بداية إنهاء المسكنات الدبلوماسية الوهمية في اليمن..!
إن ما طرحته الباحثة والمحللة السياسية ندوى الدوسري[1] في شهادتها أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، يوم الثلاثاء 1 أيلول/ سبتمبر 2026، يمثل إزاحة مهمة في الأدبيات السياسية؛ لكونه ينتقل بالملف من خانة "الأزمة الإنسانية" إلى "الأزمة الأمنية والسياسية"، وهي الرؤية التي غابت طويلًا عن استراتيجيات واشنطن والأمم المتحدة.
وتشكل هذه الإحاطة في جوهرها قراءة استراتيجية نقدية عميقة لإدارة ملف الصراع في اليمن، من خلال تحليل بنية القوى والأطراف المحلية، وقصور الرؤية الغربية، والديناميكيات الجيوسياسية المعقدة الممتدة إلى أمن البحر الأحمر والإقليم برمته.
وتكتسب الإحاطة أهمية بالغة لاعتماد الدوسري في طرحها التحليلي على خبرة ميدانية ممتدة ترفض قراءة الأزمة من منظور السطحية الإنسانية أو الدبلوماسية الإطفائية المؤقتة، وتدعو بدلًا من ذلك إلى إعادة هيكلة جذرية للمفهوم الذي تُدار به السياسة الخارجية الأمريكية والدولية تجاه اليمن والإقليم ككل..!
علاوة على ذلك، تتميز هذه الإحاطة بطرح استراتيجي ونقدي يقدم زاوية تحليلية مغايرة تمامًا عن الأدبيات التقنوقراطية التقليدية، إذ تزيح التركيز عن المفهوم الإغاثي البحت الذي يختزل اليمن في مجرد أزمة إنسانية، وتُعيد تأطير القضية كنزاع سياسي وأمني يعود لأسباب جذرية تتعلق بشرعية الدولة وميزان القوى على الأرض.
فهل تشكل هذه الإحاطة نقطة تحول حقيقية وبداية لإنهاء مسكنات السلام الوهمي التي أديرت بها الأزمة اليمنية لسنوات طويلة..؟
•••
ركز التحليل النقدي في الإحاطة على تهاوي السياسات الدولية المتساهلة التي اعتمدت على تغليب خفض التصعيد الشكلي والحلول الرقعية على حساب المعالجات الجذرية.
وانتقدت الدوسري بوضوح حصر الأزمة اليمنية في جانبها الإنساني والإغاثي فقط، دون التعاطي الجاد مع جذرها السياسي والأمني المتمثل في انقسام الدولة وسيطرة الجماعات المسلحة على المقدرات الوطنية.
وأوضحت أن نهج واشنطن والأمم المتحدة القائم على إبرام اتفاقات سوداء والاعتماد على الهدن المؤقتة دون وجود آليات ردع حقيقية أو ضمانات إنفاذ صارمة، أتاح للجماعات المسلحة، وفي مقدمتها حركة الحوثيين، التقاط الأنفاس وإعادة تثبيت السلطة الواقعية وتعزيز ترسانتها العسكرية والأيديولوجية..!
وحذرت الإحاطة من أن التسرع في توقيع اتفاقات تسوية غير متوازنة، مثل خارطة الطريق الأممية[2] أو التفاهمات الثنائية غير الشاملة، سيفاقم الصراع مستقبلًا بدلًا من إنهائه، إذ سيمنح الشرعية القانونية والسياسية لطرف مسلح على حساب بقية مكونات المجتمع والشرعية المؤسسية للدولة.
ويتجلى في هذا المحور نقد سياسات التهدئة والتسديد المؤقت، إذ قدمت الإحاطة تفكيكًا دقيقًا لقصور استراتيجية خفض التصعيد الشكلي ومخاطر التسويات غير المتكافئة التي تُنتج استقرارًا زائفًا، وتؤجل الانفجار ولا تمنعه.
•••
تجاوزت الإحاطة الحدود الجغرافية للداخل المحلي، لتسلط الضوء على الأبعاد الجيوسياسية والتأثير الإقليمي الواسع، مؤكدة أن الجماعة المسلحة لا تتصرف كفاعل سياسي تقليدي يبحث عن مشاركة السلطة داخل دولة مدنية تتسع للجميع، بل كحركة عقائدية شمولية ترى في الحرب وسيلة لشرعنة وجودها وتوسيع نفوذها وتنفيذ أجندات عابرة للحدود..!
وأرست الإحاطة رابطًا مباشرًا بين التساهل الدولي مع السيطرة الداخلية للجماعات المسلحة، وبين تهديد أمن الملاحة الدولية وحرية التجارة العالمية في مضيق باب المندب، واعتبرت أن الهجمات البحرية وتصعيد التوتر في البحر الأحمر هما نتيجة طبيعية لغياب استراتيجية الردع الشاملة، وليس مجرد حدث طارئ فرضته ظروف الإقليم.
وهنا تكمن قيمة ربط الاستقرار الداخلي بالأمن الإقليمي والدولي، إذ أوجد الطرح خطًا تحليليًا شاملًا يربط بين نفوذ التنظيمات والكيانات من غير الدول داخل اليمن وبين التهديدات المباشرة للملاحة البحرية وممرات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
فهل يدرك المجتمع الدولي أن أمن الممرات المائية الدولية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بفرض الردع وحماية المؤسسات داخل البر اليمني..؟
•••
قدمت الإحاطة رؤية تفكيكية وتصحيحية لآلية التعامل مع المجتمع المحلي وبناء الدولة، قائمة على الواقعية الميدانية والنظرة الشاملة من الأسفل إلى الأعلى[3].
وركزت الدوسري على أهمية التراكيب القبلية والجهات المحلية كخط دفاع أول ضد التمدد الفكري والعسكري القسري، داعية المشرعين الأمريكيين وصناع القرار إلى فهم أعمق للبيئة الاجتماعية المحلية وعدم التعامل مع القبيلة كمصدر اضطراب أو أداة تقليدية، بل كعنصر استقرار محلي وحصن اجتماعي في ظل غياب الدولة ومؤسساتها.
وطالبت بالانتقال العملي من مجرد دعم جهود المساعدات الإنسانية التي غالبًا ما تستغلها الجماعات المسلحة لتعزيز نفوذها، إلى بناء وتأهيل المؤسسات الاقتصادية والأمنية والمدنية التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا، لتمكينها من تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين وفرض سيادة القانون على كامل التراب الوطني.
وتجسد هذه المقاربة الاعتماد على الحكم المحلي والبنى الاجتماعية الأصيلة كركيزة استقرار حقيقية، بدلًا من الارتهان للحلول الفوقية والصفقات المغلقة التي تتم عبر نخب معزولة عن واقع الميدان ومتطلبات الشارع..!
•••
في المحور الاقتصادي، دعت الإحاطة بوضوح إلى الابتعاد عن المعالجات المؤقتة المعتمدة على المساعدات والإغاثة، وتفعيل الاستقلال الاقتصادي والتنموي لليمن.
وركزت على أن تحسين الظروف المعيشية الصعبة لليمنيين لا يتحقق عبر القوافل الإغاثية المستمرة أو المسكنات المالية، بل عبر تمكين الحكومة الشرعية من تصدير النفط والغاز وحماية الموانئ الحيوية وتنشيط القطاع الخاص الإنتاجي.
كما طالبت بفرض رقابة صارمة لمنع استغلال شبكات الاقتصاد الموازي[4] وعمليات التهريب غير المشروعة التي تغذي أمراء الحرب وتضعف قيمة العملة الوطنية وتُجهز على ما تبقى من المؤسسات المالية الرسمية.
وتسعى هذه الرؤية الاقتصادية المتكاملة إلى تجفيف منابع تمويل الحرب، وتجريد الجماعات المسلحة من أدوات الضغط الاقتصادي، وإعادة بناء دور الدورة الاقتصادية الرسمية للدولة لتصبح القاطرة الحقيقية للتعافي والاستقرار..!
•••
ورغم ما اشتملت عليه إحاطة "الدوسري" من ثراء الطرح وأهميته الاستراتيجية وسبره لأغوار الملف اليمني، إلا أنها أظهرت في مقابل ذلك عددًا من المآخذ والنقاط النقدية التي لم تحط بها الإحاطة بشكل كامل، وأبرزها:
أولًا: الإفراط في التعويل على المنهج الحازم، إذ إن تشديد الإحاطة على أسلوب الضغط والحزم الأمني والعسكري قد يغفل التعقيدات السياسية والواقعية الميدانية لواشنطن وحلفائها، حيث قد تؤدي العودة للخيارات العسكرية الصريحة دون تحضير سياسي وشعبي إلى ضرب فرص التفاوض المتبقية وإشعال جبهات قتال جديدة تزيد من معاناة المدنيين وتضاعف الكلفة الإنسانية..!
ثانيًا: مثالية تمكين القوى والجهات المحلية، فرغم أهمية المقاربة القبلية والأهلية، إلا أن الرهان عليها دون ضوابط يصطدم أحيانًا بتباين المصالح وتعدد الولاءات داخل هذه الكيانات نفسها، مما يجعل الاستثمار فيها أمرًا معقدًا ودون ضمانات كافية لاستدامة الاستقرار على المستوى الوطني الشامل.
ثالثًا: إغفال آليات تنفيذ الدعم الاقتصادي، فبينما دعت الإحاطة لتمكين الحكومة شرعيًا واقتصاديًا وإنعاش الصادرات النفطية، لم تقدم حلولًا عملية لكيفية تجاوز أدوات الفساد الإداري والضعف المؤسسي المتراكم داخل جهاز الدولة نفسه لضمان وصول الدعم والتنمية لمستحقيه المباشرين.
رابعًا: تغييب دور بعض الأطراف الإقليمية[5]، إذ ركز الطرح بشكل مكثف على سلوك جماعة الحوثيين والسياسة الأمريكية، متجاهلًا بدرجة ما التقييم النقدي للأخطاء الاستراتيجية والحسابات الخاطئة التي ارتكبتها بعض أطراف التحالف العربي على مدار سنوات النزاع الطويلة..!
فكيف يستقيم بناء السلام المستدام دون إجراء مكاشفة صريحة ونقد شجاع لجميع الأدوات الفاعلة في هذا الصراع بلا استثناء..؟
•••
إجمالًا.. تعتبر الإحاطة المقدمة من الباحثة ندوى الدوسري لمجلس النواب الأمريكي، وثيقة تشخيصية ورسالة استراتيجية من ناحية تقدم رؤية ترفض المسكنات الدبلوماسية وتطالب بإعادة ترتيب الأولويات الشاملة في الملف اليمني، ومن ناحية أخرى تؤكد على "أن الاستقرار المستدام وتأمين المصالح الدولية والإقليمية لا يمكن أن يتحققا في اليمن إلا بتغيير معادلة القوى على الأرض، وتعزيز سيادة المؤسسات الرسمية، وبناء سلام عادل قائم على معالجة الجذور الأيديولوجية والسياسية للنزاع وليس الالتفاف عليها"[6].
•••
أخيرًا.. سيبقى الميزان الدقيق لرؤية الباحثة الدوسري رهنًا بمدى قدرة صناع القرار الدوليين والإقليميين على استيعاب هذه المقاربة الميدانية، وتفادي مآخذها الإجرائية، وتحويل التحليل النقدي من مجرد توصيات على ورق إلى مسار سياسي ناجز يُنهي مأساة اليمن ويحفظ كرامة أبنائه..!
فهل يمتلك صناع القرار الدولي والإقليمي الإرادة السياسية لترجمة هذه الرؤية إلى سياسات ميدانية، أم ستظل مجرد أدبيات وتحليلات حبيسة أروقة واشنطن، وأدراج الأمم المتحدة..؟
•••
حواشٍ توضيحية:
[1] ندوى الدوسري: باحثة ومحللة سياسية يمنية أمريكية، حاصلة على الماجستير من جامعة ليدز.
تتخصص في الجماعات المسلحة، وديناميات القبائل، والحوكمة المحلية، وبناء السلام باليمن والقرن الإفريقي.
تعمل باحثة بمعهد الشرق الأوسط وزميلة بمركز الجماعات المسلحة، وتُعرف بتحليلاتها لأمن الملاحة بالبحر الأحمر وشهاداتها أمام الكونغرس الأمريكي حول الأزمة اليمنية.
[2] خارطة الطريق الأممية: المقصود بها خارطة الطريق الجديدة غير خارطة الطريق الأممية الثالثة التي أُعلنت في 23 ديسمبر 2023، من قبل المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، بعد تفاهمات رعتها سلطنة عمان والسعودية، واشتملت على الالتزام بوقف شامل لإطلاق النار، وصرف المرتبات، واستئناف تصدير النفط، وفتح الطرقات.
والخارطة الجديدة المقصودة هي التي دعا إليها المبعوث الأممي في 12 مارس 2025؛ لتحديد آليات تنفيذية والإعداد لعملية سياسية يقودها اليمنيون برعاية أممية.
[3] منهج السلام من الأسفل إلى الأعلى (Bottom-Up Approach): نموذج في حل النزاعات أسسه عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي جون بول ليديراتش (John Paul Lederach)، أستاذ بناء السلام الدولي بجامعة نوتردام والباحث بجامعة إيسترن مينونايت؛ ويعتمد المنهج (عبر هرم ليديراتش لبناء السلام) على تمكين القيادات الوسطى والقاعدية كالمجتمعات المحلية والقبائل لإرساء الاستقرار، بدلًا من الارتهان لتسويات سياسية فوقية تقتصر على النخب الحاكمة وقيادات الصراع.
[4] الاقتصاد الموازي: الأنشطة الاقتصادية والمالية غير الرسمية وغير الخاضعة لرقابة البنك المركزي اليمني، كشبكات السوق السوداء وتجارة المشتقات النفطية والتهريب التي تُستخدم كموارد مالية لإدامة العمليات العسكرية.
[5] الأطراف الإقليمية: إشارة إلى أدوار دول التحالف العربي والقوى الفاعلة في الملف الإقليمي والمؤثرة في القرار السياسي والمسار العسكري الداخلي طوال سنين الحرب.
[6] معالجة الجذور السياسية والأيديولوجية: التركيز على إنهاء انقسام مؤسسات الدولة، ومعالجة الهوية الفكرية والعقائدية العابرة للحدود للجماعات المسلحة، وضمان التوزيع العادل للسلطة والثروة وفق مخرجات الحوار الوطني والتوافقات الشرعية.



