النخيل والأعناب
في القرن الثَّاني عشر الهجري، خاض علماء تهامة والجبال جَدلاً أدبيًا في المفاضلة بين النَّخيل والكٌرُوم.
وقد انتصر علماء وأدباء تهامة كالأديب العلامة أبي بكر بن معيبد(1)، والعلامة الكبير عبدالله بن عمر خليل الزَّبيدي للنَّخيل، وفضلوا ثَمَرَتهَا (التمر) على العنب، واحتجُّوا لها بأدلة من القرآن الكريم، والأحاديث النَّبويَّة وغير ذلك.
أمَّا علماء الجبال، كالعلامة زيد بن علي المؤيدي، وقبله العلامة عبدالله بن محمد النَّجري؛ فقد مالوا إلى تفضيل العنب، وساقوا أدلتهم على فضله أيضًا من القرآن والأحاديث النبوية، ومن الطِّبِّ.
وتعصب كلا الطرفين للفاكهة التي تنبت ببلدته أمرٌ طبيعي، ولأنَّ أساس الخلاف «أفعل التفضيل»، وهو أمر نسبي؛ صار تَوَخِّي تسليم كلا الفريقين بحجة الآخر، أو التَّسوية- في أقل الأحوال- غير ذي جدوى. فكان الأمر كما قيل:
نَحنُ بما عندنا، وأنتَ بما
عِندَكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُختلفُ
ويقول شيخ مشايخنا المؤرخ القدير محمد بن محمد زبارة في كتابه «نشر العرف»: (1/ 663)، أنَّ من فَتحَ باب المفاضلة بين العنب والنخل هو العلامة زيد المؤيدي.
وأبيات المؤيدي يستهلها بقوله:
سَقَى رياضَ المغاني وَابلٌ رَدِمُ
ولا تزالُ عليها تهملُ الدِّيَمُ
رياضُ كرمٍ كأنَّ الله صَوَّرهَا
من جنة الخُلد حيث النعم والنِعَمُ
هكذا وردت: (النعم والنعم). ولا أدري ما الفرق بينهما؟ ولعل الأولى محرفة عن كلمة لم تتضح لي. ولعلها: (النجم). إشارة إلى ارتفاع منبتها بصنعاء والروضة.
أمَّا أبيات ابن معيبد فهي:
عُجْ بالمُصَلَّى وعُرْبٍ ضَمَّهُ إضَمُ
حيثُ النَّخيلِ وحيث الضَّالِ والسَّلَمُ
والمنحنى والصَّفَا والمُستَجَارُ بِهِ
والخِيفُ والمَشعَرُ المَأثورُ والعَلمُ
وأبيات العلامة عبد الله بن عمر خليل الزَّبيدي:
بفيلقِ الصُّبح جيش الإفكِ منهزمُ
والصِّدقُ أفضل ما يجري به القَلمُ
سُبحانَ من بهرت آياتُ قدرته
عقلَ المُوحِّدِ فانزاحت بها الظُّلمُ
وقد توسط العلامة المجتهد محمد بن إسماعيل الأمير بين الطَّرَفين، فَأحسن الوساطة، وقال:
نَظمٌ هُوَ الدُّرُّ إلا أنَّهُ الكَلِمُ
أو أنَّهُ النُّور تَخفى عندهُ الظُّلَمُ
أو كان في بَابلٍ فابتزَّ صَاحِبُهَا
هَاروتَ سِحرًا به قد كَانَ (2)يبتسمُ
وقد ختمها بالصلح بين النَّخل والكرم؛ ما يذكرنا بالصلح الذي عقده الشَّاعر أبو ناصر، في أبياته التي يذكر فيها تفاخر الفُلّ (الياسمين)، والورد، وتعاظم كُلٍّ منهما على صاحبه؛ في الأغنية التي غناها الفنان الكبير محمد مرشد ناجي.
وقد ذكر المؤرخ القدير محمد بن محمد زبارة، جُملةً من المؤلفات والرسائل الأدبية في بعض المفاخرات؛ وهي:
«أقراط الذهب في المفاخرة بين الرَّوضة، وبير العزب»، لعبد الله بن علي الوزير، و«المفاخرة بين الحرة والأمة أو بين البيضاء والسوداء»، للأديب شعبان سليم، و«المفاخرة بين البندق والقوس»، لإبراهيم الهندي، و«الطِّرَاز المًذهَب فيما بين البكيرية، وجوامع صنعاء، ومسجد الذهب»، لعلي بن صالح أبي الرجال، و«مسامرة الرِّفَاق فيما بين القات والتنباق» (التنباك).
وَ «مَا أسعرَ وهاج، بين الشَّمعة والسِّرَاج»، و«ترويح الأوقات بالمناظرة بين القهوة والقات»، و«الجوهر الفرد فيما بين النِّرجس والورد»، و«الزِّق المنفوخ في مناظرة الجُبَّة والجُوخ».
و«مناظرة الغيداء والأغيد، والبنت والعجوز»، و«سُؤال الزهر، أم ورق الغصون الأخضر؟»، و«المفاخرة بين بير الباشا الصَّنعانية، وبئر غارب أثلة العذرية الحاشدية».
ومن الملاحظ اشتراك اسم «بير باشا»، الصنعانية، والأخرى التعزية التي بطريق «قَدَسْ»، والظَّاهر أنَّ الذي قام باحتفارهما أحد الولاة الأتراك.
وهاته أبيات الصلح، لابن الأمير:
والنَّخل والكَرْمُ قالا قد حَكَمت بما
نَرَاهُ حقًّا وراحَ الكُلُّ يَبتسم
وَأصبَحَا، وهما روحانِ في جَسَدٍ
وتَابَ كُلٌّ، وباب التَّوبةِ النَّدمُ
واللهُ قَسَّمَ في الأقطار نِعمتهُ
فَكُلُّ قُطرٍ بِهِ مِن فَضلهِ نِعَمُ
مُوزعًا في جميع الأرض أنعمَهُ
بحكمةٍ عجزت عن وصفِهَا الكَلمُ
من قبل إيجاد أهل الأرض قَاطبةً
سُبحانهُ وتَعَالى شَأنهُ الكَرمُ
فاشكُرْ أياديه تزددْ بِهِ نِعَمًا
فَشكرُهُ لمزيدٍ الفضلِ يُغتنمُ
ثُمَّ الصَّلاةُ على المختارِ من مُضَرٍ
والآل والصِّحبِ خيرِ الخلق كُلِّهِمُ
ولطالما أشكلت علي الآية الواردة في سورة الكهف: (واضرب لهم مَثَلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب، وحففناهما بنخل)؛ وهوَ أنَّ الأماكن التي ينبت فيها النَّخل، تحتاج إلى درجة حرارة عالية لإنضاج ثمرته من التمر، بخلاف الأعناب التي تحتاج إلى برودة؛ فكيف يجتمعان بمكان واحد؟!
ثُمَّ إني رأيت بصنعاء كَثيرًا من أشجار النخيل، ورأيت بعضها محملاً بالبلح الأصفر في الفترة الأخيرة. فيكون هذا هو جواب السُّؤال عن وجود بساتين من أعناب تحف بها أشجار النخيل.
هوامش
(1) ورد في نشر العرف: 1/ 663 معيد. والصَّواب ما ذكرناه.
(2) كذا ورت! ولعل الصواب: كاد يبتسم.



