الخميس 3 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • حكاية وطن دمرته المصالح وأنهكته الحروب

حكاية وطن دمرته المصالح وأنهكته الحروب

اليمن وهي الأرض الواقعة جنوب جزيرة العرب حتى ولو كنت في أقصى الشمال، فجنوبك هي اليمن، وسميت اليمن أيضًا ليمنها ووفرة خيراتها، وسميت العربية السعيدة.

إنها اليمن أرض الإيمان والحكمة. شعبها وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأنهم أرق قلوبًا، وألين أفئدة. وهم أهل الإيمان والحكمة، ومنهم كان المدد للإسلام والعروبة، هم شعب طيب الأعراق صبور يرضى بالقليل ويحلم بالكثير، له جبال تعانق السماء، وسهول تبتسم بالخير، وبحر غني بعطائه، وموقع استراتيجي وذات مناخ وتضاريس متعددة، ومنتجاته الزراعية متنوعة ومتميزة.
إنها بلدة طيبة.
على مدى التاريخ لم يفرق هذا الشعب إلا الحروب والمصالح الخاصة منذ أيام سبأ، وكانت توحدهم المصلحه العامة.
وفي عصرنا الحالي تعددت المصالح الخاصة، وخصخص كل شيء.
وبرز للواقع صراع الكراسي والمناصب وحب التسلط على بعض، وصارت السلطة جاهًا ومالًا ونفوذًا على كل الشعب. فمن تملكهما ملك الجاه وتمدد وتنفذ وتسلط... ومن أجل السلطة قدم المتسلطون لأسيادهم الخارجيين الأرض والإنسان، وأباحوا كل شيء... وعندما توسعت مصالحهم وزاد حشعهم،
انقسموا، ما بين حاكم متنفذ توحد مع مراكز القوى المحلية من متمشيخين ومتمسيدين ومتأسلمين ومتفندمين ورأسماليين طفيليين، وأسسوا لهم حزبًا لا صوت يعلو فوقه، وأحزابًا أخرى فرخوها وسموها معارضة أو معارطة يرمون لهم بالفتات لكي يظلوا موالين لهم يرفعون شعارات الحقوق نهارًا ويبيعونها ليلًا على السلطة. وعندما أدرك الشعب كذبهم وافتراءهم، وأنهم عبارة عن تكملة لبرواز السلطة، نفدت الشعارات واستنزفت، ولم يعد الشعب يصدقهم، وخرج الشباب إلى الشارع ضد الجميع... ولكن أصحاب المصالح والمتنفذين من سلطة ومعارطة انقسموا منهم من احتوى الشارع بشعاراتهم، وانضموا ووجهوا، ومنهم من غلب على أمره، وسلم العلم لمن يليه في الطابور، وقدم الشباب الشهداء، وسالت الدماء في جمعة الكرامة وغيرها من جمع الفداء، انضم فصيل من المتسلطين وصادروا حتى المنصات..
تدخلت دول إقليمية، وجمعتهم في مؤتمر ات، وسلمت السلطة من قبل رأس الأفعى لمن كان ينوبه في السلطة والحزب، وفتحوا حوار المصالح... ولم يتفقوا على رؤية موحدة لوطن آمن مستقر، استدعوا من يتربص بالوطن ووحدته ومقابل تحالفه معهم باعوا الأرض، وباعوا البحر، وباعوا الهوية والانتماء لمن قبل بعمالتهم.
وقالوا بكل وقاحة: "نحن نبني وطنًا جديدًا".
أشعلوا الحروب. حروبًا لم يخترها الشعب. حروبًا أكلت الأخضر واليابس، وأنهكت الشجر والحجر قبل الإنسان. جوعت الطفل في المهد، وأمرضت الأم، وشيبت الأب قبل أوانه.
وبعد أن أصبح الشعب يبحث عن كيس دقيق ودبة زيت... توقف عن الحلم. نسي المدرسة، ونسي المستشفى، ونسي الغد. حتى العزة التي كانت في عيونه انطفأت. وحتى الكرامة التي كان يرفع بها رأسه... سقطت.
اليوم الوطن لم يعد وطنًا... صار حكاية، نحكيها لأطفالنا قبل النوم: كان ياما كان، وسلام الله على ما كان. نحكي لأطفالنا حتى لا ينسوا أنه كان وما زال لهم بلد، لكنها حكايات عن بيوت ومدارس ومستشفيات وطرق وجسور هُدمت، وحقوق سلبت ونهبت، وعن أحلام ماتت، وعن أبواب تغلقت ولم يبقَ إلا أبواب الموت والخوف والدمار والجوع والفساد والإفساد.
وبين رماد المصالح وغبار الحروب وتبعاتها، لم يبقَ إلا سؤال واحد يتردد في كل بيت، وفي كل قلب:
من سيعيد لنا وطن آمن مستقر نستطيع أن نعيش فيه بكرامة؟
وطن يطعمنا ويشبعنا من جوع ونأمن فيه من خوف...؟