استحقاق تاريخي
حانت كضرورة تاريخية لحظة المراجعة النقدية، متبوعة بسؤال جوهري:
هل هي لحظة مراجعة تاريخية ذات طابع نقدي موضوعي، أم مجرد لحظة إبراء ذمة واجبة؟ ولا أعتقد ذلك مطلقًا لمسار تجربة تاريخية للأحزاب والمكونات السياسية العربية واليمنية، يسارية كانت أو محافظة الانتماء، فكرًا وتكوينًا وخيارًا تاريخيًا، بنى عن وعي وطني خيارًا ووسيلة وطنية للعمل الوطني ضمن واقع تكوينه وتطوره التاريخي، ومراجعه المكونة لمسلماته الفكرية وتأثيرها القوي على البنى المجتمعية فلاحية المنشأ غالبًا، بينها وبين مفاهيم النضال الطبقي ضد الرسملة بون شاسع، مع ما اقتضته ضرورات النضال الوطني الوقوف أمام مفاهيم الصراعات الطبقية، مساحات عقلنة ضمن مساحة من تفاهمات تعزز مجال التحالفات، بما يحول دون اتساع شقة التباينات والاختلافات ذات الطابع التناحري.
ومحطة تاريخية كهذه تتطلب ممن انخرطوا هذا السبيل إعادة تأمل جادة وصارمة للنقد البناء، وليس للهدم والذم، نقدًا لا يستهجن الاختيار، بل يتعامل مع الاختيارات النظرية التي تم اختيارها بوعي وإدراك كاملين لتبعات وتحديات تلك الاختيارات التي كانت وما تزال تحمل في أحشاء فكرها عداءً لأفكار أحزاب اليسار الوطني، أيًا كانت تسميتها.
ما تزال تعشعش على الساحة السياسية تشكيلات ومسميات مخلفات أنظمة سقطت، وباتت ضحية البحث عن قشرة البصلة داخل تجربتها الدامية، كما يقول المفكر العراقي الأستاذ حسين شعلان.
لأن إعادة قراءة وتقييم مراحل تاريخ مشبعة بدماء الصراعات، ونهج الاستحواذ تحت مسميات صنمية السياسي القائد إلى الأبد، من المهد إلى اللحد، أو ضمن منهج ضرورة أسلمة من تم ويتم تكفيرهم، ما تزال مراحل وإشكالية لم تنتقدها بموضوعية مدارس فكرية جوهرًا وتأثيرًا وبنية، أفضت تفاهمات ذات نهج موضوعي تسمح بإعادة تشكيل البنية السياسية الوطنية دونما تسيد، دونما فرض أو وصاية أو هيمنة لهذا الطرف أو ذاك.
لكن، للأسف، ظلت أسطورة الأنا لدى هذا المسمى أو ذاك بمثابة طاحونة القمح تطحن الغير، تدور في فراغ الأنا، تنتج ضجيجًا ولا تنتج خبزًا يطعم أفواهًا جائعة.
سؤال تاريخي سيظل ناقوسًا يرن: ما دور هذه الكيانات السياسية، إن اعتبرناها آليات سياسية شرعية، تتحدث عن قيادتها للمجتمع، دونما شرعية انتخابية تمنح من يتقول سلطة للتغيير وأدوارًا سياسية تحول دون تفتت مفهوم الدولة أولًا، وضمان أن تتحول الدولة كنظام ومؤسسات تعمل وتعبر عن مصالح الناس كقاعدة انتخابية، وأن تتاح لهم، وعبر كفاءتهم، حق المساهمة والمشاركة والتواجد بأجهزة الدولة، بعيدًا عن كارثتي:
1. مبدأ المحاصصة بين فرقاء أزمة وليسوا فرقاء حل.
2. استقطاب مبني على الولاء والتبعية وليس الكفاءة وحق المشاركة كحق من حقوق المواطنة المتساوية.
وهكذا تظل إشكالية مهمة: بناء الدولة ومؤسساتها تنبني وفق تفاهمات المحاصصة والتبعية، بعيدًا كل البعد عن نهج دستوري معتمد يضمن بناء مؤسسات دولة وفق أسس وطنية قانونية متعارف عليها. للأسف، المؤسسات باتت مشخصنة، وهنا الكارثة.
1. إشكالية تاريخية تتحمل البلاد وشعبها تبعاتها، تتعلق بأن قوام التشكيلة الحزبية السياسية التي سادت المراحل السابقة أعادت قلب المجن لتتوافق مع واقع نتائجه الكارثية على الأرض، تتناقض بالمطلق مع جوهر قيامها وتشكيلها.
2. أحزاب ومكونات ليست بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب من دمار الدولة، عبر تخندقها داخل قفص محاصصة لا يستوعب غيرها.
وهنا يتطلب الموقف التاريخي النقدي إحالة الأمر لمفهوم الدولة كعقد اجتماعي، واستبداله بمفهوم الليفياثان، أي الطوطم، حسب نظرية الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز. الطوطم، أي الحزب الأبدي القائد أو الزعيم الأبدي الفلتة، وأكثر كارثية تصبح العن أن تقمص مسوح الإمام أو المسيح المخلص أو المتكئ على إرث سيد المرسلين، والأمر في بلادنا جلي وواضح، والبلد وشعبه يدفعان ثمن تغول هذا أو ذاك الطوطم.
ونزيد الأمر توضيحًا يجلي سواد بؤر سوداء، تم تخليقها عمدًا لمزيد من التدمير المجتمعي الممنهج، أو لتحويل الساحة السياسية إلى معترك لغته قوة السلاح والمال، وأنت يا شعب اسأل، ابحث عن الممول والمستفيد.
وهذه الوصفة شكلت آخر منعرجات صناعة أزمة البلد الداخلية، تمثلت بتخليق قوى على الأرض تحت مسميات شتى، جاهزة التسليح والتمويل والتشكيل. هكذا تولدت داعش ومن على شاكلتها وسواها، وصولًا لما سمي بكيان الأحزمة الأمنية، بعيدًا عن مؤسسة الجيش الوطني، الذي استهدف مبكرًا.
وأسوأ ما نتج عن مرحلة الضياع هذه تولد مناخ مفهوم يركن إليه كآلية لإعادة بناء مشروع الدولة الوطنية. إنه مفهوم عجيب غريب يقول باعتماد مفاعيل قوى على الأرض، أبعد ما تكون عن مفهوم الدولة الوطنية، لكنها تشكل خطرًا عليها، إعمالًا لمفهوم عجيب: مفهوم قوى الأمر الواقع، وهو مفهوم شائك وملتبس، لم تشكله إرادة شعبية، بل وخارج توافق وطني شامل.
وهكذا جماعة صنعاء قوة أمر واقع، وهكذا كان الانتقالي الذي افتقد عنصرًا مهمًا لترسيخ وجوده، أي افتقاده لحق المشاركة الفاعلة مع الآخر الجنوبي والآخر الوطني. هكذا جرت عملية ممنهجة لتمزيق الساحة السياسية لدولة غائبة مغيبة عمدًا، وأحزاب تاريخية تتدعي الريادة ورصيدها وتأثيرها على الناس بطول البلاد وعرضها صفر على الشمال، إلا من رحم ربي، من شخوص ما تزال بشرايينهم دماء الوطن الموحد، وهم غالبًا محاربون، وإن طلبوا، فضمن مواصفات يحددها إما المركز المقدس أو الكفيل أو الممول.
وتلك لعمري هي آفات تهد ولا تبني دولًا ذات سيادة. وهكذا للأسف ظلت ساحتنا السياسية تدور داخل طاحونة الفراغ، بذات الوجوه، بذات التبرير، إما كمركز مقدس أو أحزاب تتقاسم السلطة والوظيفة العامة، دون الإسهام الفعال لعلاج مشكلات البلاد السياسية، الأمنية، الاقتصادية. دعك من قشور المظاهر، فالبلاد غارقة حتى أذنيها لمن يرى ويسمع.
الجمع الوطني إذن أمام لحظة تاريخية كي يخرج من غيبوبة طالت، والسؤال: كيف وبأي وسائل وآليات عمل يمكن الخروج من عنق أزمة العمل السياسي الذيلي لمن يدفع، لمن يشير ويمنح، ويحول دون الانتقال إلى مرحلة إعادة البناء الوطني الممنهج والمواجهة مع واقع معقد مأزوم، وواقع دولي يفرض معادلاته وتسوياته على الطرف الأضعف؟
وهنا نقول: لا بد أن تبدأ خارطة الطريق من الداخل أولًا، عبر تعزيز العلاقات مع الحلفاء أولًا، وفق مبدأ التكافؤ وليس التبعية، تتوافق مع ضرورة وقفة مسؤولة لتعزيز لحمة التحالفات الوطنية على المستوى اليمني شمالًا وجنوبًا، دونما تسيد وسيطرة، بل عبر مشاركات وطنية لها أسسها، عبر حوارات لا تستثني أحدًا، تستند إلى ما سبق من مرجعيات وطنية لا خلاف عليها وطنيًا، ضمن رؤية مستقبلية تضمن جوارًا مستقرًا مستتبًا، وذلك:
1. عبر تبني خارطة طريق تخرج اليمن من حالة الحرب إلى واحة الاستقرار، دون ادعاء أي طرف بأنه سيد الميدان، تخللها مرحلة انتقالية يجري خلالها إخراج البلاد من أزماتها الداخلية سياسيًا، اقتصاديًا، أمنيًا، عبر استعادة وتعزيز قوة ومكانة مؤسسات الدولة، عبر دستور فاعل، إلى جانب تأمين خروج البلد من تبعات البند السابع ووصاية اللجنة الرباعية، لتصل البلاد بعد فترة يتفق عليها لحسم أمرين:
2. مصير القضية الجنوبية.
3. الدخول باستحقاقات عملية انتخابية متكافئة تشرف عليها هيئات متوافق عليها، الأمم المتحدة، جامعة الدول العربية.
وعلى ذلك نعول كثيرًا، مثلنا مثل غيرنا من أهل البلد الباحثين عن مخرج حقيقي.



