوع الثاني. عندما تعتمد مدينة كاملة على نقل المياه بالشاحنات، فإن قطع الوقود عنها هو قرار بقطع الماء عنها. وهذا في القانون الدولي الإنساني يقترب جدًا من استخدام التجويع والعطش كسلاح حرب.

الطبقة الثالثة: ما لم تقله الأمم المتحدة.

وهنا يكمن ذكاء البيان وضعفه في نفس الوقت.

البيان لم يسمِ الطرف الذي يغلق الطرق. اكتفى بوصف النتيجة. وهذه هي اللغة الأممية التقليدية لتجنب الاصطدام السياسي. لكنه في المقابل، ولأول مرة منذ فترة، استخدم تعبير "يمنع السكان من مغادرتها". هذه ليست لغة إنسانية محايدة، هذه لغة حقوقية تدين الاحتجاز.

كما أن البيان أشاد بالمنظمات المحلية "الشجاعة للغاية". هذه الإشادة هي في حقيقتها إعلان فشل. معناها: نحن كمنظومة دولية عاجزون عن الدخول، ومن يقوم بالعمل هم المحليون بما تبقى لديهم، وهم أيضًا على وشك النفاد.

قيمة بيان وتصريحات الأمم المتحدة ليست في أنه أخبرنا أن الناس هناك يعانون، فنحن نعرف ذلك منذ 10 سنوات. قيمته في أنه وصف آلية انهيار مدينة حديثة في 2026.

يبدأ الأمر بإغلاق طريق، ثم يتوقف الديزل، ثم تتوقف مضخة الماء، ثم تتوقف حاضنة طفل، ثم يتوقف غسيل كلى لمريض، ثم تطفأ مطبخ يطعم عائلة.

تعز لا تحتاج إلى مؤتمر مانحين جديد. كل ما تحتاجه، كما قال البيان نفسه في سطره الأخير، هو "استعادة الوصول الإنساني". أي: افتحوا الطريق. كل شيء آخر هو تفاصيل.