السبت 24 أكتوبر 2026

مكر التاريخ أن عاد

حتى لا تموت بلادنا بصندوق وضاح، آن أن تموت بمكر التاريخ إن عاد، إما عودة المظفر المنتصر، أو عودة الخائب الرجاء الفاقد دثاره، ليواجه مقولة الشارع الشعبي: «يستاهل البرد من ضيع دفاه».

نبدأ السرد بالقول: صندوق وضاح هي بلادنا اليمن التي تعيش لحظة ضيق التنفس، وفقدان التحرك، وشحوب على المحيا، ووجوه يعلو ملامحها الخوف. أن حانت لحظة تحنيط جسد وضاح على الطريقة الفرعونية ليلج مثواه الأخير.

قراءة متشائمة، لكن إغماض العين ساعة النزع الأخير مضرة، بل ضررها فظيع. نظرة تشاؤم، نعم، التفاؤل مطلوب، وإن في واقع سياسي تصنعه صيحات الحرب وطبولها وسجن العقول، تجعل الساحة مساحة للتشاؤم. تصنعه عوامل التصادم داخليًا، تغذيها عناصر الإشعال خارجيًا، ضمن موال لأطراف تعزف ألحانها المتصادمة حد الاقتتال. إنها ألحان تعلن الخروج عن المألوف لمن هو أبعد بكثير، بمعنى أن توافقات المصالح التي سادت مفاعيلها وألعابها أمدًا طويلًا، طرأت عليها جملة متغيرات داخلية وإقليمية ودولية، لحظة يعاد من خلالها إعادة صياغة الصراعات على مستوى العالم وفق مفاعيل عناصر القوة وعناصر الإنهاك والسلبيات التي تضعف مكونات الداخل المكون من حين تأسس على عوامل الولاء والطاعة والإمداد من أطراف كانت أساس التشكل وامتلاك شرعية التواجد داخل ساحة وطن متشظٍ مضطرب، واستمر على ذلك الحال يتوالد تفتتًا وإنهاكًا. فلا مؤسساته توحدت، ولا تجانس جامع بين قيادته طيلة أكثر من عشر من السنين. كل كان بطول وعرض اليمن المضطرب يغني على ليلاه، والأطراف الداعمة لما تم تسميته بالشرعية كانت لها حسابات مصالحها الخاصة، ولها نزاعاتها وملفاتها السياسية والاقتصادية الخاصة، عبر علاقات دولية متشعبة تجير مفاعيلها لمصالحها الوطنية أولًا، سواء تعلق الأمر بالشقيقة السعودية أو الإمارات التي تمادت كثيرًا حتى بات الكيان الصهيوني لديها أهم من استقرار ووحدة اليمن أو السودان.

هنا نقول: نحن معشر اليمنيين شمالًا وجنوبًا أمام لحظة فارقة. نبقى كما أردنا ذات يوم أم نرضخ لوقائع ومخالب المصالح السياسية وتناقضاتها التي باتت تنخر ليس فقط جسد بلادنا، بل الشرق الأوسط الذي يريدونه جديدًا بمعايير ريختر الصهيوني الإبراهيمي الذي بات يغازل الجميع.

الأمر أوله وآخره أن وجدت الإرادة الوطنية بيد أهل اليمن، هل يعودون لجادة الصواب التي تعني:

1- أن محطة الحرب إنما هي فخ لتدمير ما تبقى من أرض وإنسان وتوافقات وطنية.

2- هي فرصة للمراجعة الجادة للوقوف وقفة تاريخية مسؤولة لمصلحة اليمن أرضًا وشعبًا، فالدم المراق لا يولد إلا خرابًا لما تبقى بالنفوس من مشاعر وطنية، بل لعله يردم تاريخًا، لكنه لن يلغيه، فالتاريخ كحقائق سيظل ثابتًا عن يمن بالتاريخ توحد وإن تعددت التسميات.

3- القضايا الكبرى في حياة الشعوب لا تفرض بالقوة. فروض الطاعة بالقوة تولد نقيضها الأسوأ، وهو ما لا نريده ولا نحبذه.

4- الوضع الراهن دوليًا وضع مختلف جوهريًا عن مرحلة حركات التحرر. العالم بات يتشكل وفق معادلات الأتمتة والإعلام المميكن القاتل، والأمولة الأسوأ المفتوحة من آبار النفط والتكنولوجيا المتسارعة، تخلق وتقود لإعادة صياغة مسميات السياسة اعتمادًا على عنصري:

3- القوة بمعانيها الشاملة والمال بجبروته.

4- إعادة تشكيل الأوطان والبلدان ضمن أنسجة خالية من المكونات الأساسية لها، لتصبح هشة لم تعد تمتلك قواها الحية لمواجهة تغول السوق بمعانيه المتعددة: أسواق مالية، وأسواق تجارية، وأسواق مواد نادرة، وأسواق ومجتمعات تعيش حالات اغتراب بكل معاني حالات الاغتراب، بعد أن تمت عملية إزاحة ممنهجة لعناصر التلاحمات الوطنية بأخرى نفعية سوقية وظيفية، حيث باتت التكنولوجيا الجافة وسيلة الإبداع، حيث بات الذكاء الاصطناعي مفخرة. من يستعين به يستعير شيطنته، مما أدخل العقل البشري وتنمية إبداعاته ثلاجات التسويق، ليكن خاضعًا إما لإيلون ماسك أو توك توك أو غيرهما من أساطين عناصر القوة التي تسيطر وتفبرك غذاء المعلومات التي تضع الإنسان، المواطن، في خانات الانتظار والتلاعب، لا يدري أين الحقيقة، وهل ماتت بصندوق وضاح؟

أقول: لكن التاريخ لم يمت ولن يمت، ستظل حقائق تاريخ بلادنا اليمن قائمة.

ستظل مشاعر من عشقوا الوحدة متأججة، لن تنطفئ جذوتها، لكن لن تظل جامدة. الوحدة يحققها بشر وواقع معاش ومصالح تتصارع وسياسات تتغير، ولا شيء يستمر بالقوة فقط. لنا رجاء أن يعمل ما تبقى من عقل يفكر بالمستقبل على توليد ما يلي:

1- إطفاء نيران الكراهية والأحقاد بين أبناء شعب وبلد لهم مشاكلهم ولهم تطلعات لمستقبل آمن تتوافر فيه الحياة الكريمة.

2- ضرورة الإسراع باستعادة مؤسسات الدولة اليمنية، خاصة مؤسسة الجيش، بعيدًا عن أي مسميات شطرية. الجيش ومؤسسته الموحدة عنوان وجود دولة واحدة.

3- أهل اليمن، بما تبقى لهم من عقل، عليهم أن يحتكموا للعقل للوصول لجادة الصواب. فالجنوب سيبقى جنوبًا، والشمال سيبقى شمالًا، وروابط التاريخ والجغرافيا لن تمحى ولن تزول.

4- ما نحن فيه أشد مرارة وإيلامًا من كيان هزيل يمزقنا كل يوم، ولا بد من أن تتم عملية تاريخية لوقف نزيف الدم وتصاعد خطاب الكراهية، والانتقال إلى مربع الحكمة التي تزيل هذه اللحظة المفزعة التي لا نريد لها الاستمرار. أهم منها أن تحافظ السياسات الرعناء، إن تم وضعها من قبل أي فصيل داخلي أو إقليمي أو دولي، على ما يربط بين أبناء اليمن من روابط تكونت عبر التاريخ، سواء كانوا بدولة اتحادية ذات إقليمين أو أكثر، أو تباعدت خيوط الليل الكئيب.

فقد عاش الشعب في ظل شمال وجنوب حياة تسودها علاقات الإخاء، وأما لحظات الاحتراب فقد ولدتها سياسات غابت عنها العقول تمامًا، كما تمارس، مع الأسف الشديد، الآن.

أما شيطنة الشمال أو شيطنة الجنوب فخطاب ممجوج نرفضه شكلًا ومضمونًا. نريد واقعًا جديدًا ينقل بلادنا جنوبًا وشمالًا لمصاف دول لا ينقصها مما تتباهى به الدول الأخرى، خاصة دول الجوار، سوى العقل الحكيم المتزن الهادئ، وقد حان وقت أن يتبوأ مركز القيادة واتخاذ القرار لتسيير أمور بلادنا بروية وعقل، بعيدًا بعيدًا عن أي عنتريات أو التلويح بقوة السلاح وصرخات الزوامل والقبيلة.

نريد مشروع دولة حقيقيًا، إن على مستوى بلد موحد أو دولة من إقليمين، أو كما يطرح المغردون: كل يصلح سيارته، أو بتعبير ابن البلد، أفصح الله لسانه: كل يصلح بابوره، وكفى الله شعب اليمن أطماع السياسات المغامرة والتدخلات التي يزعجها ولادة يمن حقيقي قوي بأبنائه وموارده التي لا تنضب، والتي يحسد عليها أرضًا وموقعًا وثروات، ولعل أهمها أهلها الطيبون المبدعون المكافحون الذين تحملوا وزر حروب السياسات الحمقاء عقودًا طويلة في زمن كئيب.

آن أوان الدخول لعصر التنمية الشاملة والمواطنة المتساوية وواحة الاستقرار، فكفى شعبنا وبلادنا تفتيتًا وتشردًا وفقرًا، بينما نمتلك ما يغير واقعنا لو أحسنا قراءة ما يحاك ضد بلادنا وما بين السطور من ألغاز وذكاء اصطناعي خبيث.