الإثنين 28 سبتمبر 2026

عن أية شرعية يتحدثون؟

حين نتحدث عن الشرعية، فإننا لا نتحدث عن مجرد شعار سياسي أو لقب تتنافس الأطراف على احتكاره، وإنما عن الأساس الذي يمنح السلطة حق الحكم، ويجعل المواطن يقبل بها ويخضع للقانون الذي تمثله. وهذا الأساس يقوم على عناصر متعددة، في مقدمتها القانون والدستور والإرادة الشعبية، ويعززه حسن الأداء، وتحقيق الأمن والاستقرار والعدالة، وتوفير الخدمات وصون كرامة الناس. كما أن التاريخ والثورات قد تمنح السلطة رصيدًا معنويًا، لكن هذا الرصيد لا يبقى قائمًا إلى الأبد ما لم يتحول إلى دولة ومؤسسات وإنجازات، أما الاعتراف الدولي فهو عنصر مهم في العلاقات الدولية، لكنه لا يغني وحده عن القبول الداخلي والحكم الفعّال.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا عندما ننتقل من التعريف النظري إلى واقع اليمن: عن أية شرعية يتحدثون؟ فاليمن اليوم أمام سلطات متعددة، لكل منها خطابها ومبرراتها ومصادر قوتها، بينما يعيش المواطن بين مناطق نفوذ متباينة، لكنه يواجه في كثير منها همومًا متشابهة: ارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات، وتأخر الرواتب، وتزايد الأعباء المعيشية، في حين تتسع نفقات كبار المسؤولين والنافذين.
والأغرب أن كل طرف ينشغل بإظهار عيوب الآخر، وتوجيه إعلامه وناشطيه للسخرية من أوضاع مناطق الخصم، بدل أن يجعل من المناطق التي يسيطر عليها نموذجًا في الإدارة والخدمات والإنجاز. وكأن فشل الآخر يمنحه تلقائيًا صك نجاح.
ولو أن كل طرف انشغل بإصلاح ما تحت يده، وترك للمواطن أن يقارن بين الإنجازات لا بين الدعاية، لتحول التنافس إلى مصلحة عامة. فمن يستطيع توفير الأمن، وتحسين الخدمات، وحفظ الحقوق، وتخفيف أعباء المعيشة، يستطيع أن يثبت قدرته بالفعل لا بالشعارات.
لكن ما يحدث أن فشل كل طرف يتحول إلى مبرر لفشل الطرف الآخر؛ فيظل المواطن عالقًا بين سلطات تتبادل الاتهامات، بينما تتشابه نتائجها عليه في كثير من مظاهر المعاناة. وتارةً يبدو أحدهما أسوأ، ثم تنقلب الصورة، فيبقى المواطن أمام واقع لا يمنحه ما يستحقه من دولة وخدمة وعدالة وكرامة.
لذلك فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من يملك الشرعية؟ بل: من يستطيع تحويل ما يدّعيه من حق في الحكم إلى مسؤولية وواقع يلمسه المواطن؟
فالمواطن اليمني ليس رقمًا في معادلة سياسية، ولا ورقة تستخدمها الأطراف عند الحاجة، ولا متفرجًا على صراع طويل لا يملك فيه إلا دفع الثمن. هو صاحب الحق الأول في الأمن والراتب والخدمة والعدالة والكرامة، وهو الذي ينبغي أن تكون مصلحة البلاد حاضرة من أجله، لا أن يُطلب منه أن يعيش من أجل استمرار الصراع.
وفي النهاية، لا يحتاج المواطن إلى من يقنعه بمن يملك الشرعية بقدر حاجته إلى من يثبت له، في حياته اليومية، أن السلطة جاءت لخدمته وحماية حقوقه. فالشرعية الحقيقية لا تُقاس بكثرة من يتحدث باسمها، وإنما بما يلمسه المواطن من أمن وعدل وخدمة وكرامة. وعندما يصبح المواطن هو المستفيد من السلطة، لا وقودًا لصراعها، عندها فقط يكون للحديث عن الشرعية معنى.