استراحة: الفكر.. وتطوير اللغة

في ظل ما نحن فيه، وجدت نفسي أنحاز إلى نفسي، وأفكر ببعض قضايا الفكر التي قد تكون مجدية وتنشط حواسنا الدماغية. وفي ظل ذلك تراوح بي هذ السؤال، من أسئلة عدة تشاغلني: ما هو الإنجاز الفكري العام الذي يمكن اعتباره ذا شأن للغة الألمانية في ظل ما سمي بشطر ألمانيا الشرقية أثناء حكم الحزب الشيوعي؟
فكرت جديًا في السؤال، وفكرت أكثر جدية في من يجيب عليه.
وأسعفني الحظ باختيار زميل عملي الباحث في مركز البحوث والدراسات اليمنية الأستاذ الدكتور عبدالقادر البناء، المنفي حاليا في ألمانيا، وطلبت منه الرجوع إلى أية جهة مرجعية من الموسوعات العلمية الألمانية الرسمية لمساعدتنا في الإجابة على السؤال المطروح.
قبل البدء بالبحث عن مؤسسة ألمانية تابعة للموسوعة الألمانية الرسمية، أحببت أن أختبر الـChatgbtK ووجهت له السؤال التالي: أرجو أن تجيب على السؤال أدناه كمختص تاريخي -لغوي، وأن تأخذ في الاعتبار أن الباحث عن الإجابة هو كاتب وناقد أدبي يبحث عن إجابة تصلح أيضًا للاستخدام الموسوعي.
السؤال هو: ما هو الإنجاز الفكري العام، الذي يمكن اعتباره ذا شأن للغة الألمانية، في ظل ما سمي بشطر ألمانيا الشرقية قبل الوحدة الألمانية؟
وكانت إجابته هي: إذا كان المقصود بـ«شطر ألمانيا الشرقية» هو جمهورية ألمانيا الديمقراطية (DDR) بين 1949 و1990، فإن السؤال يمكن صياغته تاريخيًا ولغويًا على النحو الآتي: ما الذي أضافته تجربة ألمانيا الشرقية إلى الفكر واللغة الألمانيين، لا إلى الأدب الألماني في ألمانيا الشرقية فحسب؟
الجواب المختصر: لم تنشأ في ألمانيا الشرقية لغة ألمانية مستقلة بالمعنى اللغوي، لكن نشأ فيها نمط خاص من استعمال الألمانية، وتبلور حوله إنتاج فكري وأدبي ولساني له أثر مهم في التاريخ الثقافي للغة الألمانية في القرن العشرين. وكان أهم إنجاز عام هو أن الألمانية أصبحت، داخل دولة اشتراكية، أداةً لإنتاج خطاب فكري وأدبي وسياسي متميز، مع تطور واضح في دراسة اللغة والأدب والاشتغال النقدي على علاقة اللغة بالسلطة والمجتمع.
1. لا يصح الحديث عن «لغة ألمانية شرقية» مستقلة:
من الناحية اللسانية الدقيقة، لم تؤدِّ إقامة جمهورية ألمانيا الديمقراطية إلى انقسام اللغة الألمانية إلى لغتين. فقد بقيت Deutsch في الشرق والغرب لغة واحدة من حيث بنيتها الأساسية: النحو، والصرف، والنظام الصوتي، والمعجم الأساسي.
لكن حدث شيء أكثر دقة وأهمية: نشأت خصوصية لغوية-ثقافية في الشرق، يمكن وصفها بـ:
DDR-spezifischer Sprachgebrauch
أو
ostdeutscher Sprachgebrauch
أي: استعمال ألماني خاص بألمانيا الديمقراطية.
وقد ظهر هذا خصوصًا في المفردات السياسية والإدارية والاجتماعية، وفي العبارات التي أنتجها النظام الاشتراكي ومؤسساته.
فكلمات مثل:
Arbeiter-und-Bauern-Staat -دولة العمال والفلاحين
Brigade -اللواء/ الفريق العمالي
Volkseigentum -الملكية الشعبية
Planerfüllung -تحقيق الخطة
sozialistische Menschengemeinschaft -الجماعة الإنسانية الاشتراكية
Werktätige -العاملون/ المنتجون
Genossenschaft -التعاونية
Kollektiv -الجماعة/ الفريق
لم تكن مجرد مفردات جديدة؛ بل كانت جزءًا من نظام دلالي أيديولوجي جديد.
ومن هنا تأتي أهمية التجربة بالنسبة إلى تاريخ اللغة: ألمانيا الشرقية قدمت مثالًا واضحًا على قدرة النظام السياسي على إعادة تشكيل الاستعمال العام للغة دون أن يغيّر اللغة ذاتها.
2. الإنجاز الفكري الأهم: اللغة بوصفها مرآة للنظام الاجتماعي:
إذا أردنا اختيار إنجاز واحد ذي شأن موسوعي، فسأضعه في هذه الصيغة:
كان من أهم ما أضافته تجربة ألمانيا الديمقراطية إلى الثقافة الألمانية الحديثة تطويرُ وعيٍ مكثف بالعلاقة بين اللغة، والأيديولوجيا، والمجتمع والسلطة.
وهذا يظهر في اتجاهين متعارضين:
الأول: السلطة الاشتراكية حاولت أن تجعل اللغة أداةً لبناء الوعي الاشتراكي.
الثاني: الأدباء والمثقفون استخدموا اللغة نفسها للكشف عن التناقض بين اللغة الرسمية والتجربة الإنسانية الفعلية.
وهنا تصبح المسألة أدبية بقدر ما هي سياسية.
فاللغة الرسمية كانت تتحدث عن:
Fortschritt -التقدم
sozialistische Demokratie -الديمقراطية الاشتراكية
Frieden -السلام
Gemeinschaft -الجماعة
Volk -الشعب
بينما كان الأدب، ولا سيما لدى بعض كبار الكتاب، يطرح سؤالًا مختلفًا:
كيف يعيش الفرد داخل هذه اللغة؟ وما الذي يحدث للكلمات عندما تصبح الدولة هي التي تحدد معناها؟
وهذا السؤال هو أحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الأدب الألماني الشرقي.
3. وهنا يأتي الإنجاز الأدبي الكبير:
من الصعب الحديث عن ألمانيا الشرقية من دون الإشارة إلى أسماء مثل:
Bertolt Brecht
Anna Seghers
Christa Wolf
Heiner Müller
Stefan Heym
Uwe Johnson
لكن ينبغي الحذر من اعتبار هؤلاء جميعًا «نتاجًا لغويًا لجمهورية ألمانيا الديمقراطية» بالمعنى المباشر.
الأدق تاريخيًا أن نقول إن ألمانيا الشرقية أصبحت مختبرًا أدبيًا وفكريًا لمسألة مركزية في الثقافة الألمانية الحديثة:
كيف يمكن للكاتب أن يحافظ على استقلال اللغة داخل نظام سياسي يريد أن يفرض لغةً رسمية على المجتمع؟
وهذا ما يجعل تجربة ألمانيا الشرقية ذات أهمية تتجاوز حدودها الجغرافية والسياسية.
4. كريستا فولف نموذج بالغ الأهمية:
تُعد Christa Wolf ربما المثال الأوضح لهذه المسألة.
في أعمالها لا نجد مجرد «أدب اشتراكي»، بل نجد اشتغالًا شديد الحساسية على:
الذاكرة؛
الهوية؛
الضمير الفردي؛
علاقة الفرد بالجماعة؛
اللغة الرسمية؛
التاريخ الألماني؛
مسؤولية المثقف.
وفي أعمال مثل: Nachdenken über Christa T. وKindheitsmuster وKassandra تصبح اللغة نفسها وسيلة لإعادة مساءلة الرواية الرسمية للتاريخ.
وهنا يمكن للناقد الأدبي أن يرى شيئًا بالغ الأهمية:
لم تكن المقاومة الأدبية في ألمانيا الشرقية دائمًا مقاومة سياسية مباشرة؛ بل كانت في كثير من الأحيان مقاومة دلالية.
أي أن الكاتب يعيد إلى الكلمات معانيها الإنسانية التي جردها منها الخطاب السياسي.
5. أما هاينر مولر فله أهمية مختلفة:
Heiner Müller يمثل مستوى أكثر راديكالية.
في مسرحه، لا تُستخدم اللغة فقط لقول شيء عن السلطة؛ بل يجري تفكيك اللغة التي تتحدث بها السلطة نفسها.
ولهذا فإن Müller مهم في تاريخ المسرح الألماني وفي تاريخ النقد السياسي للغة.
إنه يواصل، بطريقة شديدة الخصوصية، تقاليد المسرح البريختي، لكنه يدفعها إلى منطقة أكثر قتامة وتفكيكًا.
وبذلك أصبحت ألمانيا الشرقية جزءًا من تاريخ تطور المسرح الألماني الحديث بوصفه مسرحًا نقديًا للسلطة والتاريخ واللغة.
6. ولكن هناك إنجازًا آخر أقل شهرة وأهم موسوعيًا: علم اللغة:
إذا كان السؤال عن «الإنجاز الفكري العام للغة الألمانية» وليس عن الأدب فقط، فعلينا ألا نقصر الإجابة على الكتاب والشعراء.
فقد شهدت ألمانيا الشرقية تطورًا مؤسسيًا مهمًا في:
علم اللغة الألماني؛
الدراسات الجرمانية؛
علم المصطلحات؛
علم اللغة الاجتماعي؛
دراسة لغة الإعلام والسياسة؛
دراسة المصطلحات السياسية والاجتماعية؛
معالجة المعاجم وتاريخ المفردات.
وكانت هناك مؤسسات علمية وأكاديمية مهمة، وعلى رأسها Akademie der Wissenschaften der DDR.
وهذا أدى إلى إنتاج دراسات ومعاجم وأعمال توثيقية أصبحت جزءًا من تاريخ الدراسات الألمانية.
ومن هنا يمكن القول إن ألمانيا الشرقية لم تترك «لغة جديدة»، لكنها تركت أرشيفًا ضخمًا لكيفية عمل اللغة الألمانية في ظل نظام اشتراكي.
7. المفارقة الكبرى: «اللغة الواحدة والخطابان»:
وهذه، في رأيي، هي العبارة الأكثر ملاءمة للمعالجة الموسوعية.
يمكن تلخيص التجربة الألمانية بين 1949 و1990 بالصيغة التالية:
لغة ألمانية واحدة، ولكن فضاءان سياسيان وثقافيان، ومن ثمّ خطابان اجتماعيان متمايزان.
في ألمانيا الغربية نشأ استعمال لغوي مرتبط باقتصاد السوق والديمقراطية الليبرالية والاندماج الغربي.
وفي ألمانيا الشرقية نشأ استعمال مرتبط بالاشتراكية والتخطيط المركزي والملكية العامة والصراع الطبقي والدولة الحزبية.
وبالتالي أصبحت بعض الكلمات تحمل حمولة دلالية مختلفة تبعًا للفضاء السياسي الذي استُعملت فيه.
وهذا موضوع مهم جدًا في علم الدلالة التاريخي (historische Semantik).
8. ماذا حدث بعد الوحدة؟
المثير للاهتمام أن الوحدة الألمانية سنة 1990 لم تؤدِّ إلى اختفاء فوري للغة الشرقية.
فبعض الكلمات والتعبيرات استمرت في الاستخدام، وبعضها اختفى، وبعضها اكتسب حياة جديدة.
وهنا ظهر مجال بحثي كامل حول:
Wörter und Sprachgebrauch der DDR
أي كلمات واستعمالات اللغة في ألمانيا الديمقراطية.
كما ظهرت أسئلة من نوع:
ماذا بقي من اللغة الشرقية؟
هل يمكن أن تكون هناك «ذاكرة لغوية» لألمانيا الشرقية؟
هل تحمل الكلمات ذاكرة النظام السياسي الذي أنتجها؟
هل اختفاء الكلمات يعني اختفاء التجربة التاريخية؟
لماذا بقيت بعض الكلمات بينما اختفت أخرى؟
وهذه الأسئلة تجعل التجربة الألمانية ذات أهمية خاصة لعلم اللغة والذاكرة الجماعية.
الخلاصة الموسوعية
إذا أردت صياغة جواب يصلح أن يكون مدخلًا موسوعيًا أو فقرة في دراسة نقدية، فأقترح الصياغة التالية:
لم تنتج جمهورية ألمانيا الديمقراطية لغة ألمانية مستقلة عن الألمانية العامة، إذ ظل النظام اللغوي الألماني مشتركًا بين شطري ألمانيا. غير أن الانقسام السياسي الذي استمر بين عامي 1949 و1990 أوجد في ألمانيا الشرقية نمطًا متميزًا من الاستعمال اللغوي والخطاب الثقافي، ولا سيما في المعجم السياسي والاجتماعي والإداري. وتكمن أهمية هذه التجربة، من منظور تاريخ اللغة والفكر، في أنها قدمت نموذجًا واضحًا لتفاعل اللغة مع الأيديولوجيا ومؤسسات السلطة والمجتمع، كما أفرزت أدبًا ومسرحًا ونقدًا فكريًا جعل من اللغة نفسها موضوعًا للمساءلة. ومن ثم فإن الإرث الأهم لألمانيا الشرقية في الثقافة الألمانية ليس إنشاء «لغة شرقية» موازية، بل إغناء الوعي الألماني الحديث بمشكلة العلاقة بين اللغة والسلطة والذاكرة والتجربة الاجتماعية، إلى جانب إسهامات مهمة في الدراسات اللغوية والأدبية والمصطلحية.
وإذا أردنا اختزال ذلك في جملة واحدة:
إن الإنجاز الفكري الأبرز لألمانيا الشرقية في مجال اللغة والثقافة الألمانية، كان تحويل التجربة التاريخية للانقسام الألماني إلى مختبر بالغ الأهمية لدراسة علاقة اللغة بالأيديولوجيا والسلطة والذاكرة، مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على وحدة اللغة الألمانية الأساسية.
وهذه النقطة الأخيرة مهمة جدًا: الاختلاف بين شرق ألمانيا وغربها كان اختلافًا في الاستعمال والخطاب والحمولة الدلالية للكلمات، لا انقسامًا في اللغة الألمانية ذاتها.
إذا كان هدفك البحثي هو كتابة مادة موسوعية أكثر تخصصًا، أستطيع أيضًا أن أبني لك في خطوة تالية دراسة بعنوان «ألمانية ألمانيا الشرقية: هل كانت هناك لغة DDR فعلًا؟»، تتضمن أهم الكلمات التي اخترعتها أو أعادت ألمانيا الديمقراطية تشكيل معناها، وأسماء المعاجم والدراسات اللسانية الألمانية الموثوقة، مع تحليل دلالي لأمثلة مثل: Volk، Arbeiterklasse، Genosse، Demokratie، Freiheit، Staat، Republik، Kollektiv.



