الثأر يلِدُ الثأر
الثأر لا يطفئ دمًا، بل يفتح الطريق أمام دم جديد. والدم يستحلب الدم، والحرب لا تنهي الحروب بالضرورة، بل قد تلد حروبًا أخرى ما دامت أسبابها قائمة، وما دام العنف يُقدَّم بوصفه وسيلة للحسم، والانتقام يُقدَّم بوصفه عدالة.
من هنا تبدأ الدائرة التي يصعب كسرها؛ جريمة تلد ثأرًا، والثأر يلد جريمة، والجريمة تترك خلفها غضبًا جديدًا، فيستمر النزيف، وتتوارث الأجيال ذاكرة الألم والخصومة. ومع مرور الوقت، لا يعود العنف حادثةً عابرة، بل يتحول إلى ثقافة وسلوك، وتصبح الكراهية جزءًا من الوعي الجمعي، ويغدو الآخر خصمًا دائمًا بدل أن يكون شريكًا في الوطن والمجتمع.
والثأر، في جوهره، لا يعيد حقًا ضائعًا ولا يعيد حياةً أُزهقت. إنه يضاعف الخسارة، ويوسع دائرة الضحايا، ويمنح الألم عمرًا أطول. وكلما أُخذ الدم بالدم، انتقلت المأساة من جيل إلى جيل، حتى يصبح الماضي حاضرًا دائمًا، ويظل المستقبل رهينةً لجرائم لم يرتكبها أبناؤه.
أما الحرب، فهي الصورة الأوسع لهذه الدائرة. فالحرب لا تقتل البشر وحدهم، بل تستنزف المجتمعات، وتدمر الاقتصاد، وتعيق بناء الدولة ومؤسساتها، وتمزق النسيج الاجتماعي، وتترك آثارًا عميقة في نفوس الناس. ومع طول أمدها، يتسع نطاق الخوف والفقر والنزوح، ويصبح العنف جزءًا من الحياة اليومية، بينما تتراجع قيم القانون والمواطنة والحوار.
والأخطر أن الحرب قد تعيد تشكيل وعي المجتمع. فالإنسان الذي يعيش طويلًا تحت الخوف قد يعتاد العنف، وقد يرى في القوة وسيلة للحماية، وفي الانتقام وسيلة لاستعادة الكرامة، وفي التسامح ضعفًا. وهنا تصبح مهمة الخروج من الحرب أكثر تعقيدًا؛ لأن المطلوب لا يقتصر على إسكات السلاح، بل يمتد إلى استعادة الثقة، وترميم العلاقات الاجتماعية، وإعادة الاعتبار للقانون والعدالة، وتغيير الثقافة التي جعلت العنف خيارًا مقبولًا.
كما أن استمرار الحروب يخلق مصالح مرتبطة بها. ومع اتساع دائرة الصراع، تظهر قوى تستفيد من الانقسام ومن اقتصاد الحرب ومن استمرار حالة الفوضى. وعندها يصبح إنهاء الحرب أكثر صعوبة، لأن بعض المستفيدين منها قد لا يرون في استقرار المجتمع مصلحة تتقدم على مكاسبهم.
لكن الثمن لا يدفعه هؤلاء وحدهم؛ فالمواطن هو الذي يتحمل العبء الأكبر. يدفعه من أمنه، ومن قوته، ومن عمله، ومن تعليم أبنائه، ومن حقه في حياة طبيعية ومستقبل آمن. وكل يوم تستمر فيه الحرب يعني خسارة جديدة تضاف إلى سجل طويل من الخسائر التي لا يمكن اختزالها في أرقام الضحايا والدمار.
وفي اليمن، تبدو هذه الحقيقة أكثر قسوة بعد سنوات من الصراع. فقد أرهقت الحرب المجتمع، وأعاقت بناء الدولة ومؤسساتها، ووسعت دائرة الفقر والخوف والانقسام، وجعلت أجيالًا كاملة تنشأ في بيئة مثقلة بالعنف. ولهذا فإن استمرار منطق القوة لن يقود إلى مستقبل مختلف؛ لأن إعادة إنتاج أدوات الصراع ستعيد إنتاج نتائجه نفسها.
إن كسر دائرة العنف يبدأ من الاعتراف بأن الانتقام ليس عدالة، وأن القوة لا تستطيع وحدها أن تصنع استقرارًا دائمًا. العدالة هي الطريق الذي يمنح الضحية حقها دون أن يصنع ضحية جديدة، والقانون هو الإطار الذي يحمي المجتمع من التحول إلى ساحة مفتوحة للثأر، والدولة القادرة على تطبيق القانون على الجميع هي الضمانة الأساسية لعدم تحول الخلافات إلى صراعات لا تنتهي.
ولا يمكن بناء مجتمع مستقر ما لم يصبح الاختلاف أمرًا طبيعيًا، والخلاف السياسي وسيلة للتنافس السلمي، والاحتكام إلى القانون والمؤسسات بديلًا عن السلاح. فالمجتمعات لا تتقدم بإلغاء اختلافاتها، وإنما بإدارة اختلافاتها عبر قواعد عادلة تحمي الجميع.
إن الوطن الذي يبقى أسيرًا لثارات الماضي يصعب عليه أن يصنع مستقبلًا مختلفًا. وكل دم جديد قد يفتح بابًا لثأر جديد، وكل حرب تُترك دون معالجة حقيقية قد تهيئ لحرب أخرى. لذلك فإن أعظم انتصار يمكن أن تحققه المجتمعات التي أنهكتها الصراعات ليس انتصار طرف على طرف، بل انتصار الإنسان على منطق العنف، وانتصار العدالة على الثأر، وانتصار الحياة على الموت.
فالثأر يلد الثأر، والدم يستحلب الدم، والحرب تلد حروبًا؛ أما كسر هذه الدائرة فيبدأ عندما تصبح حياة الإنسان أغلى من الثأر، والعدالة أقوى من الانتقام، والقانون أعلى من القوة، ويصبح المستقبل أحق بالحماية من أن يظل أسيرًا لماضي الدم.



