الأربعاء 26 أغسطس 2026

النبي والمعجزات التي وسعها الرواة

كان الجذع الذي يستند إليه النبي في خطبته بالمسجد قطعة خشب. فلما اتخذ المنبر وتركه، تقول الرواية إن الجذع حن حتى سمع الصحابة صوته. نزل إليه النبي ووضع يده عليه فسكن. وردت القصة في البخاري من طرق متعددة، ثم اتسع حضورها في كتب الحديث. ظهرت بعدها روايات تقول إن الجذع خُيّر بين البقاء والذهاب، وقيل إنه غُرس في الجنة.

تغادر الحكاية صورتها الأولى. واقعة صغيرة تتسع حولها التفاصيل كلما انتقلت من كتاب إلى آخر. وشق الصدر أقدم حضوراً من كثير من القصص التي ازدهرت في كتب المولد. رواية صحيح مسلم تمنح الحادثة وزناً حديثياً. جبريل يشق صدر الصبي ويستخرج منه شيئاً، ثم يغسله بماء زمزم ويعيده إلى موضعه. وتظهر الحادثة أيضاً في روايات الإسراء والمعراج. روايات أخرى ذكرت شقاً ثالثاً عند البعثة.
أما قصة بحيرى الراهب فقد نمت بالطريقة نفسها. رحلة إلى الشام وراهب يرى علامات، وغمامة ترافق النبي، ثم تحذير لأبي طالب. أصل اللقاء يحتاج إلى فحص الروايات، بينما تحتاج التفاصيل التي تمنح بحيرى معرفة مبكرة بالنبوة إلى سند مستقل. بقيت القصة حاضرة في الذاكرة الإسلامية لأنها تمنح المشهد شاهداً من خارج الجماعة. رجل من أهل الكتاب رأى شيئاً لم يره قوم محمد، ثم جاءت الأحداث بعد ذلك لتمنح رؤيته معناها.
ويظهر هرقل في رواية أخرى. حديثه مع أبي سفيان ثابت في صحيح البخاري، وفيه أسئلة عن نسب النبي وأتباعه وصفاته. بعض الوعاظ يقرأ الحوار كأنه إقرار بالنبوة من ملك الروم. الرواية نفسها تقدم رجلاً جمع بين المعرفة والحساب السياسي والديني. سأل عن أشياء محددة ثم انتهى إلى موقف معقد. تبقى الأسئلة داخل حدود الحديث. أما تحويلها إلى إعلان إيمان صريح فذلك يحتاج إلى نص يقول به.
وفي أخبار الماء والطعام مادة حديثية واسعة. نبع الماء من بين أصابعه. كثر الطعام وأكلت جماعات كبيرة من القليل. وردت أخبار ذلك في صحيح مسلم وغيره، وتعددت طرقها. لكل طريق روايته ولكل زيادة حكايتها. الوعظ يميل إلى ملء الفراغات ولهذا تتسع بعض القصص أكثر مما تسمح به روايتها الأولى.
وتروي أخبار أخرى أن الصحابة سمعوا تسبيح الطعام أو الحصى في يد النبي. يصبح فحص السند واللفظ هنا ضرورياً. رواية قوية تقف في موضع وأخرى واهية في موضع آخر. جمعهما تحت عنوان واحد يلغي الفروق التي وضعها المحدثون بين الأخبار.
قصة الجمل مختلفة في نبرتها. شكا الحيوان سوء معاملة صاحبه فأمره النبي بالرفق به. المعنى الأخلاقي حاضر بقوة في الحكاية. وتختلف تفاصيل الرواية من طريق إلى آخر.
وترد أخبار شفاء المرضى ورد العين والدعاء للمصابين. لبعضها أصل في كتب الحديث، ودخلت تفاصيل أخرى في كتب الفضائل. تظهر في هذه الأخبار حياة النبي اليومية أيضاً. كان يأكل ويمرض ويتعب. أصابته الجراح، وعاش بين أصحابه كما تروي المصادر. حين تثبت حادثة خارقة تبقى مرتبطة بواقعة محددة لا بصورة يومية لحياة النبي.
يأتي الإسراء والمعراج بعد ذلك. أصل الإسراء في القرآن أما تفاصيل المعراج فترويها أحاديث متعددة تختلف في صيغها ووصفها للسماوات والأنبياء وفرض الصلاة. تتداخل مستويات مختلفة من الرواية. الحادثة شيء، وتفاصيلها المروية شيء آخر. ولهذا يقرأ المؤرخ كل طبقة وحدها. تاريخ النص وصيغ الرواية وطرق نقلها، كلها تدخل في البحث. النص القرآني لا يحتاج إلى أن يحمل معه كل التفاصيل التي أضيفت في الروايات اللاحقة.
وانشقاق القمر يقدم حالة أخرى. يروي البخاري أن أهل مكة طلبوا آية، فأراهم النبي القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما. وترتبط الحادثة بسورة القمر، بينما ظل تفسير الآية موضع خلاف بين العلماء. ربطها بميلاد النبي مسألة مختلفة، ولا تستند إلى الرواية التي تروي حادثة الانشقاق.
تظهر المشكلة بصورة أوضح في أخبار الغيب. تقع الحادثة أولاً ثم يعود الرواة إلى نص سابق عليها. فجأة تظهر في عباراته إشارات تبدو أكثر وضوحاً بعد وقوع الحدث. الزمن نفسه يتغير في الذاكرة. الماضي يصبح مرتباً على نحو يعرف ما سيأتي. النبوءات أكثر الأبواب اتساعاً لهذا النوع من القراءة. خبر عن فتنة أو ملك أو فتح أو مقتل شخص، ثم تقع الحادثة بعد سنوات. يعود النص القديم، وتبدأ قراءة عباراته على ضوء ما حدث. عبارة غامضة تتحول مع الوقت إلى علامة محددة.
وتظهر الشاة المسمومة قرب نهاية القصة. أصل التسميم وارد في صحيح مسلم، بينما جاءت صور وعظية تجعل الشاة تتحدث وتحذر النبي. عاش محمد بعد حادثة خيبر سنوات. ثم مرض مرض الوفاة، وورد عنه أنه كان يجد أثر الأكلة التي أكلها بخيبر. يبقى أصل التسميم أوضح من تحديد أثره الطبي بعد تلك المدة، وتظل السببية النهائية استنتاجاً.
عمل الرواة يحتاج إلى وقفة. خبر يبدأ من واقعة. آخر ينشأ من تفسير. وثالث تكبر حوله الحاجة الوعظية. المحدثون عرفوا هذه الفروق، ولذلك وضعوا للخبر أدوات فحص دقيقة، من الرجال والأسانيد إلى العلل والانقطاع والشذوذ والوضع.
كتب السيرة والمولد والدلائل تعاملت مع الأخبار على نطاق أوسع. دخلتها روايات متفاوتة في قوتها، ثم ساعد تكرار النقل على انتشار بعضها. مع الوقت صارت الشهرة في الذاكرة أقوى من السند الذي خرجت منه الرواية. وعند تفكيك السيرة تظهر طبقتان متداخلتان، حادثة قديمة ثم الطريقة التي أعادت بها الأجيال رواية تلك الحادثة. لكل طبقة تاريخها. الحديث الصحيح له قيمته داخل علم الحديث، بينما يبحث المؤرخ عن شاهد مستقل، وصيغة مبكرة، وطريق نقل يساعده على إعادة بناء الواقعة.
السيرة لا تحتاج إلى تراكم العجائب كي تبقى حاضرة. النبي الذي تصفه النصوص يأكل ويمرض ويتعب ويعيش بين أصحابه ثم يواجه مرض الموت. هذه الصورة تكفي وحدها لتعيد الشخصية إلى أرضها البشرية. أما الأخبار فلكل منها درجته ومكانه. وحين تحفظ الذاكرة هذا الفرق، يبقى التاريخ أقرب إلى مادته الأولى.