الثلاثاء 22 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • ​الثنائي النبيل.. علوان الشيباني وعبدالجليل سلمان

​الثنائي النبيل.. علوان الشيباني وعبدالجليل سلمان

​الثنائي النبيل.. علوان الشيباني وعبدالجليل سلمان

​كُتبت هذه المادة قبل عدة أسابيع، أو شهر ونصف من رحيل الصديق الأستاذ/ علوان الشيباني، وبعثتها إليه في لندن، عن طريق الأستاذة رحاب الصغير، مديرة مكتبه، وأنشرها كما هي مع بعض الإضافات الطفيفة بعد رحيله، ورحيل صديقه عبد الجليل، قبله بعدة سنوات.

​علوان ذاتية إنسانية حرة، مستقلة، مبادرة، ناشدة للإصلاح والتغيير بمفهومه الواسع والعميق بعيداً عن الشعارات، وكانت ملامح ذلك واضحة منذ بداية هجرته المبكرة (صغيراً/ مراهقاً)، للحبشة، والأهم أنه يقول ويفعل في ذات الوقت. وقد بنيت هذا الرأي/ الحكم من خلال التجربة والمعايشة، ومن خلال نقاش مع صديق قبل عقدين ونصف من الزمن، حين قال ذلك الصديق: إن علوان هرب من السياسة/ الحزب، خوفاً، لأن إرادة تغيير المجتمع في عقله كانت واهنة، ضعيفة، ومن أنه لم يحبذ مواجهة القمع والسياسة الاستبدادية، وأنه لا يفكر سوى بنفسه (ذاتي).. كان هذا الحديث بعد أن أصبح لعلوان اسم في عالم الاستثمار والسياحة، وإن لم يكن بمثل ما هو عليه اليوم.

​وجاءت سنوات العمر اللاحقة لتدحض ذلك الرأي، ولتؤكد صدقية الرأي المعارض لذلك الرأي السياسي الحدي، الذي يقرأ الشخصية الإنسانية في تفاعلاتها الذاتية المعقدة، بمدى وحدود ليس تماثلها مع ما يذهب إليه رأيه، بل وضرورة تطابقها مع ما يذهب إليه من رأي، ضمن قولبات نمطية لمقولات سياسية ذهنية جاهزة، لا تقبل المختلف/ المغاير، وقد ساعدني وأهلني سياسياً ونفسياً على عدم الاتفاق كلياً مع ذلك الرأي، رأي مبكر أو انطباع ذاتي له حيثياته وسمعته، من الصديق والقائد السياسي المحنك/ عبد الجليل عبد المجيد سلمان، أمين عام "حزب الطليعة الشعبية"، رحمة الله تغشاه، ونحن في سجن "القلعة"، أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين كانت معظم أحاديثنا في فراغ السجن وأهواله، تدور حول الشأن السياسي اليومي، (الاعتقال والتعذيب والقتل)، وقضايا السجن، وعن الأصدقاء والرفاق، وعن الذكريات والتاريخ الذي كان.

علوان سعيد الشيباني
علوان سعيد الشيباني

​كانت هذه المفردات/ القضايا همنا وخبزنا اليومي، تسليتنا الوحيدة المتاحة والمفضلة التي نقتل أو نزجي بها فراغ أيامنا الكابوسية في السجن، وكان رأي الصديق الفقيد/ عبد الجليل سلمان، في علوان مثيراً لانتباهي في ذلك الحين، رأي يضعه في مكانة ذاتية راقية وسامية أخلاقياً، وإنسانياً، وهو رأي كونه، أو تشكل لديه بعد مراجعات ذاتية للنفس وللأصدقاء، وللتاريخ الذي كان، فالسجن بحد ذاته مدرسة تضعك أمام نفسك وتاريخك وجهاً لوجه.

​ومن هنا كانت بداية معرفتي المعمقة بعلوان عن بُعد، ومن خلال رأي تكون، أو جاء في سياق أحاديث الذكريات.. واستمر رأي القائد السياسي الكبير/ عبد الجليل سلمان ذاته في علوان قائماً وثابتاً كما هو في لقاءاتنا اللاحقة حتى تواريه خفية عنا، وبهدوء الكبار وصمت الإعلام وقلة وفاء الرفاق، رحل عنا جليل، معلناً سمو المعنى وبقاء واستمرار القيمة.

​علماً أن عبد الجليل سلمان شخصية رصينة جادة وحادة في نفس الوقت، له أحكام سياسية قاطعة صارمة في الأشخاص، وفي الشأن السياسي العام، وهو ما أثار انتباهي – بعد ذلك أكثر – في حكمه وتقديره الشخصي لاسم/ ذات علوان، حكم من قائد سياسي عرف علوان في أواخر النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي في مصر/ الكنانة، ومن قائد سياسي ومثقف، خبر السياسة والناس، وعركته الحياة بتحدياتها، مع أن ما يجمع عبد الجليل بعلوان من الصفات الذاتية، الشخصية ليس كثيراً، فقط: الإرادة، والجدية، والوفاء للأصدقاء، والحزم، حتى أنه أطلق على ابنه البكر اسم "حازم".

​وقد سمعت الكثير من الكلام الطيب المفعم بالحب والمودة من أصدقاء قدامى كثر اشتركوا مع علوان في رحلة التعب والعناء، ومنهم الأساتذة الكبار: عبده علي عثمان، أنيس حسن يحيى، الذي كتب عن علوان، تحية وفاء في حياته، تحت عنوان: (علوان الشيباني.. أيقونة للوطنية، وسيرة للوفاء)، وكذلك من الأستاذ عبد الرحمن غالب الفقيه الجبلي، ومن د. عبد الغني عبد القادر، د. أحمد قائد الصايدي، ومن حسن شكري، وعبد العزيز محمد سعيد، وقد سجل بعضهم شيئاً من تلك الذكريات، في كتابات منشورة، وجميعهم لا يذكر أمامهم اسم علوان إلا وتظهر على محياهم وفي أقوالهم الكثير من الذكريات الطيبة التي تضعه في المكانة التي لا تليق إلا بالكبار.

​أتذكر أنه في تواصلي معه وهو في داخل البلاد، وحتى وهو في الخارج، أو في رحلته الأخيرة للعلاج في لندن، كان دائم السؤال عن الأصدقاء؛ ومنهم الأساتذة: أنيس حسن يحيى، حسن شكري، د. أحمد الصايدي، وعبد الرحمن غالب الفقيه/ الجبلي، الذي عمل معه لاحقاً في العمل التجاري الاستثماري، في "العالمية"، ولا أُنسى أنه طلب مني وهو في مرضه في لندن رقم تلفون الأستاذ الشاعر، سعيد الشيباني.

​ذلكم هو علوان الإنسان، حتى وهو في قمة التعب، لا ينسى السؤال عن الأصدقاء.

​في هذا السياق، أي سياق الحديث عن علوان، كنت أتحدث مع الصديق الأستاذ/ الباحث، أحمد صالح الجبلي، شفاه الله، وهو الذي ذكر لي أنه عرف علوان الشيباني في بداية التسعينيات من القرن المنصرم عن طريق الأحاديث التي كانت تدور مع عبد الجليل سلمان في عدن التي كان يزورها جليل كثيراً آنذاك.

​كان اسم علوان الشيباني، وبعض الأصدقاء – كما يذكر أحمد الجبلي – يتردد كثيراً على لسان الفقيد عبد الجليل سلمان بالثناء الجميل.. كان عبد الجليل يحمل وداً عطراً – والكلام للجبلي – لعلوان الشيباني الذي يتحلى بأجمل الصفات الأخلاقية والإنسانية.

​استحضرت هذه الذكريات عن عبد الجليل، وعلوان، في سياق ما نراه اليوم من انهيار في القيم السياسية والأخلاقية، وفي تدهور معنى العلاقات الإنسانية بين الناس، وتفكك أواصر العلاقات الاجتماعية، وتراجع المعنى الأخلاقي والوطني والقيمي، في عقول البعض، والأخطر اندحار وسقوط معنى الصداقة في وجدان البعض حيث تسود قيم المصالح المادية المجردة من كل قيمة، على قيم الروح والتسامي الأخلاقي، فتجرد البعض منا بفعل ذلك التجريف السياسي والقيمي من كل معنى نبيل، وجعل من بعضهم أشباه حيوات حيوانية، تدب على الأرض، فقط بحثاً عن مصلحة ذاتية عابرة آنية، فغلبت وتغلبت القيم المادية الرخيصة في تمظهراتها المصالحية البدائية على قيم الروح والأخلاق، بعد أن صار البعض منهم يتحرك في سلوكه الاجتماعي والسياسي، ومعاشه اليومي ليجسد حالة فصل القيمة عن المعنى، وعن التاريخ.. سقوط للمعنى وللقيم، وكأننا أمام قيامة نهاية تاريخ القيمة/ المعنى.

​هناك من تمتلكهم المادة في أسبوع تعبيراتها، عن الانحطاط والسقوط القيمي، فتجرد هم من كل شيء له معنى وقيمة، حتى ما تبقى لهم من مميزات وصفات شخصية إنسانية.

​وفي معمعة هذا العته، والمتاهة والتيه، والسقوط الأخلاقي والقيمي، والعبث بكل شيء، نجد هناك من استمروا في التمسك بأحلامهم البكر، في المحافظة على طهارة الروح، ونقاء القيم الأخلاقية والإنسانية في نفوسهم ووجدانهم.

ومنهم، أو على رأسهم علوان الشيباني، وعبد الجليل سلمان الشوافي.

​استحضرت الذاكرة عبد الجليل سلمان، وعلوان، لأن التاريخ لا ينتهي، تواصل واتصال، (صيرورة في الزمن، وفي الحياة وفي التاريخ)، لأنه معنى وحكمة وقيمة، وليس مجرد خبر في دفتر الذكريات.

​وفي الغالب يكون الاستحضار في هكذا حالات عفوياً وتلقائياً كحالتي مع هذه الكتابة.. هي كتابة غير مدروسة – كما سبقت الإشارة – استدعتها تداعيات شريط الذكريات في مستودع ذاكرة الذات الفردية الإنسانية، حيث كنت مخططاً للكتابة عن عبد الجليل سلمان، فاستدعت محفزات الكتابة، وقوة الذاكرة، وضغوط رمزياتها المعنوية والحياتية والإنسانية، حضور علوان، فكانت هذه الكتابة.. كما استدعتها ملابسات وشروط الواقع الراهن، مع ما كان.

​ومن هنا تتشكل وتحضر عوامل الربط تلقائياً بين الذاتي والموضوعي والتاريخي، بين الشخصي والعام، بين الذات الفردية وبين الأشياء والقضايا، في رحلة بحث عن الذات، وعن الوطن، والأصدقاء، وعن الوفاء.. رحلة مكتظة بالأحلام والآمال، وبالانكسارات في الذات الوطنية والإنسانية (الشخصية) تعلم وتصلب عود من يمتلك الإرادة وتجعله أقوى في مواجهة التحديات، والصبر على مصاعب الحياة، لتجاوزها بالإرادة الحرة الواعية والمستقلة.

​ذهب علوان للنشاط السياحي، والتجاري الخاص به، امتلك المال، ولم يتملكه، ومن هنا توظيفه للمال في خدمة بناء ذاتية إنسانية سوية، وفي خدمة الوطن والناس، وهو ما تقوله تجربته الخاصة مع المال في الحياة كما عاشها.. لم يمتلكه المال ليغربه عن ذاته، وعن إنسانيته، ويشيئه، ليحول الجانب الإنساني (الروحي)، فيه إلى مجرد رقم في حساب بنكي، بل إلى معنى وقيمة أخلاقية وإنسانية، على عكس حالنا مع البعض الذين يسابقون كالوحش في جريهم نحو بناء ذواتهم الخاصة على حساب كل القيم التي يرفعون عقيرتها في وجوهنا؛ شعارات للاستهلاك اليومي.

​بقي علوان كبدايته البكر، وطنياً/ إنسانياً في تفكيره وفي سلوكه الحياتي، وتحول العديد من ناقدي خياراته السياسية، والحياتية إلى المقلب النقيض، انتقلوا من الشعارات "الثورجية/ الأممية المتطرفة"، إلى القروية والقبلية والمذهبية والطائفية والجهوية.

​من بوابة السياسة دخلوا – مرتزقة السياسة – لجني المال، وشراء العقار، في حين ترك ابن التاجر المليونير، في ذلك الزمن، عبد الجليل سلمان، المال والأرض والعقارات الكبيرة في أهم شوارع صنعاء، وعدن، وتعز... إلخ ليلتحق بالسياسة كقضية وفداء وتضحية (السياسة النظيفة)، منذ البداية إلى الختام المفتوح على المعنى الإنساني الذي لا يزول.. ذهب المال، الذي وزع عبد الجليل سلمان بعضه على رفاقه وأصدقائه، محبة ووفاء، وبقي عبد الجليل الاسم والمعنى شامخاً في سماء الوفاء للوطن وللحزب وللأصدقاء، ولليمن كل اليمن.

​حتى عندما عاد ليشرف على بعض أموره المالية (محطتان للبترول، وغيرها)، في منطقة "الجراحي"، في محافظة الحديدة، كان يديرها بعقل السياسي الثوري، وكان بعض رفاقه يلجأون إليه في الشدائد، وكما كان ملهماً ومعطاءً في السياسة، كان فاشلاً في التجارة/ الاستثمار.

​إنني حقاً أمام ثنائي نبيل وجميل، عبد الجليل، وعلوان، يذكرانك بفروسية العصور الوسطى، الأول، نشأ في أسرة ثرية، برجوازية، ذات أملاك طائلة في الجنوب، والشمال، واختار الذهاب للحزب وللناس وللسجن، فكان بحق قائداً سياسياً وتنظيمياً من طراز فريد ورفيع، وكان من رواد التحول اليساري الاشتراكي في الحزب، (البعث/ يسار البعث)، منذ النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي مع رفاقه، قادة التحول للاشتراكية العلمية، كرس كل وقته وجهده للعمل السياسي والتنظيمي.. في السجن كان من أصلب الناس في المقاومة والتحدي، وما زال محفوراً في ذهني حديث محمد خميس رئيس ما يسمى "الأمن الوطني"، معه حين قال له: ما الذي جمعك مع أولاد المعلا، والشيخ عثمان، والتواهي، الصعاليك، عمال المطاعم والمخابز، والله، إنهم مع أول فرصة أمامهم سيقتلونك لأنك "ابن ناس"، ويقولون برجوازي قذر. ودائماً ما كنت أتندر معه حول ذلك القول لمحمد خميس.. كان ذلك هو الخيار السياسي المبكر للقائد الوطني الكبير، عبد الجليل سلمان، حتى رحيله قبل الأوان.

​واختار الثاني، علوان، وهو الآتي من أرض الطبقات الفلاحية الفقيرة، وليذهب إلى هاجسه وحلمه في التعليم، ومن بوابة الرغبة في التعليم هاجر إلى الحبشة، وليواصل بعدها تعليمه، رغبة في بناء الذات على أسس صحيحة، ولتجاوز حالة التخلف والأمية والجهل.. من نافذة التعليم دخل إلى أوسع أبواب الحياة، دخل لبناء الذات عبر الوسائل والأدوات النظيفة (القانونية/ الشرعية)، حتى صار اسم علم في المجال السياحي والتجاري الاستثماري.. إنها الإرادة في داخله، وحب الناس والوفاء للأصدقاء.

​بالإرادة، والتعليم، والوفاء للوطن، انتصر علوان بن سعيد الشيباني على العفن السائد، على طريق بناء مجد "عالـميته".

​هذا هو علوان بن سعيد الشيباني وذلك هو عبد الجليل سلمان.

​عبد الجليل سلمان، ذهب للدراسة والتعليم في مصر، على حساب والده الرأسمالي الكبير، وذهب بعدها إلى ألمانيا لاستكمال دراسته الجامعية، والتحق علوان الشيباني، ابن الأسرة الفلاحية الفقيرة، بالتعليم على حساب، أو في منحة من "الاتحاد اليمني"، في العام، 1956م، وذهب بعدها إلى امريكا لاستكمال دراسته الجامعية من خلال منحة دراسية فاز بها عبر المنافسة والمفاضلة.

​وجهان لقيمة أخلاقية وإنسانية واحدة. فعلى اختلاف السمات والصفات الذاتية المميزة لكل واحد منهما، إلا أن ما يجمعهما هو: أنهما من جيل واحد (منتصف الخمسينيات وبداية الستينيات)، واصلا الدراسة الثانوية بداية، وفي الجامعات المصرية، حتى تفرقت بهما السبل الدراسية، وجمعتها ووحدتهما معا، المدرسة الفكرية والسياسية الوطنية والقومية (البعث/ واليسار الاشتراكي) وتشاركا لفترة في العمل السياسي المنظم، كما توحدهما الصلابة في الإرادة والتمسك بالخيار (القناعات) دون تعصب، والوفاء للوطن وللأصدقاء.

​وما يجمعهما على الصعيد الشخصي – كذلك – هو حب الوطن، وحب الأسرة، والاكتفاء بشريكة عمر واحدة، من بوابة الحب والقناعة، وليس عدم القدرة، فكلاهما مقتدر على المثنى وثلاث ورباع، ولكنه الوفاء لمن أحبا، كعادتهما.

​مغامران في كل شيء، ولكنهما لم يفرطا يوماً في فطرة الوفاء التي كانت عنوان ذاتيتهما الخاصة، شأن الكبار في التاريخ.

​عبد الجليل سلمان من أكثر القادة السياسيين صلابة في إرادته، وأكثرهم استقلالية وحرية في اختياراته، وكذلك علوان. فحين قرر علوان ترك الحزب، أو بتعبير أدق، الانسحاب من الإطار التنظيمي، وليس من حقه في ممارسة السياسة، في بداية النصف الثاني من السبعينيات، كان ذلك خياره السياسي، مع أن السياسة الوطنية بقيت في شريان دمه.

ولمن لا يعلم، فإن مؤتمر الحزب العام للتحول من حزب البعث العربي الاشتراكي، إلى "حزب الطليعة الشعبية"، عقد اليوم الأول منه، في منزل علوان الشيباني، لأن المؤتمر انتقل في اليوم الثاني، إلى منزل أحمد الأنسي، وهو ما أكده لي الصديق، حسن شكري، وانتخب فيه علوان، عضواً في اللجنة المركزية.

​وحين قرر عبد الجليل ترك الموقع القيادي الأول في "حزب الطليعة الشعبية" كان ذلك خياره، وظل قيمة سياسية كبيرة، وهو بعيد عن النشاط السياسي اليومي للحزب، حتى رحيله المبكر.

​ونحن في غيابات أهوال السجن وعذابات أيامه وسنينه القاسية على الروح، بدأ بعض شباب السجن "القلعة"، بفتح ثغرة في جدار أحد الحمامات المهجورة في مكان ناءٍ في السجن، يؤدي إلى خارجه، وبقيت العقبة أنه وعلى بعد مئات الأمتار هناك قسم للشرطة، فتوقف الحفر في الجدار، وبعد فترة قصيرة وجد الشباب أن قسم الشرطة الذي كان مفتوحاً، وفي مواجهة منطقة الحفر في جدار السجن، تم نقله إلى مكان آخر، فبدأ الشباب بعدها مواصلة الحفر في الجدار لفتح ثغرة للنور (إلى خارج السجن)، وحين أخبرني البعض بذلك الأمر، عرضت ذلك الأمر على عبد الجليل سلمان حول كيفية تنظيم عملية الهروب، ولمن تكون الأولوية، كان رأيه قاطعاً، أن الأولى بالهروب/ الخروج، فقط: من عليهم أحكام إعدام، ومن تم القبض عليهم في اشتباكات ومواجهات مسلحة، أو من هناك مخاطر جدية على حياتهم، واستقر الأمر على رأيه، وهو ما كان رأينا جميعاً في السجن، ولم يفكر عبدالجليل في ذاته، على حساسية وخطورة وضعه القيادي، من حدوث تطورات أمنية مستقبلية مفاجئة على حياته، مع استمرار بقائه في السجن.

​ثنائي جميل – على الاختلاف الذاتي في ما بينهما – صار ذكر أحدهما في ذهني على الأقل – لا أعرف لماذا – يذهب بي إلى تذكر الآخر، وكأنهما يكملان بعضهما البعض، على الاستقلالية الذاتية لكل منهما عن الآخر كذوات فردية إنسانية، قد يتشابهان أو يتماثلان في بعض الصفات، دون تطابق، فالشخصية الإنسانية ذات مركبة ومعقدة، يصعب سبر أغوارها إلا في حدود الصفات والميزات الكلية العامة.

​في سياق رحلة علوان لبناء الذات، واجه جملة من المصاعب والتحديات تمكن بإرادته الحرة، وذاتيته المستقلة أن يكسر حدة عنف تلك التحديات، وكان لشريكة عمره، وتوأم روحه (كارمن/ الإسبانية) الدور البارز في التخفيف من عناء تلك المعاناة في تلك الرحلة الطويلة من المكابدة.. (كارمن) الزوجة الأجنبية/ الإنسانية ذات الأصل الأرستقراطي والنشأة الرأسمالية الأوروبية، التي اختارت علوان، كما اختارها، وهي من المفارقات النادرة الحدوث في العلاقات الاجتماعية، أن تقترن أوروبية/ إسبانية، ومن أسرة وسلالة أرستقراطية بشاب من أبناء الطبقات الفقيرة – مهما كان مستواه التعليمي – ومن المنطقة العربية والإسلامية تحديداً، إضافة إلى كل ذلك أنه قومي عربي/ ويساري، وهي ثالثة الأثافي، فذلك أمر نادر أو قليل الحدوث في الواقع، يتم تعويضه/ ومشاهدته في الأفلام السينمائية العربية والهندية والمكسيكية.

​إنه الحب الحقيقي، من يشرح ويُفك طلاسم شفرة هذه المعادلة/ العلاقة.. فالحب حين يكون، يكون هو السلاح الأمضى.

​عبد الجليل سلمان السياسي والقائد الوطني الكبير، تنكر لطبقته البرجوازية لينحاز للطبقات النقيضة لطبقته، علوان رجل الأعمال – لاحقاً – لم ينس جذوره وأصوله الاجتماعية. وبقيا معاً: علوان وعبد الجليل، وفيَين لوطنهما ولشعبهما، وهما في الحزب، كما وهما خارج الحزب.

​وكما تنكر عبد الجليل سلمان لطبقته البرجوازية، انسلخت الزوجة "كارمن"، من طبقيتها الأرستقراطية الرأسمالية، (صناعة/ مصانع الحديد)، لتعلن انحيازها لخيار الألفة الإنسانية، والفرح الذاتي، خيار الحب الإنساني، فانتصرت الشعبية الإسبانية، على الحساسية الأرستقراطية، انتصر الحب على السياسة والمال، وعبر ذلك الحب ومن خلاله تعملق حب الزوجة كارمن، لليمن، كل اليمن، أرضاً وإنساناً، رحمة الله تغشاها، بكل اللغات وبكل الطقوس.

​قبل عدة أشهر، أو عدة أسابيع، لم أعد أذكر بالضبط، سأل أحد الأصدقاء، سؤالاً ثقيلاً أو سخيفاً لعلوان: لماذا لا تفكر يا علوان، بالزواج؟ وكعادة علوان، حين لا يستروح الحديث أو الكلام، يضحك علوان، ضحكة هي أقرب للسخرية أو التهكم، وفي أعماقه – قطعاً – يستغرب – مثل هكذا سؤال، الذي قد يكون على سبيل المزاح، ولكنه لا يخلو من ثقالة في الروح، وفي الظل.

​وفي اتصال تلفوني بيننا قبل العيد من الخارج، قال لي إنه مسافر إلى إسبانيا مع ابنتيه وأحفاده لزيارة قبر زوجته وأهلها، كان يتحدث ولغة الوفاء والحب تسبقه، وتتقطر من فمه إجلالاً لمن كانت توأم روحه، فهو لم يفعلها حين كانت المغريات تحيط به من جميع الجهات، ويصعب على مثله مجرد التفكير بذلك، لأن الوفاء الإنساني في أعماقه أكبر من تلك التوافه والصغائر البدائية.

​لعبد الجليل سلمان القائد والإنسان، الرحمة والخلود في ذاكرة الوطن.

​وللعزيز/ علوان الصديق والإنسان، الصحة والسلامة.

​ذلك أن كتابة الموضوع كانت وعلوان ما يزال بيننا، ويتابع علاجه في لندن.