السبت 24 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • العشرة المبشرون بغضب الله (الحلقة الرابعة)

العشرة المبشرون بغضب الله (الحلقة الرابعة)

من سمح ببيع الأرصفة والشوارع.. من أمين العاصمة إلى كل محافظ في عموم الجمهورية اليمنية!
لا أتكلم عن بسطة يسترزق منها فقير يعول أسرة يبحث عن لقمة عيش، أنا أتكلم عن منظومة تأجير رسمية منظمة!

وللحقيقة المرة التي لم تعد خافية على أحد، فإن مكاتب أمانة العاصمة ومكاتب محافظات الجمهورية لم تعد مكاتب خدمة عامة، بل تحولت بقدرة قادر إلى مكاتب عقارات ودلالة، تؤجر الرصيف بالمتر والشارع بالذراع، وتقبض الإيجار كأنها تملك بصائر المدينة وأوراقها!

وبحسب إفادات باعة في عدد من شوارع العاصمة، فإن المساحة في بعض الشوارع تؤجر بما يصل إلى 50 ألف ريال للمتر الواحد شهريًا في غير أيام المواسم، وقد يزيد ذلك أو ينقص من شارع إلى آخر، والحال نفسه يشكو منه المواطنون في عواصم محافظات أخرى؛ حيث يفرش صاحب البسطة في نصف الإسفلت، والمواطن يضطر أن يمشي وسط الشارع تحت خطر سرعة السيارات وتهور سائقي الدراجات النارية والباصات!

وفي صنعاء القديمة مشاهد تُخنق، والمهم عند أمانة العاصمة الجبايات!

جرب أنت وانزل بنفسك الساعة 10 صباحًا يا دكتور حمود أمين العاصمة، وأنت بقامتك الفارعة ومسؤوليتك إلى مداخل صنعاء القديمة الثلاثة، واصطحب معك رئيس هيئة المحافظة على المدن التاريخية ومحافظ محافظة صنعاء، ولا أظنكم ستسرون بما سترون وتسمعون.

في الزمر، وفي باب السباح، وفي باب اليمن الشارع الذي كان عرضه في عهد الإمامة أكثر من 20 مترًا، أصبح عرضه اليوم في عهد الجمهورية وفي ولايتك تحت مظلة المسيرة القرآنية، مترًا ونصفًا، يمر منه الناس بالدور!

بسطات حديد مثبتة في الإسفلت، والقمامة مكدسة هنا وهناك، ومشمعات وخيم بلاستيك زرقاء وخضراء وحمراء تشوه المنظر وتغطي جمال صنعاء القديمة، وسماعات بمكبرات صوت كبيرة بين كل سماعة وسماعة سماعة، وكلها تنبعث منها أصوات نشاز، وتُحدث بضوضائها ومناظرها تلوثً سمعيًا وبصريًا لا يُحتمل، وكلها تصرخ يا بلاش طوال اليوم، وسكان الحارة في بيوتهم لا يسمعون بعضهم!

في الزمر تختنق، وفي باب السباح تختنق أكثر ببسطات القات والخضرة التي أغلقت المدخل، وفي باب اليمن البوابة التاريخية التي يشهد كل من رآها أنها أروع وأجمل بوابة في الجزيرة العربية، لا تكاد تراها من كثرة الشوادر والخيم الملونة المطرزة بالأوساخ و ملصقات الشعارات الطائفية بألوانها الفارسية المشوهة للأملاك العامة والخاصة!

وهنا ثلاث حقائق لا بد أن تقال عن صنعاء القديمة:

أولًا: هذه المدينة قدمت الكثير من أبنائها فلذات أكبادها مع سلطة صنعاء في كل جبهاتها وحروبها المختلفة، ومع ذلك تجازى اليوم من المسيرة القرآنية بالإهمال ومصادرة حق سكانها في الهدوء والسكينة، وحق نسائها وأطفالها في حرية الغدو والرواح بأمان بعيدًا عن الازدحام والضوضاء.

ثانيًا: كان في صنعاء القديمة شيء من الخضرة؛ مقاشم، وبساتين في كل حارة من حاراتها كانت تسقى بمياه الوضوء من المساجد، وتعطي للمدينة جمالًا يتناسق مع جمال مبانيها، وكان السكان يستفيدون من خضارها وفواكهها، فتم إيصال مياه الوضوء إلى المجاري بصمت عجيب مريب من الأوقاف فيبست المقاشم تمامًا وغابت الخضرة عن المدينة الجميلة، وبدأ الاستيلاء بشكل أو بآخر من بعض النافذين على مساحات من بساتينها، وحرم سكان المدينة من الاستفادة من منتوجها.

ثالثًا: المدينة واقعة بين مطرقة أمانة العاصمة وسندان هيئة المدن التاريخية، يتنازعان إيجابيًا على مواردها وسلبيًا على خدماتها، وهو نفس المشهد القائم بين أمانة العاصمة ومحافظة صنعاء بشأن المناطق الواقعة بين حدود الجهتين.

وهنا نقطة لا يجوز بأي حال من الأحوال السكوت عنها:

في مداخل مدينة صنعاء القديمة يصعب على النساء ـ-يا دكتور حمود- أن يمررن بسلام نتيجة الازدحام الشديد وتدافع السوقة والفوضويين!

المرأة لا تستطيع أن تمشي هي وطفلها إلا وهي ملتصقة بالناس، وفي هذا الزحام تكثر حوادث النشل وسرقة الجوالات والحقائب حسب شكاوى الأهالي. ويشكو المواطنون أنهم يجدون عند السور الجنوبي لباب اليمن بضائع يشتبه أنها مسروقة تباع علنًا وعلى بعد أمتار من مركز الشرطة، وهو ما يتطلب نزولًا أمنيًا دائمًا ومستمرًا للتحقق وتنظيم المكان.

حاول أن تدخل وايت ماء لبيت قديم في مدينة صنعاء القديمة.. صعب جدًا!

أو سيارة إسعاف لمسن أو لمرأة في حالة وضع مفاجئ.. أو سيارة إطفاء.. صعب جدًا جدًا... إن لم يكن مستحيلًا!

حتى الجنازة لا تخرج يا دكتور حمود إلا محمولة، وتمر بصعوبة بالغة فوق البسطات!

لأن الرصيف مؤجر، والشارع مؤجر، والقمامة تحته، والكل يعرف لماذا كل هذا العبث؟

والكل يعرف أيضًا أن مسؤولي أمانة العاصمة والمجالس المحلية يلهثون وراء جمع الأموال على حساب معاناة الناس، وغلبت لديهم غريزة الجباية وجمع الأموال على أداء واجباتهم؛ علمًا أن إيرادات الأمانة من مصادرها المتعددة من أصحاب الحرف والمصانع والشركات والتجار والباعة وأصحاب العربيات، ومن ضرائب ونظافة وتحسين ورسوم مهن وغيرها، تكفيهم وتزيد.

وهذه الرسالة ليست لأمين العاصمة وحده، بل لكل محافظ محافظة؛ فعواصم المحافظات تعاني نفس المعاناة: تأجير الأرصفة، وغياب النظافة، وانتشار الكلاب الضالة، وابتزاز مكاتب الأشغال.

وما يحدث في صنعاء القديمة من عبث هو العبث نفسه الذي يتكرر في كل شارع وكل خط طويل، وله ستة أوجه أخرى لا بد من ذكرها، لأنها كلها من مسؤولية المجالس المحلية في العاصمة صنعاء وفي كل المحافظات:

1. الكلاب الضالة.. خطر جماعي:

لم يكن كلبًا واحدًا؛ بل هي قطيع من 7 إلى 10 كلاب تمشي مع بعض في الفجر، ويتبعها قطيع مماثل، وتشكل خطرًا على الأطفال والمسنين خاصة!

عضة واحدة من كلب كما يقول الأطباء تعني 21 إبرة ومصلًا سعره 30 ألف ريال، وإذا لم يوجد فهو موت بداء الكلب!

2. دراجات الموت.. ونعني الدراجات النارية:

نحن لا نجهل أن الكثير من سائقيها يعول أسرة من دخل الموتر، ونحن مع رزقهم ولا نطالب بقطع أرزاقهم، لكننا نطالب بضرورة إخضاعهم للنظام والتنظيم، فيُلزمون ويلتزمون باتباع أنظمة وآداب السير حفاظًا على سلامتهم وسلامة غيرهم.

المشكلة أن أعداد الموترات زادت بشكل جنوني، إنك لتجد سائقيها يُفرِزون بشكل طولي واحدًا بجوار واحد آخر إلى منتصف الشارع، وبالذات عند مداخل الأحياء السكنية والتجارية وبالقرب من المستشفيات والبنوك ومحلات الصرافة وبعض المباني الحكومية، فيضيقون الطرق ويتسببون في الازدحام وفي حوادث السير، وأغلبهم بلا لوحة، بلا خوذة، ويعكسون خطوط السير بكل استهتار وفوضوية!

3. الخطوط الطويلة ومطبات الباعة:

كل بائع بطاط أو جزر أو عسل أو ماء أو فل أو هراوات أو أي شيء على شوارع العاصمة أو على الخطوط الطويلة بين المحافظات، يبني لنفسه مطبًا على الإسفلت بلا لوحة ولا لون؛ وذلك بهدف أن تهدئ السيارات سرعتها، وتشتري منه، وفوق ذلك العديد من الحفر المنسية وعلى طول الخطوط الطويلة، فبالإضافة إلى مطبات الباعة نجد حفرًا عميقة تبقى لشهور بلا علامة تحذيرية، في النهار قد تراها وتتفاداها، لكن الخطر ليلًا، تأتي بسرعة 100 ولا ترى الحفرة أو المطب إلا وقد طارت سيارتك في الهواء، وكم من أسرة تدمرت بسبب حفرة لم يكلف المحافظ من يردمها بكيس أسمنت!

4. رخص البناء.. جباية مئات الملايين بلا رجعة:

وهناك ملف يثقل كاهل المواطن: مئات الملايين تجبى عند قطع رخص البناء تحت مسمى تأمين إزالة مخلفات البناء. يقال للمواطن ادفع وسيعاد لك المبلغ إذا رفعت مخلفاتك. والذي يحدث في كثير من الحالات أنهم يجبرون أو يضطر صاحب العمارة إلى إزالة المخلفات على حسابه الخاص بقلاب وجرافة، ولا يعيدون له ما استلموه، ولديهم من الأساليب التي يُكرِهون بها صاحب الحق في أن يستمر في المتابعة لاسترداد فلوسه، فتصادر، ولا يعود منها لأصحابه إلا النزر اليسير، وفي كثير من الحالات لا يسترد الناس من فلوسهم شيئًا!

5. الأبراج السكنية.. بدون صرف صحي وبدون ضمير استثماري ولا ضمير هندسي:

ننبه أمين العاصمة ومحافظ صنعاء بالذات وسائر المحافظين إلى مشكلة السماح ببناء الأبراج السكنية في مناطق لا يوجد فيها صرف صحي.

برج من 8 أو 10 بل وعشرين دورًا فيه من 40 إلى 80 شقة و400 ساكن يبنى في حارة بلاعاتها لا تتحمل، ماذا ستكون النتيجة؟

المجاري تفيض كل أسبوع، المياه الجوفية تتلوث، والشارع لا يتحمل سيارات السكان.

أما مواقف السيارات وإن خُصص لها بدرومات الأبراج، فهي لا تكون بعدد الشقق، فيترك السكان سياراتهم في الشارع وتغلق الحارة، والجار القديم للبرج صاحب الدورين لم يعد يرى الشمس ولا الهواء بسبب البرج الملاصق أو المقابل له!

6. مصلى العيد في صنعاء.. لم يسلم من الجباية:

لم تسلم من النهب حتى أماكن ممارستنا لشعائرنا الإسلامية، فهيئة جبايات الأوقاف اقتطعت جزءًا من مصلى العيد (الجبانة) في صنعاء، وحولته إلى محلات تجارية، وهو المصلى الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإقامته في العراء!

المؤكد أن قانون السلطة المحلية يلزم كل محافظ وأمين عاصمة بالحفاظ على نظافة الشارع وجمال المدينة وحق المرور ومكافحة الكلاب وسلامة الطرق وتنظيم البناء وحماية المخططات.

فإذا كانت شوارعنا كلها حفر، وقمامتنا في كل زاوية، وكلابنا الضالة أكثر من المارة، وأرصفتنا مؤجرة، وشوارعنا مغلقة بالبسطات، وحياتنا دون هدوء وسكينة بسبب إزعاج الدراجات النارية ومكبرات الصوت، ودراجاتنا بلا ضبط ولا ضابط، وخطوطنا مليئة بالمطبات العشوائية والحفر القاتلة، وأموال تأمين إزالة مخلفات البناء تؤخذ ولا ترد، وأبراجنا تبنى بلا صرف صحي وبلا مواقف كافية، ومقاشمنا يبست، وحتى مصلى العيد بيع، فمن من وراء هذا العبث كله؟

هم ذاتهم الذين يتفرجون على إدخال السموم والمبيدات إلى أحشائنا، وعلى سقي المزارع بمياه المجاري، ولا تحرك ضمائرهم الأمراض الخطيرة التي تسببها مياه المجاري ورش المزروعات بسموم المبيدات الإسرائيلية الممنوعة دوليًا على صحتنا!

فأين مشاط البلاد ومفتاح أبواب الجبايات ومجلساهما من هذا العبث؟

العابثون هنا هم ضمن العشرة المبشرين بغضب الله والناس.. أمين العاصمة ورئيس هيئة المحافظة على المدن التاريخية ومحافظو المحافظات وهيئة الأوقاف وكل المتغاضين المتقاعسين الساعين وراء الأطماع على حساب معاناة الناس، وفي مقدمتهم مفتاح أبواب الجبايات، ومشاط موارد البلاد وقاشطها!

هؤلاء هم من يضيق علينا. اللهم من ضيق علينا معيشتنا فضيق عليه قبره وحسابه.

ومن غشنا في مأكلنا ومشربنا وسممنا في أقواتنا، أو سكت على ذلك، فأطعمه من نفس سمه ومما سكت عنه، واجعل ما جمعه وبالًا عليه، وافضحه على رؤوس الناس.

ومن أخذ حقنا في الرصيف والطريق والبناء، ومن تسبب في هذا، فخذ ما في يده ولا تبارك له.

ومن شق علينا فاشقق عليه، ومن رفق بنا فارفق به.

إنك سميع مجيب الدعاء.