وما أدراك ما الموكا؟
هكذا انقشع الغم، وخيم ضباب كثيف يحيل الساحل الغربي إلى فتات على موائد الأيام، استكمالًا لنقطة سوداء خيمت يومًا على مساحة لا تزيد عن بعض كيلومترات. كانت الحديدة وميناؤها قاب قوسين أو أدنى من تحرير الحديدة، إعادة الوصل بالوطن العزيز وتهامة كلها، كانت على أبواب الالتحام بخارطة الوطن ليكتمل مسار الطريق نحو صنعاء.
لكن الرياح التي نلاعبها أسنة وحراب من يديرون صراع المصالح بالمنطقة، وبضمنها بلادنا، من خلف الستار، لم تكن أكثر من رياح هوجاء منعت وحالت عمدًا، وفقًا لحسابات مستقبلية، من تقدم الجيش الوطني لاستعادة ميناء الحديدة، ولتعود حُجافل الشرعية أدراجها القهقرى، وتدور لعبة السياسية لتقع الموكا أسيرة كسيحة، ترتبط بوشائج واهية مع عمقها السكاني، ارتباطًا بمدينة تعز، وهو ما لا يراد له أن يكون جوهر خطاب التحرير واستعادة الدولة.
للأسف، برزت على الأرض مستنبت المكتب السياسي للمقاومة، ضمن مستنبتات أخرى كثر. قلنا: ولِمَ لا؟ فلتكن الموكا، باسمها التاريخي المساوي لتُبرا ذهب، توجهًا جديدًا للتحرير. لكن انكشف المستور ليكشف عن لغم وتوجه إماراتي يتسلل خفية، يدمر شمالًا وجنوبًا، وأيادٍ تسعى للتطبيع كانت من حيث لا تدري، وأظنها تدري، أن ما تمارسه ليس خيارًا وطنيًا، بل وكالة لطرف يرتب أموره على حسابنا.
وهكذا وصلنا للحقيقة المرة، فلم تكن تأثيرات تلك المستنبتات إلا وبالًا على بلادنا. فحين توغل طرف دونما حسابات وافية، تم اصطياده بصحراء حضرموت، وبقي مستنبت المكتب السياسي للمقاومة رهن تجاذبات من أنشأ ومول، والارتباط بمشروع وطني عنوانه تحرير صنعاء ومواجهة من يتغول ويتطاول على الدولة.
وللأسف، لدينا دولة هشة مستضعفة، يجري ابتزازها من أكثر من طرف، ابتزاز ظل يدور ويرسم في الخفاء وفي العلن، تتماشى مع تباينات حرب المصالح الكبرى على ذهب ونفط الخليج، وتغول ظهور إيران، وهي تلاعب استراتيجية المضائق بحرفية يحسد عليها، خاصة وقد تحولت منطقة الخليج ومنطقة القرن الأفريقي وموانئ إسبرطة الصغرى إلى نقطة جيوسياسية.
امتعض البعض من خطورة ما يخطط ويرسم، مع تمدد الوجود الصهيوني في إثيوبيا وأرض الصومال، وأقصد مزيدًا من قلق مصري مشروع مع تزايد نفوذ إسرائيل. يتآمر، يتمدد، وإيران تعرف من توكل الكتف، وها هي تخوض بنفسها وعبر أذرعها حربًا ضروسًا، يكتوي بنيرانها العالم من حيث:
- عدم أمان واستقرار.
- اضطراب أسواق الطاقة.
- تعطل مسارات التجارة الدولية وسلاسل الإمداد.
- اضطراب أسواق وأسعار العملات، وأثر ذلك على مسار التضخم وتأثيره السالب على أوضاع وخطط العالم الاقتصادية، دولًا وتكتلات.
نعود لنقف على بوابة الموكا، نسأل ونتساءل: ما الذي يجري؟ ولماذا انفجرت مواجهات المخا، الكدحة، مقبنة؟ ولماذا التوجه لفصل تعز عن الموكا، موكا التاريخ والمعنى والأثر؟ هنا يطيب لنا السؤال:
ما الذي يجري خلال فترة المواجهة مع قوات صنعاء وطنيًا؟ لا نريد العودة مجددًا لمعزوفة عاصفة الحزم، لينتهي الحزم دونما حصاد، لندخل ونلج فترة بيات شتوي طال عاصفة الأمل دونما أمل يلوح.
لا تقطعوا حبل الوريد للتواصل بين الموكا، مرفأ تعز، وبين تعز، الامتداد الجغرافي والثقل السكاني. لا تفصلوا تعز عن المخا إذن.
ما الذي يجري؟ ولا نريد إلا قول الحقيقة الوحيدة التي تقول: دخول صنعاء يبدأ من الموكا. فهل هناك سيناريوهات من طراز جديد عند الشرعية الوطنية، وعند طارق، أو عند جماعة تحكم تعز بالحديد والنار؟ وعند اشتداد المعارك، للأسف، تختفي لمواجهة مغير مخططه عزل غرب تعز عن موطئ قدم يربطها بالموكا، أي مدينة وميناء المخا، وما يعنيه ذلك.
لذا يصح القول والسؤال: ما وراء هذا التصعيد بعد مضي فترة من المناوشات؟ المطلوب وطنيًا استعادة دولة عبر استعادة عاصمتها، والسؤال: من يملك القرار الفصل بهكذا موضوع جيوسياسي يرتبط بالحرب الدائرة على امتداد خارطة واسعة تمتد من فلسطين المحتلة، مرورًا بسوريا ولبنان، وتعدد مراحل وأشكال ومسميات المواجهة التاريخية بأبعادها الجيوسياسية بين أمريكا وإسرائيل وإيران، وعبر إشهار سلاح حرب المضائق، هرمز وصولًا لباب المندب، وتأثير ذلك على استقرار أوضاع العالم اقتصاديًا، خاصة ما تحمله نذر اتساع المواجهة مع قوات الحوثي بتعز وتمددها شرقًا وغربًا.
هنا لابد من التأكيد على أن سقوط المخا خط أحمر. تعطيل حركة الملاحة ومسارات التجارة عبر البحر الأحمر خطر أحمر محدق بمصالح دولية، خاصة تأثير ذلك على مصر وقناة السويس.
نختم بالقول: التصعيد الحالي يشهر أسلحة المواجهات التي تسعى لتغيير قواعد اللعبة، إذ الأمور تسعى نحو فرض نتائج معادلات قوة تعيد أمريكا خارطة منطقة الصراع بالشرق الأوسط، وفق عناوين تتضمن:
- المزيد من تدمير إيران وصولًا لتحقيق عناوين أهمها:
- تغيير جوهر النظام الإيراني عبر ضغطين عسكري واقتصادي.
- إعادة تشكيل ملامح الشرق الأوسط بما يخدم أهدافًا انتخابية إسرائيلية أمريكية.
والمقابل يظل الرهان الإيراني على التمسك بخيار التعطيل وخلط الأوراق، وصولًا لمزيد من الإرباك الجيوسياسي للمنطقة والعالم.
ومن هنا ينبغي لنا النظر إلى ما جرى وما سيجري من تصعيد بالساحل الغربي، وامتدادًا لتعز، وقطع شرايين التواصل بين تعز وأغربها، وضرب ما تبقى من عناصر الأمن والاستقرار بباب المندب والبحر الأحمر، أمر أكثر من خطير.
وهنا السؤال: وما العمل إذن؟
الأمر يتطلب التحول لمشروع متكامل، إما الحسم عسكريًا، وهو أمر له متطلباته بأبعادها الوطنية والإقليمية والدولية، أو أن تتجه الأمور سياسيًا صوب خارطة طريق. والخطير أنها لن تطرح إلا على ضوء النتائج الحاسمة للحرب الدائرة حاليًا بين أمريكا وإسرائيل وإيران.
وبلادنا بوضعها الشائك الضعيف ستدفع الثمن، وهو ما لا نريده مطلقًا. وعلى ضوء ذلك، فليتنافس من يهمه مستقبل أمن واستقرار ووحدة بلادنا على طريق معالجة وطنية شاملة لكافة الملفات الشائكة المتراكمة، من حين حرب الانفصال إلى كارثة حرب السنوات الأخيرة.



