الثورتان اليمنيتان (سبتمبر -أكتوبر).. قراءة سوسيو-سياسية نقدية (3-1)
جدلية السياسي والتاريخي في الثورة اليمنية:
في واحدة من كتاباتي البحثية عن ثورة 26 سبتمبر 1962م، التي احتواها كتاب "ثورة 26 سبتمبر، المؤتمرات السياسية المعارضة الأولى 1962-1967م"(1)، توصلت إلى اقتناع راسخ من خلال قراءاتي للتاريخ السياسي والاجتماعي اليمني، إلى أن اليمن الإمامي (شمال اليمن تحديدًا) بحاجة إلى أكثر من ثورة واحدة، وأن ثورة واحدة لا تكفي، بعد قرون سالبة من الركود السياسي، والاجتماعي، والتخلف الاقتصادي المديد، وهو ما ظهر أكثر وبوضوح بعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م، في كثافة حضور التاريخ القروسطي في أسوأ تجلياته الماضوية تخلفًا (ثيوقراطية، وأوتوقراطية بدائية) لا مثيل لهما، وكأننا أمام تاريخ مشبع بجنون عظمة الاستبداد التاريخي، في صورة ثلاثية سلطوية تاريخية تمثلت في: فردية معصومة، وعصبية، ومركزية مقدسة (مركزة للذات الإمامية، على حساب بناء ذات الدولة)، ثلاثية استبدادية دافعت عما تعتقده حقها المقدس في الاستمرار ضدًا على حقائق السياسة والتاريخ والحياة..
استمرار في الحكم طيلة ما يقارب اثني عشر قرنًا -متقطعة- بعد أن توقف التاريخ أو بتعبير أدق، ركد أو تجمد التاريخ، الاجتماعي السياسي الإمامي، والحركة الاجتماعية للمجتمع والسياسة، عند لحظة رسوبية بدائية هي أقرب إلى التاريخ القديم، أو الوسيط القروسطي (الكهنوتي)، حيث ركدت علاقات الإنتاج وتجمدت، وتحجرت قوى الإنتاج لقرون طويلة، وكأن التاريخ لم يتحرك خلالها خطوة واحدة إلى الأمام -باستثناءات تاريخية محدودة: الدولة الصليحية، والرسولية، والطاهرية، إلى حد ما- وهي سنوات منتزعة قسرًا من تاريخ الإمامة، في تحالفها مع المشيخة القبلية، إضافة إلى جمود سياسي، اجتماعي، تاريخي (وحدة الإمامة، بالدين والمذهب، وبالقبيلة)، فضلًا عن الحروب المتكررة على السلطة في تاريخ الإمامة السياسي والاجتماعي، مما أسهم أكثر في تعويق أية إمكانية لحدوث أي تطور في بنية المجتمع الفوقية، والتحتية بالضرورة، أصبح معها الحديث عن خصوصية استقلال الإمامة كدولة عن الإمبراطورية العثمانية في 1918م ضربًا من السخرية، والهذيان الأيديولوجي الذي لا معنى له على صعيد الواقع السياسي العملي، بخاصة أن الاستقلال الشكلي الزائف عن العثمانيين لم يحدث أي أثر إيجابي ملموس ولو محدود لصالح تجديد بنية المجتمع، والسلطة والدولة، بقدر ما أعاد إنتاج أسوأ لحظات الحضور التاريخي في أبشع صوره الخاصة (الخصوصية)، الثيوقراطية والاستبدادية(2). نقول ونؤكد على ذلك دون أية استهانة أو تقليل من كفاح الشعب اليمني تاريخيًا ضد الغزو الاستعماري الخارجي، بما فيه مقاومة الاحتلال العثماني لليمن. وفي هذا السياق من المهم الإشارة والتأكيد على أن الإمامة السياسية، ونظام حكمها الثيوقراطي، المذهبي، السلالي، المشيخي القبلي، قد أسهم في تدمير الوعي السياسي الوطني، والفكرة الوطنية، وعدم حضور معنى الوطن في وعي قطاع واسع من الشعب اليمني، كما أن حكم الإمامة الذي ارتكز -كما سبقت الإشارة- على ثلاثية: الفردية المعصومة، والعصبية، والمركزية المقدسة (ثنائية الإمامة، والمشيخة القبلية)، قد أدى في امتداده السياسي التاريخي الاستبدادي، إلى عدم الإحساس والوعي بوطأة الاحتلال الاستعماري البريطاني على جنوب الوطن، بقدر ما خفف من ثقل ووطأة الاحتلال العثماني في وعي الشعب (قطاع واسع من الشعب) نتيجة ممارساته البدائية والوحشية، التمييزية مذهبيًا، وسياسيًا، واقتصاديًا تجاههم، وهذه الحال استمرت بجميع تفاصيلها القاتلة والمدمرة حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م وتأسيس الجمهورية الأولى، من 62 إلى نوفمبر 1967م.
ومن هنا قولنا إن شمال اليمن في ظل حكم الإمامة كان بحاجة إلى أكثر من ثورة، وأن ثورة واحدة لا تكفي لاجتثاث ذلك الركام الاستبدادي التخلفي التاريخي، والوقائع والحقائق المستمرة حتى اليوم تؤكد هذه الفكرة، وهذا المعنى...، حيث حل بديلًا عن الإمامة، ورثة جدد للإمامة، هي المشيخة القبلية، والقوى التقليدية، والمجاميع العسكرية الملتحقة بها التي انتظم حراكها جميعًا عمليًا تحت قيادة زعماء المشيخ القبلي (أقيال القبيلة)، وهو ما تنبه له مبكرًا اللواء حمود الجائفي، حين رفض تولي قيادة الثورة قبل قيامها بشهر، خوفًا وحذرًا؛ خوفًا على نفسه، ولعدم ثقته بنجاح الثورة، وحذرًا من المآل السيئ الذي قد يقود إليه قيام الثورة، بخاصة بعد تجارب فشل حركة 1948م الدستورية، وفشل انقلاب 1955م، إذ رد على الضباط الأحرار: احذروا، فإنه بعد القيام بالثورة سيأتي مشايخ اليمن، ويستولون على البلد ويحكمونه، وإذا تولوا فسوف يحكمون هذا البلد لسبعين عامًا قادمة.. وقال لهم، كما يقول د. حسن مكي(3): سوف يركبون فوقكم ويفعلون ما يريدون. ويبدو أن نبوءة اللواء الجائفي السياسية التاريخية قد تحققت جزئيًا، فالثورة نجحت رغم التحديات والمعوقات التاريخية، وحذر أو تحذير اللواء الجائفي كان في محله. فالمشايخ ما زال دورهم كبيرًا، وهم من يسيطر على مفاصل السلطة، بخاصة من بعد انقلاب الخامس من نوفمبر 1967م...".
وفي تقديري الشخصي إن هذا هو أحد أهم عوامل عدم ظهور الدولة الوطنية المدنية الحديثة، والسبب الحقيقي أمام انكسار وتراجع المسار السياسي الديمقراطي والاجتماعي للثورة لاحقًا.
وفي جنوب اليمن، حققت ثورة 14 أكتوبر 1963م، الاستقلال الوطني الكامل والناجز بعد طرد الاستعمار البريطاني في 30 نوفمبر 1967م، وأقامت دولة نظام وقانون، وتوحيد ثلاث وعشرين سلطنة، ومشيخة، وإمارة، في سلطة دولة واحدة، لأول مرة في تاريخ جنوب البلاد، تحت سلطة حكم الحزب الواحد (الشمولي)، بعد أن حرمت وجرمت سلطة ما بعد الاستقلال التعددية الحزبية والسياسية، وجعلت من الحزب الواحد "قائدًا للدولة والمجتمع" كما في نص الدستور، أي حصر إدارة البلاد سياسيًا تحت قيادة الحزب الواحد "الجبهة القومية"، والذي استمر حتى قيام دولة الوحدة 22 مايو 1990م. كما قامت سلطة الاستقلال الوطني بعد 30 نوفمبر 1967م، في الواقع، بإجراءات تغييرية؛ سياسية اجتماعية واقتصادية، لصالح الفئات والطبقات الفقيرة، ولصالح قوى الجديد السياسي والاجتماعي، بعد أن قلصت دور ومكانة رموز البنى الاجتماعية والسياسية التقليدية (السلاطين، الأمراء، المشايخ وحتى البرجوازية الوطنية، مع الأسف)، وأضعفت دور القبيلة في الحياة السياسية والاجتماعية، بفعل حضور سلطة القانون على الجميع، فقد أصدرت قانونًا يمنع ظاهرة الثأر وحلها بصورة قانونية ضمن آليات جديدة يفرضها النظام السياسي والإداري والقانوني، ومنع حمل السلاح بقانون، ومنع تعاطي القات رسميًا في كل البلاد باستثناء يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع، وتقليص مساحة زراعته، والذي استمر حتى قيام دولة الوحدة 22 مايو 1990م، وفرضت سلطة حكم الحزب الواحد، ضمن دولة حزبية علاقتها بالتاريخ محسوبة بنظام وبدقة، وبما يحافظ على النظام من تدخلات التاريخ وضغوطه على أيديولوجية الحزب، الذي أقام قطيعة جدية وحدية مع الماضي، والتاريخ الثيوقراطي، ولذلك بقي حضور التاريخ الماضوي في قلب التجربة السياسية والتعليمية ممنهجًا ومدروسًا، على عكس الحالة في شمال اليمن، وبخاصة بعد وراثة المشيخة القبلية للإمامة، وللجمهورية، حيث المشيخة القبلية تكلمت أكثر مما يجب، وقالت رأيها في السياسة، والسلطة، والدولة، من موقع صاحب القرار طيلة أكثر من خمسة عقود، وبأكثر مما يجب، إذ كانت القوى المقررة في الشأن السياسي العام؛ تتمثل في (المشيخة القبلية التجارية، والمسلحة، مع العسكر) تساندهما أيديولوجيًا في ذلك الجماعة السياسية الدينية الوهابية، فقد حكمت المشيخة القبلية المسلحة شمال اليمن (سابقًا) طيلة المرحلة الجمهورية، بخاصة من بعد قيام جمهورية 5 نوفمبر 1967م، وحتى مرحلة دولة الوحدة، وبرز ذلك الدور بصورة أكبر بعد حرب 1994م في صورة ثلاثية المشايخ، والعسكر، ورجال الدين السياسي (أصحاب الفتوى الحزبية والحربية)، ضمن معادلة "شيخ الرئيس ورئيس الشيخ".
إن شيخ القبيلة، تحديدًا من بعد توقيع اتفاقية جدة مارس 1970م مع السعودية، تحول إلى شيخ ومكلل بتاج الحصانة، وهي ثقافة امتيازية لرموز المشيخة القبلية، والعسكر، دون سواهم من فئات، وشرائح، وطبقات المجتمع...، ثقافة حصانة تأسست وتشكلت من إرث أيديولوجي سياسي تاريخي (إمامي، مشيخي قبلي) يحتكم للأعراف، وليس للقوانين، والأنظمة والدساتير، كما تأسست من طول بقائهم في السلطة، في المرحلة الإمامية كتابعين لها، لتصبح (ذراعها الحربية)، وفي المرحلة الجمهورية تحولوا إلى حكام مباشرين في قمة السلطة، ترسخت خلالها أيديولوجية المشيخة القبلية؛ كنمط حياة عامة سائدة، لإدارة السياسة، والثقافة، والمجتمع، والدولة، وهو ما جعل شيخ القبيلة أعلى مقامًا ومرتبة اجتماعية وسياسية، وحتى وطنية، من مقام الوزير، ورئيس الوزراء، انظر حول ذلك رأي وموقف الأستاذ، الفقيد، محسن العيني، رحمة الله تغشاه، في كتابه: "خمسون عامًا في الرمال المتحركة"، فلا عقوبة أو جزاء وفقًا للقانون والدستور لشيخ القبيلة في حالة خروجه على الدستور، أو في حالة اعتدائه على الوزير، أو رئيس الوزراء، لأن العقوبة والجزاء سيعتبران موجهين ضد القبيلة، والطائفة، باعتبار الشيخ رمزها وعنوانها، ومن غير المعقول محاسبته أو معاقبته، لأن القبيلة كقوة اجتماعية وسياسية وعسكرية ملحقة به، وهو ملحق بها، وقائدها، ورمزها في الوقت نفسه، ففي مجتمع القبيلة السياسية، الأعراف والتقاليد هي مصدر الشرعية الاجتماعية، والقانونية الوحيد، والوقائع في وحول ذلك عديدة، إلا أن يقبل الشيخ مختارًا وبرضاه بـ"التهجير" القبلي؛ بالكباش، أو الأثوار، والجمال، هذا إن قبل! وهناك عشرات الوقائع المأساوية يمارسها شيوخ القبيلة عسكريين، ومدنيين، وتجارًا طارئين على التجارة، والمال، والاقتصاد، والمقاولات، بخاصة في المرحلة الجمهورية "الصالحية"، ولا يطالهم عمليًا أي جزاء أو عقاب، وهو من ثمار أو حصاد المرحلة الجمهورية "الجملكية"، في ظل دولة المشيخ القبلي، أو جمهورية القبيلة والعسكر، حيث "تلغي ثقافة الحصانة التي ترتكب بهديها وحمايتها الجرائم، مبدأ المساواة بين المواطنين"(4). وهذه الممارسات تكشف إلى أي مدى أننا بعد الثورة، وبعد الوحدة بالحرب، ما نزال بعيدين عن النظام الجمهوري، وعن أهداف ثورة 26 سبتمبر، وتحديدًا عن هدف "إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات"، وبالنتيجة بعيدين عن الدولة المدنية الحديثة، التي يجري معارضتها اليوم من قبل البعض بالدولة القبلية، أو الدينية، أو العسكرية، أو الدويلة الإمامية، وكأن ثورة 26 سبتمبر 1962م، أزالت حكم "البطنين مؤقتًا" لتستبدله طيلة ما يقارب أربعة أو خمسة عقود بحكم وسلطة "النهدين" (المشايخ والعسكر وجماعة الدين السياسي الوهابية).
الهوامش:
(1) الكتاب من إصدار مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، ط أولى، 2001م.
(2) هناك من الباحثين من يرى في خروج العثمانيين من اليمن بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى 1918م، نكبة أحاقت باليمنيين "فقد ادعت الإمامة عقب زوال حكم العثمانيين العتيد...، أن جميع منشآت الأتراك في اليمن، ومخلفاتهم، ومعداتهم الضخمة، ملك لها تتصرف بها كيف تشاء، مما لم يحدث مثله في ولاية من الولايات التركية... وأن الأوضاع الاجتماعية والسياسية، والتعليمية، وطرق إدارة الحكم والمستشفيات، والصحة، كانت أفضل حالًا مما آلت إليه الأمور في المرحلة الإمامية الاستقلالية"، انظر حول ذلك كتاب "اليمن المنهوبة والمنكوبة"، مجهول المؤلف، مع أن هناك أكثر من إشارة ودليل تشير وتقول إنه للأستاذ أحمد محمد نعمان، ص13، وانظر، كذلك د. فاروق عثمان أباظة: "الحكم العثماني في اليمن 1882-1918م"، ص430-433، الهيئة المصرية العامة للكتاب، نقلًا عن كتاب قادري أحمد حيدر: "دراسات فكرية وثقافية"، ص143، إصدار اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين -صنعاء، ط أولى، 2009م.
(3) د. حسن مكي، حوار مع صحيفة "26 سبتمبر"، الأربعاء 26/9/2012م، العدد رقم (1660)، ص13، عدد خاص بمناسبة العيد الذهبي لثورة 26 سبتمبر الخالدة.
(4) د. أبو بكر السقاف: كتاب "دفاعًا عن الحرية والإنسان"، ص24، إعداد منصور هائل، إصدار منتدى الجاوي الثقافي، رقم (1) ط أولى، 2012م.



