السعودية والتصعيد في اليمن: من تجنب الحرب إلى خطر فرضها
صباح العاشر من سبتمبر 2026، وبينما كان الحـ..وثيون يتقدمون نحو المخا، تعالت نداءات قادة في القوات الموالية للحكومة اليمنية والرياض طلباً لغطاء جوي. وأُبلغ أحدهم أن الدعم السعودي في الطريق، لكنه لم يصل. سقطت المدينة، وأكمل الحـ.وثيون سيطرتهم على الساحل الغربي وصولاً إلى جزيرة ميون في قلب باب المندب. ووفق تقييمات غربية، لعب ضعف الإسناد الجوي السعودي، والتنسيق مع الرياض وسوء تقدير حجم التحضير الحوثي، دوراً مهماً في انهيار الساحل.
لا تعني هذه التطورات أن الرياض غائبة تماماً عن الصراع، لكنها تكشف حدود حضورها وطبيعة مقاربتها الحالية. فالسعودية تبدو حريصة على إبقاء المواجهة تحت سقف يمكن التحكم فيه، وتتحفظ على توسيع جبهات الاشتباك، حتى عندما يبدو أن حلفاءها اليمنيين يدفعون في الاتجاه المعاكس. ولا يقتصر هذا الحذر على اليمن؛ فقد ظهر أيضاً في موقفها من الصراع الأوسع مع إيران، حين عارضت الانخراط في عمليات عسكرية واسعة رغم استهداف منشآتها الحيوية. وقد أسهم ذلك في توسيع فجوة التباين مع دولة الإمارات التي كانت تدفع نحو مقاربة أكثر حزماً.
للحذر السعودي حيثياته. فهو انعكاس لمخاوف الداخل، وخبرات الحرب، وخذلان الخارج، وحسابات الردع الإقليمي، وتعقيدات السياسة الدولية. فالرياض لا تبدو مستعدة لخوض مواجهة كبيرة مع الحوثيين من دون غطاء أمريكي مباشر أو إطار دولي يحد من مخاطر انكشافها أمام هجمات إيران وحلفائها. وللتجربة تأثيرها أيضاً؛ فالمملكة لم تخض حرباً منفردة وواسعة منذ مواجهتها مع إمام اليمن قبل نحو قرن، واعتمدت طوال عقود على المواجهات الجماعية أو غير المباشرة، وعلى البدائل الناعمة والثقل الدبلوماسي. كما أن انهيار حلفائها مؤخراً في الساحل الغربي يعزز شكوكها في جدوى التحرك المنفرد، خصوصاً مع تراكم قدرات الحوثيين وإثباتهم قدرتهم على إيذاء العمق السعودي.
وقد طلب ولي العهد من ترمب التدخل والمساهمة في عملية ضد الحوثيين، لكنه اعتذر، وقالت واشنطن إنها ستكتفي بتقديم الدعم الاستخباراتي والمساعدة في التخطيط العملياتي، وأجرت اتصالات مع الحوثيين في مسقط. وما رشح عن نتائج هذه الاتصالات يشي بأن واشنطن ربما اكتفت بتعهد الحوثيين بعدم استهداف أي سفن غير سعودية. وهو ما ترى المملكة أنه يتركها مكشوفة لضغوط المحور الإيراني. ولأن واشنطن، المنشغلة بحربها مع إيران، غير متحمسة ولا تريد فتح جبهة ثانية، لجأت الرياض إلى بكين للتوسط لدى طهران من أجل كبح جماح الحوثيين. لم تنجح مساعي بكين حتى الآن؛ فقد ربطت طهران التهدئة في اليمن بإنهاء الحرب المفروضة عليها.
وهذا كله يفسّر تردد الرياض، لكن مواصلة هذا التردد لم تعد مجدية ولا مأمونة العواقب، حتى من باب الرهان على تحسن الظروف لاحقاً، بل قد تكون مواصلة هذا النهج أخطر ما تقوم به الرياض. فهو يفقدها المزايا التي تتمتع بها اليوم، ومعه تصبح خياراتها الأخرى أكثر كلفة مع مرور الوقت والعودة إليها أكثر صعوبة.
فالتصعيد مرشح للاستمرار؛ إذ لن يقبل الحوثيون، وفق ما يعلنون، تهدئة لا تشمل رفع ما يعدّونه حصاراً وتنفيذ تفاهمات 2023، ومن الصعب على الرياض تلبية هذه المطالب بالنظر إلى الممانعة أو التحفظ الأمريكي، وتصنيف واشنطن الجماعة منظمة إرهابية. ومع استمرار التردد السعودي، يمكن أن تقرأ الجماعة الوضع باعتباره فرصة لتوسيع مكاسبها بدلاً من تثبيتها، خصوصاً مع حالة عدم اليقين بشأن نهاية الحرب على إيران، ورغبتها في تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب قبل تغير موازين القوى الإقليمية.
خلال السنوات الماضية، نجحت سياسة الاحتواء السعودية في ضبط التصعيد، وذلك من خلال استخدام القنوات السياسية والوساطات، وإبقاء مستوى العمليات العسكرية في حدود يمكن التحكم فيها. لكن البيئة اليوم تغيرت. فالحوثيون يوسعون مساحة الإكراه، وتحولت عملياتهم ضد المملكة من مجرد عرض للأزمة اليمنية إلى تهديد مباشر لأمنها القومي. وكلما طال أمد التردد، تراجعت فاعلية الردع، وأصبح الانتقال إلى المواجهة أكثر كلفة.
كما لا يبدو أن بالإمكان الرهان بثقة على دبلوماسية الوساطات وحدها. ورغم أن الوساطة الصينية لم تلفظ أنفاسها تماماً، فإن نجاحها مشكوك فيه بقدر الشك في استعداد بكين لممارسة ضغوط حقيقية على طهران. وإذا عجزت بكين بنفوذها الكبير على طهران، فحظوظ سواها أضعف، خصوصاً أن طهران تنظر إلى الملف اليمني كورقة مهمة للمساومة والضغط في سياق الحرب والحصار المفروض عليها. وتضيق فرص الوساطات لأن دوافع الجماعة المحلية تتقاطع مع حاجة إيران إلى الاحتفاظ بورقة ضغط ومساومة في سياق الحرب والحصار المفروض عليها.
يرى البعض أن الموقف السعودي ليس تردداً ويصوره بـ"هدوء الذي يسبق العاصفة"، وأنه الاستعداد لعملية عسكرية أوسع ضد الحوثيين أو ضمن تحرك أشمل يستهدف النظام الإيراني هو ما يفرضه. يسوق هؤلاء قرائن تدعم رأيهم: فقد قال ترمب إن أمامه "قراراً كبيراً" بشأن العودة إلى ضربات واسعة على إيران، وعقد قادة أركان دول خليجية وعربية وإسرائيل اجتماعاً بتنظيم أمريكي في ألمانيا، ومن المقرر أن يلتقي ترمب قادة الخليج في نيويورك على هامش مؤتمر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحتاج واشنطن إلى الهدوء قبل انتخابات نوفمبر النصفية. لكن لا شيء مؤكداً حتى الآن. وعلى افتراض وجود ترتيبات من هذا النوع، سيبقي الرهان عليها المملكة أسيرة انتظار تحولات قد لا تأتي بالسرعة التي تتطلبها التطورات على الأرض. أما التلويح الباكستاني بتفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك، والتصريحات التركية بالنظر في احتياجات السعودية للتصدي للهجمات، فلا تشكل حتى الآن دليلاً كافياً على استعداد فعلي للانخراط في القتال، وقد تكون أقرب إلى الضغط الدبلوماسي والدعم السياسي.
إجمالاً، يبدو موقف الرياض في مرحلة انتقالية، فهي لم تعد تستطيع التعامل مع التصعيد بالاحتواء القديم وحده، لكنها لم تحسم بعد قرارها بالانتقال إلى مواجهة عسكرية واسعة، ولا تثق بأن الشروط الإقليمية والدولية تتيح لها خوضها منفردة. المفارقة أن المملكة تحاول تجنب حرب لا تضمن نتائجها، لكن استمرار هذا النهج قد يضيّق خياراتها تدريجياً ويرفع كلفة أي مواجهة لاحقة. لم يعد الخيار ببساطة بين الحرب والسلام؛ بل بين مواجهة يمكن للرياض أن تختار توقيتها وشروطها، ومواجهة قد تجد نفسها مضطرة إلى خوضها في ظروف أقل ملاءمة. وفي بعض الصراعات، تكون المخاطرة الأكبر هي ألا تخاطر.



