الحرب وتأثيرها على تطلعات الشباب اليمني: من التسرب إلى البطالة أو الاغتراب
تُشكل الحرب في اليمن عاملاً رئيساً في إعادة تشكيل واقع الشباب اليمني، حيث امتدت آثارها لتشمل البنية التحتية والمنظومة الاقتصادية والاجتماعية، مما انعكس مباشرة على اتجاهات الشباب وطموحاتهم وخياراتهم المستقبلية. وكما هو معروف فإن المجتمع اليمني مجتمعات فتياً، حيث يبلغ سكان اليمن حوالي 42 مليون نسمة، ويشكل الذين يبلغ أعمارهم أقل من 34 سنة قرابة 75 % من إجمالي السكان، وهذا له دلالات كثيرة في الحاجة إلى توسع الفرص أمام هذه الفئة في مجال التعليم أو الصحة أو في فرص العمل في السوق المحلي، كما أن هذه الفئة تعتبر الأكثر تضررا من الحرب وويلاتها، فقد توسعت ظاهرة التسرب من التعليم بين الأطفال واليافعين، وانتشرت البطالة بين الشباب، مما دفع القادرين منهم إلى الهجرة خارج البلاد.
التسرب خارج التعليم
لقد أدت الحرب المستمرة إلى تراجع حاد في معدلات الالتحاق بالتعليم العام والجامعي نتيجة تدمير وتضرر مئات المدارس والمؤسسات التعليمية، وتحول بعضها إلى مراكز إيواء أو لأغراض أخرى، واضطرار الكثير من الشباب في سن التعليم الثانوي والجامعي لترك الدراسة والتوجّه نحو سوق العمل غير المنظم لإعالة أسرهم، فقد أصبحت ظاهرة تسرب الأطفال والشباب في سن التعليم (الأساسي والثانوي) ملموسة في جميع المحافظات. وتشير تقارير المنظمات الدولية إلى أن هناك نحو 5 مليون طفل وشاب خارج المقاعد الدراسية في اليمن نتيجة الحرب والتدهور الاقتصادي.
أضف إلى ذلك، خلال سنوات الحرب انتشرت ظاهرة الغش في الامتحانات العامة، مما أفقد النظام التعليمي مكانته العلمية والأخلاقية، ولم يعد النجاح مبنيا على الجدارة والكفاءة، وهذا عزز الاعتقاد الخاطىء بأن التعليم لم يعد الخيار السليم لتنمية الإنسان وتحسين مستوى معيشته، كما أن هناك عزوف شديد عن الالتحاق بالتعليم الجامعي وخاصة التخصصات النظرية، إضافة إلى تراجع جودة التعليم الجامعي، وتوقف مرتبات الكوادر الأكاديمية والتعليمية، مما أضعف البيئة التعليمية ودفع الشباب إلى فقدان الشغف بالتحصيل العلمي.
إتساع البطالة
شهد سوق العمل اليمني، خلال فترة الحرب، انكماشاً غير مسبوق أثر بشكل مباشر على فئة الشباب، مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، فوفقا لإحصاءات الأمم المتحدة، تتراوح البطالة بين الشباب في اليمن من 65 % إلى 70 %، بسبب إغلاق العديد من مؤسسات القطاع الخاص وتوقف المشاريع التنموية مما أدى إلى تقليص الفرص الوظيفية في سوق العمل المحلي المنهك، ووفقا لنفس المصدر، فإن حجم الشباب الذين يدخلون سوق العمل سنويا يبلغ قرابة 620 ألف نسمة يتجه جزء منهم نحو أعمال حرة غير مستقرة أو منخفضة الأجر لا تلبي تطلعاتهم ولا تؤمن مستقبلهم. بينما تتوسع في اليمن فئة الشباب الذين لا يدرسون ولا يعملون ولا يتلقون تدريباً، مما يجعل هذه الفئة مجالا للاستقطاب إلى الجبهات أو قنابل موقوته ومساحة لتمدد مظاهر العنف والجريمة وغيرها من الآفات.
الاضطرار إلى الاغتراب
وأمام انسداد الأفق التعليمي والاقتصادي، أصبحت الهجرة الخيار الأبرز لدى قطاع واسع من الشباب، وتبرز السعودية كوجهة رئيسية والمقصد الأول للبحث عن فرص العمل بحكم الجوار الجغرافي وجودة الفرص مقارنة بالداخل، رغم التكاليف والإجراءات المعقدة. وتشير التقارير إلى أن عدد المغتربين حاليا في السعودية يتجاوز 3ملايين شخص، وهناك عشرات الألاف من الشباب الذين يتزاحمون أمام مكاتب الجوازات لاستخراج وثيقة سفر تمكنهم من مغادرة البلاد بحثا عن الرزق خارج البلاد، وأغلبهم من خريجي الجامعات والتعليم الثانوي. وتُظهر التقارير الاجتماعية أن غالبية المهاجرين هم من الذكور الشباب في الفئة العمرية (18–35 سنة)، الذين يغتربون بحثاً عن أي مصدر دخل لإعالة أسرهم في الداخل عبر التحويلات المالية، والتي أصبحت ركيزة أساسية للاقتصاد المعيشي في اليمن، وعامل استقرار لسعر صرف الريال أمام العملات الأجنبية.
وواضح أن الحرب أثرت بشكل كبير في تغير تطلعات الشباب اليمني، وتحول طموحهم، من بناء مسار مهني أو أكاديمي طويل الأجل داخل الوطن إلى البحث عن فرصة سفر وتأمين مصدر دخل إغاثي لربطه بمتطلبات الحياة الأساسية. وهذا يعني "استنزاف الطاقات" حيث تؤدي هجرة العقول والشباب المؤهلين إلى تفريغ المجتمع من طاقاته الإنتاجية، وهو ما يُعرف بـ "نزيف العقول".
وخلاصة الأمر، يمكن القول أن الحرب تسببت في تحول اتجاهات الشباب من التفكير في التنمية والابداع إلى التركيز على البقاء وتأمين الأمان الاقتصادي، مما يفرض ضرورة وضع برامج تمكين اقتصادي ودعم تعليمي عاجل للحد من هذه الآثار الممتدة. ولذلك، فإن على أطراف الصراع في سلطتي عدن وصنعاء تحمل مسؤوليتهم التأريخية تجاه فئة الشباب اليمني الذين يعول عليهم صنع المستقبل للبلاد، والعمل على مسارين:
الأول: إعادة تأهيل البيئة التعليمية والأكاديمية وضمان استقرار دفع رواتب الأكاديميين في الجامعات والمعلمين في مدارس التعليم العام، لرفع جودة التحصيل العلمي واستعادة شغف الشباب بالتعليم.
الثاني: تنظيم ومأسسة الهجرة وتبني مبادرات التأهيل قبل السفر من خلال إنشاء برامج تدريب وتصحيح مهارات للشباب الراغبين بالعمل في السعودية ودول الجوار للارتقاء بمهاراتهم وتسهيل حصولهم على فرص عمل رسمية ولائقة ذات عائد اقتصادي أعلى، وبما يحفظ كرامتهم ويُحسن مستوى معيشتهم،
إن تنفيذ هذه الحلول يستوجب بناء شراكة بين الجهات الحكومية والمانحين الدوليين (وفي مقدمتهم البنك الدولي) والقطاع الخاص لتقديم استجابة تنموية مستدامة تتجاوز الحلول الإغاثية المؤقتة.



