الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • بين الفرضية والمسلّمة: إشكالية الكتابة التاريخية عند غير المتخصصين

بين الفرضية والمسلّمة: إشكالية الكتابة التاريخية عند غير المتخصصين

كلما قلَّبت صفحات بعض الكتابات التي تقدم نفسها على أنها دراسات تاريخية "علمية"، تبرز أمامي ظاهرة متكررة تكاد تكون قاعدة: خلط فاضح بين البحث عن الحقيقة وبين إثبات القناعة. وهي ظاهرة تغلب على كتابات بعض الباحثين القادمين من تخصصات إنسانية أخرى، حين يتصدون لموضوعات التاريخ السياسي بمنطق غير منطق التاريخ.

إن الملاحظة الجوهرية التي تتكرر في تلك الكتابات هي لجوء أصحابها إلى حشد كم هائل من الوقائع والأحداث، مستقاة من مراجع متفاوتة القيمة، كثير منها غير موثوق ولا يخضع للفحص والنقد، لا بهدف اختبار الفكرة، بل بهدف تأكيدها في ذهن القارئ.
والمشكلة هنا ليست في الحشد ذاته، بل في طبيعة "الفكرة" التي يراد إثباتها. فهي لا ترقى لتكون "فرضية" بالمعنى المنهجي الدقيق. فالفرضية في البحث العلمي هي احتمال قابل للدحض والإثبات، يُتعامل معها بمنطق "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، نختبرها، وقد نصل في النهاية إلى ما ينقضها، فنقبل ذلك بصدر رحب.
أما عند هؤلاء، فإن الفكرة ليست فرضية، بل هي مسلّمة، وقناعة أيديولوجية مسبقة، وحكم نهائي غير قابل للنقض. إنهم يأتون إلى التاريخ وهم يحملون جواباً جاهزاً، وكل مهمتهم هي أن يستعيروا لغة البحث ومصطلحاته وزخارفه الشكلية، ويوظفوا الوقائع في سياق مغاير لمعناها الحقيقي، لخدمة هذا الجواب.
وهذا هو بالضبط ما يمكن تسميته بالتعاطي الغَرَضي أو الكتابة الموجهة. كتابة تنطلق من حكم مسبق وتسعى لتبريره، لا من سؤال مفتوح وتسعى للإجابة عليه. وهي بهذا المعنى نقيضٌ تام للكتابة التاريخية المنهجية، التي تضع الحقيقة العلمية النسبية هدفاً نهائياً لها، كنتيجة يتوصل إليها النشاط البحثي في خاتمته، سواء اتفقت تلك النتيجة مع هوى الباحث وقناعته الأولى، أو جاءت على الضد منها تماماً. فالمؤرخ الحق مستعد لأن يخذله بحثه.
وهنا يكمن جوهر الفرق بين المؤرخ المتخصص وبين غيره من أهل العلوم الإنسانية الأخرى مع استثناءات قليلة من كِلى الطرفين المتخصص وغير المتخصص.
إن الكتابة التاريخية في منظورها المنهجي هي كتابة موضوعية ومحايدة إلى حد ما، وليست مطلقة، لأنها في النهاية معطى بشري. والمؤرخ المتخصص هو من يُحكم قبضته على مادة بحثه المشتتة وغير المتجانسة، ويضبط بوصلتها، ويمارس عليها النقد الداخلي والخارجي، ويميز بين الغث والسمين، ويوازن بين المصادر المتعارضة.
أما الباحث غير المتخصص، فغالباً ما تحكمه مادته وتسيره، خصوصاً إذا غلب عليها نمط واحد من المصادر، أو إذا انساق وراء بريق الرواية التي تؤيد مسلّمته. وذلك عين ما كان ينبه إليه بعض أساتذتنا في مساق الدراسات العليا، حين كنا نتدرب على مناهج البحث العلمي. ولعل أقرب شاهد حاضر في الذهن في هذه اللحظة هو المستشرق البريطاني "جون بولدري"، فطبقاً لما ذكره أستاذنا المؤرخ الراحل سيد مصطفى سالم عن أهمية ما كتبه المستشرق في بحثه المعنون: العمليات البحرية البريطانية في اليمن إبان الاحتلال التركي ١٩١٤ - ١٩١٩م، اعتماداً على الوثائق البريطانية، إلا أن ثمة ملاحظات رصدها المؤرخ أثناء قيامه بترجمة البحث المذكور، أهمها: اعتماد المستشرق على الوثائق البريطانية وسبطرتها عليه سيطرة كاملة، مما فرض عليه منهجاً يخضع لطبيعة الوثائق وترتيباتها، فقاده ذلك المنهج إلى تفسيرات وتحليلات لبعض الوقائع منقوصة أو غير دقيقة، فلم يستفد من فترة بقائه في اليمن في فهم حقيقة أوضاعها ومما جمعه من روايات شفهية عنها. وبالتالي فإن الدارس في هذه الحالة يتحول من باحث يبحث عن الحقيقة، إلى محامٍ يترافع عن فكرة، ومن مؤرخ - على وجه التحديد - يستنطق الوثيقة، إلى أيديولوجي يوظف التاريخ.

الخلاصة، أن التاريخ ليس مخزناً للشواهد الجاهزة التي نستل منها ما يوافق أهواءنا، بل هو علم له منهجه وصرامته. وما لم يتحرر الباحث من مسلّماته ويتعامل مع فكرته كفرضية قابلة للسقوط، وما لم يخضع مصادره للنقد بدلاً من حشدها للتزيين، فإن ما ينتجه سيظل خطاباً أيديولوجياً بلبوس تاريخي، لا بحثاً تاريخياً يستحق صفة العلمية.