قضايا التحرش.. محكمة الأزياء أولًا!
مهزلة التحرش عندنا أننا مصرّون على التعامل معه باعتباره مشكلة دينية بحتة، ثم نجلس لنتراشق بالاتهامات: هل السبب ضعف الوازع الديني لدى الرجل؟ أم تبرّج المرأة؟
في الوقت الذي لا نكاد نرى فيه خطابًا دينيًا يهاجم التحرش نفسه بشكل مباشر، ويواجه المتحرش شخصيًا باعتباره المعتدي، دون أن يلتفّ ويدور، ثم يعود في النهاية إلى لباس المرأة وسلوكها.
ثم يستخدمه لإثبات وجهة نظر مسبقة: أن التزام المرأة بقواعد معينة سيحميها، فيتحول الحديث عن جريمة ارتكبها رجل إلى وسيلة ضغط لتقنين توجهات دينية واجتماعية تخص المرأة.
بل وقد يصل الأمر إلى التشفي بها:
"تستاهلي، شوفي عقاب ربنا على تجاوزاتك!"
وهكذا، يتم تحويل الضحية إلى متهمة، والمتحرش إلى أداة لإثبات صحة الوعظ وحراسة الدين!
رغم أن التحرش ليس بالأساس مشكلة دينية، هو مجرد اضطراب نفسي وتشوه معرفي أو سلوكي، أو نتيجة لإدمان الإباحيات والكبت الجنسي، أو مجرد نزعة سادية لإيذاء الآخرين، لذلك يحدث للأطفال، وللأولاد، وللمحجبات والمنقبات، وحتى الحيوانات!
وهذا الخطاب الديني ساهم في تفاقم المشكلة، والمتحرش نفسه يعرف هذا في الغالب أكثر منّا.
حتى أكبر المتحرشين لدينا يتحول إلى كتكوت مبلول عند خروجه من البلاد، مهما كانت معتقداته الدينية، لأنه يعلم أن أي تجاوز سيكلفه الثمن غاليًا.
فإن كان قادرًا على ضبط نفسه حين يعلم أن هناك عاقبة حقيقية، فالمسألة ليست أن المرأة لم ترتدِ ما يكفي من الملابس، ولا أن الشهوة أفقدته عقله، ولكن أمِن العقوبة فأساء الأدب.



