الخميس 6 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • وقف آلية "تعميد الشهادات" أو.. اليمنية غير المتساوية!

وقف آلية "تعميد الشهادات" أو.. اليمنية غير المتساوية!

صحيح أن عدم وجود آليات تحقق رسمية مشتركة يجعل من التصديق على الشهادات أمرًا محفوفًا بمخاطر الوقوع تحت طائلة المساءَلة القانونية. 

لكن، هل إصدار قرار وقف آلية التعميد أو التأكيد السارية منذ ما يزيد عن عقد من الزمان، والشروع في تطبيقه بأثر رجعي على الشهادات الصادرة قبل هذا القرار، هو إجراء مسؤول يتوافق مع المهمات الدستورية والقانونية المنوطة بمؤسسات الدولة، لا سيما في مثل هذا الوضع الاستثنائي المعقد الذي تمر به اليمن؟!
الجواب على هذا السؤال يفتح الباب إلى الحديث عن وزارة التربية والتعليم ككيان مؤسسي يستمد سلطاته من الدستور والقانون، وبالتالي فممارسة هذا الكيان المؤسسي لسلطاته ومسؤولياته لا ينبغي لها أن تتأثر بالتحولات في اتجاهات الأشخاص الناجمة عما قد يحدث من تغيير أو تدوير للوجوه على مستوى قيادة الوزارة.
بالطبع فإن ذلك لا يعني تجريد القيادة الجديدة لوزارة التربية والتعليم من صلاحية إعادة النظر في قرارات سابقة سارية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتصويبها بما في ذلك إلغائها، أو وقف العمل بها طالما استوجبت المصلحة العامة ذلك، غير أن تلك الصلاحية غير مطلقة، وبالضرورة فهي صلاحية مقيدة بقيد عدم المساس بالمراكز القانونية المتحققة كأثر للقرارات السابقة، وسريان العمل بها، حيث إن العمل بآلية تعميد معينة لسنوات طويلة هو بمثابة إبداء الوزارة موافقتها، والإذن للطلاب بالالتحاق للدراسة في المدارس الواقعة خارج نطاق سلطاتها الإدارية، ومن ثم فلا يصح أن تسحب إذنها بأثر رجعي، لأن في ذلك مساس بمركز قانوني، وما نقصده تحديدًا هنا، هو المركز القانوني للطالب الحاصل على الشهادة العامة أو شهادة النقل الصادرة من المدارس أو الجهات الواقعة في نطاق ما تسمى بالمناطق (غير المحررة) على ما يكسبه ذلك المركز من حق في تأكيد شهادته، وهو حق شرعي وقانوني غير قابل للمصادرة أو الانتقاص، ولا شك في أن امتناع الوزارة عن التعميد يعد إخلالًا جسيمًا بالتزاماتها ومسؤولياتها، وهو إخلال تقوم به جريمة عرقلة سير العمل.
وتتضح جسامة ذلك الإخلال، من خلال أثره المباشر والمتمثل في التعدي على حق من الحقوق الدستورية الأساسية للطالب، وهو الحق في التعليم المنصوص عليه في المادة (٥٤) من دستورالجمهورية اليمنية، لا سيما وأن الامتناع عن تعميد أو تأكيد الشهادة من شأنه أن يحول دون الالتحاق بالمستويات الدراسية اللاحقة للمستوى الدراسي للشهادة.
ليس ذلك فحسب، فالامتناع عن التعميد أو التأكيد، وهو الامتناع المعبر عنه من خلال القرار بوقف العمل بآلية التعميد، وبأثر رجعي، يطال بالهدم حقًا دستوريًا أعظم أهمية من الحق في التعليم، وهو الحق الأول من بين حقوق المواطنين الأساسية المنصوص عليها في الباب الثاني من دستور الجمهورية اليمنية، والذي يمثل مبدءًا دستوريًا أصيلًا في دساتير مختلف دول العالم، ذلك هو مبدأ المساواة بين جميع المواطنين.
والحديث هنا عن المساس بمبدأ المساواة، ليس حديثًا إنشائيًا عامًا معزولًا عن السياق، بل إنه حديث لصيق بإصدار مثل ذلك القرار واتجاهات تطبيقه العملية، وبيان ذلك واضح في إجراءات التعميد أو التأكيد التي باشرتها وأنجزتها وزارة التربية والتعليم لمئات وآلاف الشهادات الصادرة من سلطات التعليم في ما تسمى المحافظات (غير المحررة)، والمتعلقة بالعام الدراسي الماضي والذي قبله، وما قبلهما، ليستفيد من إجراءات التوثيق تلك أعداد كبيرة من الطلاب، وذلك حقهم، غير أن زملاءَ لهم، جلسوا إلى جانبهم على ذات المقاعد الدراسية، وتلقوا الدروس ذاتها، وحصلوا على الشهادات نفسها، يجدون اليوم أنفسهم على الضفة الأخرى، لا سبيل أمامهم لمواصلة دراستهم في الحيز الجغرافي الذي ينشدون وفي الجامعة أو المدرسة التي يريدون، وكل ذلك لا لشيء سوى أن شخصًا يرأس الإدارة العامة للاختبارات، وبإيعاز من الوزير الجديد، قرر وقف العمل بآلية توثيق الشهادات، أو بالأصح، قرر أن اليمنيين غير متساوين!