كيف كان يفكر عيسى في مثل هذه الليلة قبل 48 عامًا؟
لم يكن عيسى محمد سيف يدافع عن نفسه في قاعة المحكمة، كان يحاكم الواقع نفسه.
من سمع الإذاعة في ليالي أكتوبر 1978، سمع صوتين؛ صوت ادعاء يصرخ بالقتل والتآمر، وصوتًا هادئًا يرد بثقة: أنا المسؤول.
في هذه الجملة كان فكره كله.

عيسى كان يؤمن أن التاريخ لا ينتظر أحدًا. كتب لرفاقه في وثائق التنظيم أن عليهم أن يكونوا فاعلين في صناعة الأحداث، وألا يلهثوا وراءها.
بعد اغتيال الحمدي شعر أن اليمن تُسحب من حلم الدولة إلى غنيمة السلطة، فلم يقبل أن يكون متفرجًا. كانت حركة 15 أكتوبر محاولته ليصنع هو الحدث.
لكن ماذا كان سيصنع لو نجح؟ الجواب كان في حقيبته.
لم يحمل عيسى مسدسًا ليلة الحركة، حمل حقيبة فيها ملف سماه الفيتكونج؛ تيمنًا بثوار فيتنام. داخل الملف كان مشروعه السياسي الكامل الذي سماه ثورة في الثورة. لم تكن الحركة عنده انقلابًا عسكريًا يغير الوجوه. كانت ثورة داخل الثورة تعيد تصحيح مسار 13 يونيو. مشروع لدولة وطنية حديثة، دولة مؤسسات، لا دولة مشايخ وسماسرة. دولة تستكمل ما بدأه الحمدي.
لهذا حين اتهمه المدعي العام بأنه خطط لقتل الرئيس ونائبه ووزير الداخلية، وقف وقال جملته التي حفظها التاريخ: لم نكن نستهدف الأشخاص، وإنما كنا نريد تغيير الواقع. لم يكن يريد كرسيًا فارغًا، كان يريد إخراج ذلك الملف من الحقيبة، وتحويله إلى دستور واقع.
ثم كانت ذروة فكره في أخلاقه كقائد. في المحكمة كان يتدخل دون إذن، ينزع التهمة عن رفاقه، ويضعها على كتفيه. وحين حوصر رفيقه سالم السقاف، نهض ليعلن: أنا الأمين العام، وسالم أميني المساعد. لم يكن يدافع، كان يوثق حركة كاملة حتى لا يقال إنها مغامرة.
هكذا فكر عيسى حتى حبل المشنقة. آمن أن التاريخ يُصنع، وأن الواقع يجب أن يتغير بمشروع مكتوب لا برصاصة طائشة، وأن القائد هو أول من يتحمل المسؤولية. صعد في الخامس من نوفمبر شامخًا الى السماء، وبقيت حقيبته هي الشاهد أن 15 أكتوبر 78 لم تكن انقلابًا، بل كانت ثورة في الثورة لم تكتمل.



