الأربعاء 12 أغسطس 2026

الجنوب خرم الإبرة الذي ننظر منه

في اليمن، وفي الجنوب تحديدًا، ننظر من خرم إبرة، ثم نصف ما نراه بأنه المشهد كله.
نرى الوحدة فنقول: هذه معركة من أجل الوحدة. ونرى الانفصال فنقول: إذن المعركة من أجل تثبيت الانفصال. ونرى إسرائيل فنضعها في منتصف الصورة. ونرى الحوثي فنختصر كل شيء في معركة معه. وهكذا نضيّق المشهد حتى يصبح العالم كله بحجم زاوية نظرنا.

يُقال إن الصراع الأخير كان من أجل الوحدة. وهذا تسرّع. ويُقال إنه كان لتثبيتها. وهذا تسرّع أكبر. فالتاريخ يقول إن مصالح القوى الإقليمية في الجنوب لم تكن يومًا مرتبطة بالضرورة ببقاء مركز يمني قوي وموحد، سواء كان هذا المركز في صنعاء أو عدن. فالدولة اليمنية الموحدة والقوية ليست بالضرورة الشكل الأكثر راحة لكل من يريد نفوذًا طويل الأمد على الجنوب واليمن ككل، بسواحله وموانئه وثرواته.
ويُقال إن المعركة كانت لمنع نفوذ إسرائيلي في سقطرى أو المخا. وهذا، في تقديري، أقرب إلى كلام المجالس منه إلى قراءة السياسة. قد تكون إسرائيل جزءًا من بعض الحسابات، وقد تستفيد من ترتيبات معينة، لكنها ليست النص الرئيسي في هذه الصفحة؛ إنها حاشية في معادلة أكبر بكثير.
الحقيقة أكثر تعقيدًا، وربما أكثر خطورة.
فلنقلها بصراحة: نحن أمام منافسة على النفوذ بين حليفين إقليميين كبيرين، السعودية والإمارات. حليفان كانا في العلن ضمن معسكر واحد، لكن لكل منهما حساباته ومصالحه ورؤيته لليمن والجنوب والبحر الأحمر وباب المندب.
المسألة ليست مجرد خلاف سياسي على علم أو حدود أو اسم دولة.
إنها اقتصاد وموانئ وممرات بحرية وجزر وقواعد وشبكات نفوذ واستثمارات وطاقة وأمن بحري، ومن يملك القدرة على التأثير في الخريطة لعقود قادمة.
ولكي نفهم عمق هذه المنافسة، لا نحتاج إلى الذهاب بعيدًا إلى سواحل الجنوب وجزره؛ يكفي أن ننظر إلى ما يحدث في العلن داخل الخليج نفسه.
السعودية والإمارات تتنافسان بشراسة على استقطاب المقرات الإقليمية للشركات العالمية الكبرى، وتظهر في هذا السباق أسماء مثل IBM وأمازون وسامسونج وغيرها. صراع محموم على مقر هنا، ومركز بيانات هناك، واستثمارات ووظائف ومليارات من النفوذ الاقتصادي.
فإذا كانت الرياض وأبوظبي تخوضان هذا التنافس الحاد على المقرات والشركات والاستثمارات داخل الخليج، فما بالكم بسواحل تمتد على مد البصر وأرض خام بغبارها؟ وما بالكم بممرات بحرية تتحكم في شرايين التجارة العالمية، وجزر تصلح لمواقع عسكرية واستراتيجية، وموانئ تختصر طرق الإمداد والطاقة بين ثلاث قارات؟
انظروا إلى الجغرافيا فقط، بعيدًا عن الشعارات.
سواحل طويلة واستراتيجية تمتد من المخا شمالًا إلى سواحل المهرة شرقًا، وباب المندب في قلب المشهد، وعدن في موقعها التاريخي، وسقطرى كقطعة جغرافية استثنائية عند مدخل المحيط الهندي.
إذا أصبحت هذه المساحة مترابطة ضمن منظومة نفوذ اقتصادي وعسكري وبحري واحدة، فلن نتحدث عن نفوذ محلي عابر، بل عن تحول جيوسياسي كبير في جنوب الجزيرة العربية والقرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وهنا تصبح الموانئ أكثر من مجرد موانئ.
وتصبح القواعد أكثر من مجرد قواعد.
وتصبح الجزر أكثر من مجرد جزر.
وتصبح السواحل خطوطًا استراتيجية يمكن أن تعيد تعريف حركة التجارة والإمداد والطاقة والأمن البحري في المنطقة.
من يملك النفوذ على عدن وباب المندب وسقطرى، ويمتلك شبكة من الموانئ والمواقع الممتدة على هذا الخط البحري، لا يحصل فقط على مكاسب اقتصادية؛ بل يحصل على قدرة أكبر على التأثير في طرق التجارة العالمية، وخطوط الإمداد، وأمن البحر الأحمر وصولًا إلى المحيط الهندي.
ولنتذكر درس التاريخ.
بريطانيا لم تصبح إمبراطورية عظمى لأنها كانت أكبر الدول مساحة أو أكثرها سكانًا. كانت دولة محدودة المساحة، لكنها فهمت مبكرًا أن السيطرة على عقد التجارة والممرات البحرية يمكن أن تمنح دولة صغيرة نفوذًا يتجاوز حدودها بكثير.
وكانت عدن وباب المندب جزءًا من هذه المعادلة.
من هنا نفهم لماذا لم تكن عدن بالنسبة لبريطانيا مجرد مدينة بعيدة في جنوب الجزيرة العربية، بل موقعًا استراتيجيًا في منظومة بحرية امتدت عبر المحيط الهندي وصولًا إلى الهند.
واليوم تغير الفاعلون، لكن قيمة الجغرافيا لم تتغير.
الإمارات نفسها تقدم مثالًا معاصرًا على أن مساحة الدولة ليست مقياسًا لحجم نفوذها. دولة صغيرة في المساحة يمكن أن تصبح كبيرة في التأثير إذا امتلكت شبكة من الموانئ والاستثمارات والمواقع الاستراتيجية والعلاقات الممتدة عبر البحار.
والرسالة هنا ليست أن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا، بل إن المنطق الاستراتيجي نفسه يبقى حاضرًا: من يمسك بالعقد البحرية لا يحتاج إلى امتلاك القارة كلها؛ يكفي أن يمتلك المفاتيح.
ومن هنا يمكن فهم التحرك السعودي الأخير في عموم الجنوب بصورة مختلفة عن القراءة العسكرية المباشرة.
المسألة، في تقديري، ليست خوفًا من خطر عسكري وشيك، بقدر ما هي محاولة لاستعادة توازن نفوذ اختل خلال السنوات الماضية.
المملكة لا تتحرك لأنها تخشى سقوط المناطق الجنوبية أو تشكل خطرًا عسكريًا عليها غدًا، بل لأنها تدرك أن النفوذ الذي تشكل في هذه المساحة لم يعد مجرد نفوذ محلي، وأن الجغرافيا الجنوبية بما تملكه من سواحل وموانئ وثروات وجزر صارت جزءًا من منظومة نفوذ إقليمية أوسع يمكن أن تترك أثرًا دائمًا في ميزان القوى، خصوصًا مع أخطر منافسيها على النفوذ والاستحواذ والعقود.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة.
إذا كان الهدف السعودي اليوم هو الحد من تمدد النفوذ الإماراتي في الجنوب، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس: لماذا تحركت السعودية الآن؟
بل: لماذا انتظرت عشر سنوات؟
كان يمكن للمملكة أن ترى منذ البداية أن ترك النفوذ يتراكم دون توازن أو مراجعة سيحوّل الحليف إلى منافس داخل الساحة نفسها. وكان يمكنها أن تدرك أن النفوذ السياسي لا يُقاس بعدد البيانات ولا بحجم الدعم العسكري، بل بما يتراكم على الأرض من مؤسسات وشبكات وعلاقات وموانئ ومشروعات اقتصادية وقوى محلية قادرة على الاستمرار.
ولهذا فإن التحرك المتأخر يحمل في داخله اعترافًا ضمنيًا بأن السنوات العشر الماضية لم تكن مجرد سنوات حرب ضد الحوثي، بل كانت أيضًا سنوات لإعادة تشكيل موازين القوى في جنوب اليمن.
وهنا يجب أن نكون أكثر دقة، بل أكثر صراحة.
ليس صحيحًا أن كل ما فعلته الإمارات في الجنوب كان مشروعًا واحدًا متكاملًا للسيطرة، كما ليس صحيحًا أن كل تحرك سعودي اليوم هو دفاع عن وحدة اليمن أو مشروع لإعادتها إلى ما قبل 2014.
وقول هذا لا يحتاج إلى تورية.
الدول لا تتحرك بدافع الشعارات التي ترفعها القوى المحلية؛ الدول تتحرك وفق مصالحها. والحليف الإقليمي حين تتغير حساباته قد يعيد تعريف أولوياته دون أن يغيّر خطابه بالكامل.
وما يجري اليوم ليس معركة جنوبية جنوبية، ولا هو صراع على تقرير المصير وحده، بل هو فصل جديد من فصول التنافس الإقليمي على جسد الجنوب؛ يُدار بعضه بأيدٍ محلية، لكن بوصلته ليست هنا.
وهذا يعني أن المشروع الذي كان يعتمد على رعاية إماراتية قوية تعرض لضربة موجعة.
والجنوبيون، كقوى سياسية وعسكرية وشعبية، دفعوا ثمن التنافس بين الحليفين أكثر مما جنوا من مكاسب مستدامة.
وهذا لا يعني أن القوى الجنوبية كانت مجرد أداة صامتة بيد الخارج. فالمجلس الانتقالي وغيره من القوى المحلية دخلوا هذه التحالفات بحسابات خاصة بهم، وحاولوا استثمار الدعم الخارجي لمشروعهم الذاتي، لا لمشروع الراعي فقط.
لكن الفارق بين من يملك مشروعًا ومن يملك القرار على الأرض ظل شاسعًا، وهذا ما جعل استثمارهم في التحالف أقرب إلى مقايضة غير متوازنة القوى.
حلم الإقليم شبه المستقل، أو حتى الترتيب الذي يمنح الجنوب صوتًا أوضح ومكانة أرسخ، تبدد تحت أقدام المصالح الأكبر. فالصراع لم يُحسم لصالح مشروع جنوبي مستقل أو شبه مستقل، بل أعاد ترتيب الخريطة تحت مظلة سعودية أوسع، تاركًا «القضية الجنوبية» معلقة مرة أخرى، كبند مؤجل في ترتيبات لا يملك أهل الأرض الكلمة الفصل فيها.
والمفارقة المؤلمة أن الجنوب، الذي كان يعتقد أنه يستخدم التحالفات الإقليمية للوصول إلى مشروعه، قد يجد نفسه في النهاية وقد استُخدم هو نفسه داخل تلك التحالفات.
كم مرة يُستدعى الجنوب ليكون وقودًا، ثم يُترك ليبتلع خيبته بصمت؟
لهذا فإن اختزال ما يحدث في الجنوب بأنه صراع بين «الوحدة والانفصال» لا يكفي، وقد يكون مضللًا، عن قصد أو عن غير قصد.
فالنظر من خرم الإبرة يجعلنا نرى تفاصيل صغيرة ونظنها المشهد كله، بينما التاريخ والجغرافيا، وما نشهده اليوم من تنافس اقتصادي وسياسي داخل الخليج نفسه، يخبراننا أن ما يتشكل في الجنوب أكبر بكثير من كل الشعارات التي نرفعها، وأخطر بكثير مما نجرؤ على قوله.
الجنوب ليس مجرد قضية حدود أو علم أو شعار.
وليس مجرد ورقة في يد الخارج.
لكنه أيضًا ليس خارج حسابات الخارج.
إنه مساحة جغرافية استثنائية تتقاطع فيها مصالح محلية وإقليمية ودولية؛ ومن يدخل هذه المساحة لا ينظر إليها وحدها، بل ينظر إلى ما وراءها: البحر الأحمر، وباب المندب، والبحر العربي، والمحيط الهندي، وطرق التجارة والطاقة والأمن البحري.
ولهذا ربما آن الأوان لأن نخرج من خرم الإبرة.
أن نرفع رؤوسنا قليلًا عن الشعارات، وننظر إلى الخريطة كاملة.
فما يجري في الجنوب قد لا يكون معركة على شكل الدولة فقط، بل على موقع هذه الدولة في الإقليم، وعلى من سيمتلك مفاتيح الجنوب عندما تهدأ الحرب ويبدأ الصراع الحقيقي على الاقتصاد والموانئ والنفوذ.
وحينها قد نكتشف أن السؤال الذي شغلنا طوال السنوات الماضية لم يكن هو السؤال الأهم أصلًا.
السؤال الأهم ليس: لمن سيكون الجنوب؟!
بل: من سيكون صاحب القرار فيه؟!