الرجل الاستثنائي
قليلون، بل هم نادرون ذلك النوع من البشر من يحظون بإجماع الناس عليهم من كل النواحي شخصية وعامة...
تجدهم نبلاء على الصعيد الشخصي، وينسحب تقييمك لهم عليهم كشخصيات عامة.
المزايدون والنزقون والمحبطون ومن يديرون الكون من وحي كآبتهم، يقرؤون الأشخاص الاستثنائيين على أنهم بلا مواقف، كيف لنزق أو محبط أو مدمن اكتئاب ومناضل في المقايل، أن يقيم عظماء الناس النبلاء الكبار...
هناك إجماع على أن عبدالسلام الدميني كان رجلًا شاملًا مناضلًا بحق، لنضاله سمة إنسانية، يدري متى وكيف يظهرها ويمارسها في علاقته بالآخرين...

كان أحمد حميد القدسي المحامي في الحزب الديمقراطي الثوري، سألته ذات مرة عن الدميني العضو الكبير في الطليعة الشعبية:
علاقتك بعبدالسلام متميزة، والمعروف أن الخبازات في الأحزاب لا يحببن بعضهن، كيف؟
قال:
عبدالسلام رجل استثنائي، ويمكن لك أن توزعه على كل الأحزاب...
لذلك قتلوه.
لكنهم أحيوه في أعماقنا.
التافهون ممن يسمون أنفسهم مناضلين، لا تقتلهم أجهزة الأمن، لأنهم لا يشكلون أرقامًا...
أجهزة الأمن تخاف من الرجال الاستثنائيين، النادرين، أصحاب المواقف الذين لا يتغيرون ولا يتبدلون... ولذلك انظر مدى الخوف الذي كان معششًا في رأس النظام وهو يوجه أسوأ ما في نظامه أن اقتلوا الدميني.
أذكر ذلك الصباح جيدًا، وكنت متجهًا لزيارته راجلًا إلى بيت أخيه بجانب المستشفى العسكري، لألتقي بصديق عزيز سألني إلى أين انت ذاهب؟ قلت: لزيارة عبدالسلام، قال هامسًا:
عد من حيث أتيت، لقد قتلوه هو وإخوته، عدت وأنا لا أدري هل أنا أمشي في الأرض أو في السماء، الليلة الأولى فوجئت به أمامي في المطعم الأعلى لفندق دار الحمد، فزيت لأمد يدي لأسلم عليه ووجهه لا يكاد يرى من عتمة الضوء، فأشر لي: لا.. فهمت أن المكان يعج بالمخبرين، كان أستاذنا يحيى العرشي قد دعانا للعشاء مع وفد الجبهة الذي أتى محاورًا لنظام لا أخلاق له...
هو انتهى من أعماق الناس كرمز نظام تعيس، والدميني عاش ولايزال وسيظل في أعماق بسطاء الأرض...
أعرف عبدالسلام جيدًا كمناضل وإنسان، وبما يتعلق به كإنسان لن أنساه وهو يقودني يوميًا إلى عيادة جامعة موسكو للبحث عن دواء لما عانيته بعد عملية الزائدة الدودية.
وأعرف بيت الدميني جيدًا، أناسًا كبارًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، من أخويه المغدورين حقدًا، إلى عبدالباسط إلى علي إلى عبدالقوي إلى قرية الأخطور، تلك المعلقة بين الشمس والقمر، شاهدة على نبل الدمّينة...
وأنا أقول سلام يا صاحبي.



