الجمعة 28 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • "دفعة النقع أكثر من سيرة ذاتية" للدكتور صالح أبو بكر بن الشيخ أبي بكر (1–2)

"دفعة النقع أكثر من سيرة ذاتية" للدكتور صالح أبو بكر بن الشيخ أبي بكر (1–2)

"دفعة النقع أكثر من سيرة ذاتية" للدكتور صالح أبو بكر بن الشيخ أبي بكر (1–2)

أهداني الدكتور صالح أبو بكر ابن الشيخ أبو بكر كتابه «دُفعَة النَّقع». قرأته، ونويت عرضه، ثُمَّ دخلت في مشاغل تبدأ ولا تنتهي.

أعدت القراءة باهتمام. فالدكتور صالح أبو بكر باحث، وأديب، وسياسي مستقل شديد الحساسية إزاء استقلاليته التي استوطنها، بعد مغادرة الانتماء لحزب البعث العربي الاشتراكي؛ بعد هزيمة 1967؛ أو فلنقل النكَّبة 67؛ كما يسميها محقًّا المفكر القومي قسطنطين زريق؛ وهي النَّكبة الأخطر، والأوسع الممتدة حتى اليوم.
يمتلك الدكتور ضميرًا يقظًا وحِسًّا رَفيعًا؛ فما أن أحسَّ بوطأة النكبة، وُصُولاً إلى الثَّورة التَّصحيحية التي قادها وزير الدفاع حافظ الأسد؛ حتى تقدم الطالب البعثي في جامعة دمشق باستقالة مكتوبة، وَأصَرَّ عليها؛ رغم التحذيرات من رفاقه وأصدقائه.
أحسست وأنا أقرأ السيرة والأكبر من السيرة فِعلاً -كما يرى الدكتور- أنَّ الطِّفلَ صالح أبو بكر فَتح عينيه على حُبِّ المعرفة، والانصراف للتعلم متجاوزًا رغبة أبيه الذي يريده خَلفًا عنه كتاجر.
الفتى النَّابه يُعِدُّ نفسه منذ الصبا لحب الاطلاع والمعرفة، ويتابع الدُّرُوس باهتمام شديد؛ فيمارس حفظ الإنجليزي بالحركة ذهابًا وإيابًا في أعالي الدَّار، ويهتم بما يصدر في مصر من صحف، وكتب الأطفال، ويميز قدرات أستاذته، ويختار أصدقاءه.
ذاكرته مدهشة تحتفظ بكل تفاصيل سيرة حياته، وزملائه، وأصدقائه، ورفاقه في كُلِّ المراحل.
الكتاب الضخم 681 صفحة قطع كبير نِسبيًّا. والكتاب -كما يصفه المؤلف- «ليس بالمذكرات السِّياسية، ولا هي بالشهادات التَّاريخية في الشَّأن الخاص أو العام، ولا هي كذلك بالرِّاوية الرَّسمية لوقائع وأحداث بعينها، وتقييمها.
ويرى فيها -مُحِقًّا- أنها استعراض لحوادث الأيام، وتقليب في صفحات من سيرة حياة واحدة من مجموع تلك الدُّفعة (دفعة النَّقع) الطلابية فترة الستينات، وما أعقبها.
لا شَكَّ أنَّ الدكتور صالح أبو بكر ابن الشيخ يتكلم عن إنجازه الرَّائع بتواضع جَمّ. والكتاب سرد لسيرته، وسيرة أسرته الكريمة، ودورها، وسيرة التَّأسيس للتعليم الحديث في مدينة مدينته، وفي المدن الحضرمية، وسيرة زملائه الطلاب، وشباب مدينته، وجيرانه، وأهل منطقته، وتاريخ حضرموت، وخصوصيتها، وأدوارها العظيمة، وتأسيس الكيانات الحديثة: الكسادية، والقعيطيَّة، والكثيريَّة، ودور بريطانيا.ويصل إلى المهاجر الحضرمية، ودورها.
ففي العمل الذي قام به الدكتور جهد معرفي وعلمي، يشتمل على قدر من السَّرد الرِّوائي، وَالتَّوثيق التَّاريخي، وَالتَّدوين الاجتماعي، وقراءة بيئة حضرموت: أرضًا، وَبَشرًا، وتَاريخًا في جوانب معينية؛ وهو أيضًا قراءة سياسِيَّة لنشأة الكيانات والاتجاهات، والأفكار؛ ولأستاذته وزملائه حُضورٌ كبير.
وهو لا يدرس الوضع في حضرموت في ستينات القرن الماضي؛ وإنما يتناول الأبعاد التَّاريخية. وينتقل إلى الكويت؛ فيدرس وضع الوجود الحضرمي الطُّلابي، والعُمَّالي، والاجتماعي، والسياسي؛ ودائمًا سيرة زملائه وأصدقائه حاضرة، وتأخذا حَيِّزًا من القراءة، وتحظى سوريا: الجامعة، والمجتمع، والحزب، والرفاق بمساحة في الكتاب.
سَبَقَ قراءة كتابه «تريم بوابة الفكر القومي العربي إلى اليمن: علي عقيل بن يحيى رائدًا»، وكتبت عنه.
كتابه الأكبر من السيرة يقع في 681 صفحة، ويشتمل على أحدَ عشرَ فَصلاً. يُكَرِّس «الفصل الأول»، لمدخل، وتعاريف.
تتناول «المُقدِّمَة» ذكريات الكاتب، وتوصيف المذكِّرَات القارئة لسيرة النِّصف الثاني من القرن العشرين في حضرموت، وامتدادتها، والكويت.
وإذا كانت حياته، ومشاهداته، وتجربته الحزبية القصيرة في البعث هي الأساس؛ فإنه يتخذ من «مذكرات علي ناصر محمد»- الرَّئيس السَّابق لجمهورية اليمن الديمقراطية الشَّعبية، وكتاب «جنوب اليمن في حكم اليسار»؛ لفواز طرابلسي مرجعين أساسيين عن أوضاع جنوب اليمن في ظِلِّ حكم الجبهة القومية.
ورغم الخلاف بين حركة القوميين العرب، والبعث، إلا أنَّ الموضوعية، وَالدِّقة والإنصاف أساس في قراءته لأوضاع الأمَّة العربيَّة بِحِسِّ نقدي رفيع.
وللمؤلف أسلوبه الخاص في مزج الأغنية، والجملة الأدبية في السَّرد. وهو ينتقد التنظيمات العقائدية التي تحشو أدمغة منتسبيها بالغثِّ واللا مفيد. ويورد النُّكَت والحكايات لتعزيز رؤيته؛ مُتتبعًا تطورات الأحداث في المنطقة العَربيَّة.
ويتساءل في «الفصل الأول» كيف تَحوَّلَ المنتزه السُّلطاني (النقع) إلى مدرسة متوسطة خارج المدينة، وَمَثَّلَ وزملائه الدُّفعة الأولى. ويسرد تفاصيل الدِّراسَة، والمنهج، والأساتذة.
والفصل الثَّاني سرد مائز عن مدينته «المكلا»: تاريخها القديم، وهجراتها، وإماراتها، والصِّراعَات فيها وعليها، والتَّوسُّع العمراني، وحاراتها، والتَّسامُح بين الطوائف، والوافدين من مختلف الأجناس، وصلات المدينة بالصُّومال، والهند، وبيئة نشأته، وبداية سيرته، والألعاب، ودخول السَّيارات، والدراسة، وَالتَّنشئة في المنزل.
وهذا الفصل تدوين للمكلا: تَاريخًا، وَحضارةً، وبيئةً، ويقرأ فيه تفاصيل حياة أسرته، ومجتمعه الحضرمي.
أمَّا «الفصل الثَّالث»، فرحلة العلم ابتداءً من المدرسة الأهليَّة، وَالتَّعليم الحديث، وَالصُّعوبات، وعلاقة أبيه بالسياسة، والإعلام وشخوصه، والمدرسة الشرفِيَّة الحكومية، وزيارة بقشان، ومعاتلته مع الإنجليزية. وكانت النَّقلة إلى المستقبل في «الفصل الرابع».
ويعتبر المدرسة أول مواجهة للتلميذ مع النظام، والإدارة في الحياة، وتعويد الطُّلاب على الإدارة الذَّاتِيَّة.
ويتناول بداية هبوب رياح السياسة على وسط «النَّقع»، والمنهج الجديد، وأول مظاهرة طلابية ليليَّة في المكلا؛ بسبب انفصال الوحدة بين سوريا ومصر عام 1961.
ويبدو أنَّ العدوان الثلاثي على مصر 1965، والانفصال، كانت بداية التَّظَاهُر في المُدُن اليمنية: صنعاء، وعدن، والمكلا، وتعز.
ويترأس الطَّالب صالح أول اتحاد طلابي حضرمي؛ كفرع للاتحاد الطلابي في عدن؛ والذي تأسَّسَ عام 1959، ويشير إلى استقطابه للبعث في الكويت؛ المبعوث إليها للدِّرَاسة عام 1973.
وللدَّارس رؤيته النَّاقدة للحياة؛ وهو منحاز لخيار العلم، بَدلاً عن التِّجَارة. وينتقد المظاهر السِّليبة في الحياة: الزواج الجماعي- الأسلوب الممتد حتى اليوم؛ والذي تتخذ منه القُوَى التقليدية نهج كسب الشَّعبية، وحماية الأخلاق؛ بما يكون أساس دمارها.
يهتم الدَّارِس بِالنَّقد، وتَعَلَّمَ فَنَّ الطَّبخ. ومحبته لمجتمعه، وأسرته، لا يلزمه الوقوف على أطلال قيمها العتيقة. ويرفض قبول الرَّبط بين المنحة والوظيفة.
يكُرَسِّ «الفصل الخامس» الحديث عن الوصول إلى «الدِّيرة»؛ بمصطح أهل الكويت. ويصف مظاهر الحياة العامة، وكرم الضيافة، ورؤيته السيارة التي تشبه الفأر، ورسائله إلى الوالد، واحتفاظ الوالد بها.
ويصف المدرسة وسعتها، والمناهج الحديثة، والنَّشاط الثقافي، ودور عبد العزيز حسين- مدير المعارف حينها، والأستاذ أحمد السقاف- وكيل وزارة الإعلام، ومدرسة الشوخي التي تخرج منها الآلاف من الطلاب الكويتيين والعرب من أكثر من ثلاثين دولة عربية وإسلامية، وتيصف السخاء الكويتي للنهضة التعليمية، والتجديدات التربوية في «الشويخ».
يتناول بقدرٍ من الوفاء دور الكويت في دعم التَّعليم في شمال اليمن، وبناء ما يقرب من 60 مدرسة بحوالي 500 مليون دولار أمريكي.
ويأتي على ذكر عُقدَة الضَمّ العِراقِيَّة، ونهج التَّسَامُح والتعايش الكويتي، واحتضان الكويت القضية الفلسطينية، والقوة الناعمة الكويتية.
ويفرد عُنوانًا للتعارف مع الأستاذ علي عقيل بن يحيى الذي خَصَّهُ بكتاب «تريم بوابة الفكر القومي العربي». ويتناول التَّدرُّج نحو الحياة الحزبية، والانتقال من الحضرمية إلى اليمنية.
ويقف إزاء نبوغ المحامي الكبير عمر حسين البار؛ خريج ثانوية الشَّويخ، وزميله حسن الكرمي، وتكريم البار من قِبَل صاحب السُّمو الشيخ عبد الله السَّالم الصباح، مع تسجيل اسمه في قائمة الشَّرَف.
ويتدرج المؤلف مِن رئيس لاتحاد الطلاب الحضارم بالمكلا، إلى رئيس لرابطة الطلبة اليمنيين بالكويت. وَحَقيقةً، فالطالب صالح أبو بكر جدير بترأس اتِّحَاد الطلاب اليمنيين؛ لأنه منفتح، وَمُحِبّ لكل زملائه. وقد أدهشني قراءته لِكُلِّ واحد من هؤلاء الزملاء.
ويتناول بداية الارتباط بالبعث، كما يتناول بداية حكم البعث للعراق، وسوريا بالتتابع: فبراير، مارس 1962، وردَّ فعل البعث على الانفصال، والحوارات التي دارت بين البعث في سوريا، والعراق، مع مصر لعودة الوحدة دون جدوى.
وينقل عن رفيقه الدكتور أحمد قائد الصايي في «ذكرياته» عن تلك المرحلة: «وانتهت المحادثات إلى إصدار ميثاق الوحدة الثلاثية الذي أذيع في كُلٍّ من مصر، وسوريا، والعراق في الوقت نفسه، واشتعلت سماء دمشق بالرَّصَاص، وظننت وزملائي أننا إزاء انقلاب عسكري؛ وسرعان ما عرفنا من الأهالي الذين يتبادلون التَّهاني وَالتَّبريكات، ببيان الوحدة الثُّنائيَّة».
ويشيد الدكتور الصايدي بالميثاق، ولكن مخاوف مصر ظَلَّتْ حاضرة، وبدأ التَّلكُؤ في التَّنفيذ، وعادت الحملات الإعلامية، وَالتَّنابُز بالألقاب.
يشير إلى انتمائه للبعث في الكويت عام 1963، ثُمَّ قطع علاقته عام 1970؛ وهو لا يزال طَالبًا في جامعة دمشق.
ويقيم البعث كحركة ثقافية في البداية، ويأتي على دور عفلق، والبيطار، والأرسوزي، والبدايات الثَّقَافِيَّة المَدنِيَّة والسِّياسيَّة الرَّافضة للانقلابات العسكرية، ثُمَّ الانجرار إليها، والمآل البائس.
كما يُدَوِّن انتماء الطلاب في الكويت وسوريا للبعث، والقيادات المؤسسة. يتناول هَمَّ الحصول على المنحة الدِّراسية بُعَيدَ الثَّانوية، وعرض الكويت مواصلة الدراسة بعد افتتاح الجامعة والرحلة الخائبة إلى صنعاء، وفرنسا، وكانت دمشق الملاذ والملجأ.