من معركة الوطن إلى معارك "خلي الشمال للحوـ.ثي والجنوب للجنوبيين"
المشكلة أننا في اليمن نحول معاركنا الوطنية الكبرى إلى معارك صغيرة، وننسى السؤال الأساسي: أي دولة نريد؟
في 2011 خرج الناس بحثا عن وطن، حرية، عدالة ومواطنة متساوية، في مواجهة نظام حول الدولة إلى شبكة نفوذ عسكري وقبلي وسلطوي، وجعل مؤسساتها في خدمة الحاكم وأسرته ومصالحه.
لكن بعد سقوط النظام، بدلا من أن تتجه القوى إلى بناء الدولة، بدأت كل قوة تبحث عن مشروعها الخاص.
ظهر الحوثي بمشروع الولاية والحق الإلهي في الحكم. وهنا المفارقة: هربنا من سلطة مستبدة ذات طابع سلالي، فإذا بنا أمام مشروع أكثر وضوحا في تكريس السلالة والولاية.
وفي الجنوب كانت القضية الجنوبية في أصلها قضية حقوق وعدالة ومواطنة، وصرخة في وجه الظلم والإقصاء. وكان يمكن أن تكون رافعة أساسية لبناء دولة وطنية عادلة.
لكنها تعرضت هي الأخرى للتوظيف والصراع، وأصبحت ورقة في لعبة أكبر من اليمنيين.
واليوم نسمع من يقول: «خلي الشمال للحوثي، والجنوب للجنوبيين».
طيب، أي جنوب؟
جنوب يريد العودة إلى ما قبل 1967، وجنوب يريد دولة ما بعد 1967، ومن يستحضر مشروع السلطنات، ومن يريد دولة جمهورية، ومن يريد أن تحكم منطقة بقية الجنوب.
إذن المشكلة ليست فقط في الشمال، وليست فقط في الحوثي. المشكلة أن اليمن كله لم يحسم بعد سؤال الدولة.
إذا تركنا الشمال لمشروع طائفي سلالي، وتركنا الجنوب لأكثر المشاريع ارتباطا بالصراع الإقليمي، فنحن لا نبني دولتين، بل نعيد إنتاج الاستبداد والانقسام بأشكال مختلفة.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست: من يحكم الشمال؟ ومن يحكم الجنوب؟
المعركة الحقيقية هي: هل نستطيع أن نبني دولة وطنية ذات سيادة، أم سنظل أدوات في مشاريع الآخرين؟
نحن لا نحتاج إلى دولة يحكمها «ولي الله»، ولا دولة تحكمها السلالة، ولا دولة تتحكم بها القبيلة، ولا دولة تديرها منطقة، ولا دولة ترسم عواصم الإقليم حدودها وحكامها.
نحتاج دولة اتحادية تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة، وسيادة القانون، والشراكة، وتوزيع السلطة والثروة، والسيادة الوطنية.
وهنا بالضبط تكمن المعركة التي يجب أن نستعيدها:
لا شمال للحوثي، ولا جنوب لوصاية أحد... اليمن كله للدولة والمواطنة.



