حين تصبح الخارجية غنيمة
لم يعد غضب اليمنيين من أداء الشرعية مجرد خلاف سياسي أو سجال في وسائل التواصل، فقد وصلت صورتها إلى درجة يهاجم فيها بعض المغردين السعوديين شخصيات محسوبة عليها بعبارات مهينة، وهذا لا يمثل موقف الرياض الرسمي، لكنه يكشف مقدار ما خسرته هذه السلطة من احترام. وحين تتحول مؤسسات الدولة إلى ساحات للمحاصصة، وتغيب المحاسبة، لا يكفي أن يستنكر المسؤول الإهانة، بل عليه أن يسأل نفسه كيف وصلت مؤسساته إلى هذا الحال.
وزارة الخارجية مثال مؤلم على ذلك، فهناك من أمضوا سنوات طويلة في السفارات، وبعضهم تجاوز عشر سنوات، بينما ينتظر كوادر الوزارة الأصليون فرصتهم وحقوقهم ورواتبهم، وكلما ارتفعت المطالبات بالإصلاح سمعنا عن لجان وخطط وتدوير، ثم تعود الأسئلة نفسها: من بقي في موقعه؟ ولماذا؟ ومن عين بدلًا منه؟ وبأي معيار؟ ولماذا ترتب أوضاع المقربين بسرعة؟ إذ تم مؤخرًا وبقرارات من رئيس مجلس القيادة، تعيين مجموعة من الدبلوماسيين في مناصب شكلية من أجل الحصول على رواتب إعاشة في أماكن إقامتهم، لأنهم من مناطق مرغوب فيها، فيما يظل أصحاب الحقوق ينتظرون!
أصل المشكلة أن الفساد لا يحارب بقرار يصدره المستفيدون من بقائه، فإذا كانت التعيينات تمر عبر النفوذ والعلاقات، وتثار حولها شبهة القرابة والانتماء المناطقي، فإن تغيير بعض الوجوه لا يصلح المؤسسة. وما لم تنشر أسماء المعينين ومؤهلاتهم ومدد خدمتهم وأسباب اختيارهم، وما لم تفتح ملفات الرواتب والتظلمات أمام مراجعة مستقلة، فسيظل الحديث عن الإصلاح مجرد مادة للاستهلاك الإعلامي.
وحين أكتب عن فساد وزارة الخارجية لا أمارس ضغطًا للحصول على منصب، ولا أطلب تعييني سفيرًا، فقد عرفت من تجربتي معنى الاستبعاد بسبب اسمي وانتمائي العائلي، ومعنى أن يتعامل معك بعض المسؤولين بحذر رغم معرفتهم بك، وكأن إنصافك قد يعرضهم للمساءلة. وما عشته جعلني أرى ما يشبه فيتو غير معلن على تعيين الهاشميين أو التعامل معهم على قدم المساواة، وهذه قضية لا تمسني وحدي، بل تمس حق كل يمني في ألا يعاقب بسبب اسمه أو أسرته.
أنا اليوم بحمد الله أعيش في كندا، وأعمل، ولي دخل أعول به أسرتي بكرامة، ولذلك أكتب لأن الصمت عن الظلم يترك غيري يواجهه وحيدًا. رسالتي إلى من يتحدثون عن محاربة الفساد واضحة: ابدأوا بمحاسبة من يبيعون الوظيفة العامة للولاء والقرابة، وأنصفوا الكوادر المستبعدين، وادفعوا حقوقهم، وطبقوا معايير واحدة على الجميع، فالدبلوماسية اليمنية ملك لليمنيين جميعًا، ولن تستعيد احترامها مادام النفوذ أقوى من القانون، ومادام اسم المواطن يحدد حقه قبل كفاءته.



