السبت 26 سبتمبر 2026

لماذا يخافون من سبتمبر؟

أحيانا أسأل نفسي: لماذا كل هذا الهجوم على ثورة سبتمبر؟
ربما لأن سبتمبر، في معناها الحقيقي، كانت أكبر من المشاريع الصغيرة التي جاءت بعدها. كانت محاولة لتحرير الإنسان من الكهنوت والاستبداد والتمييز السلالي والطبقي والمناطقي، وبناء دولة تقوم على المواطنة لا على النسب، وعلى القانون لا على النفوذ.

ولهذا لم تكن سبتمبر ثورة شمالية بالمعنى الضيق الذي يحاول البعض اليوم تكريسه. كانت فكرة تحرر امتدت آثارها إلى الجنوب، وكانت عدن نفسها منبرا مهما للثورة، والتقى فيها مناضلون من الشمال والجنوب حول هدف مشترك: التحرر وبناء وطن جديد.
ومن هنا جاءت العلاقة الطبيعية بين سبتمبر وأكتوبر. لم تكن أكتوبر نقيضا لسبتمبر، بل كانت امتدادا لمشروع التحرر اليمني من الاستبداد والاستعمار، قبل أن تأتي السياسة والصراعات والمصالح لتشوّه كثيرا من أهداف الثورتين.
المشكلة لم تكن في سبتمبر ولا في أكتوبر، وإنما في الذين دخلوا إلى مؤسساتهما وهم يحملون إرثا لم يتغير. بعض القوى لم تدخل الثورة لتتغير بقيمها، بل دخلت لتعيد إنتاج نفوذها من داخلها. فبقيت القبيلة حاضرة في السياسة، وبقيت المناطقية حاضرة، واستمرت صراعات النفوذ، وتحولت الثورة تدريجيا من مشروع لتغيير المجتمع إلى وسيلة لإدارة الصراع على السلطة.
وفي الجنوب حدثت أيضا صراعات وإقصاءات وتصفية للخصوم وإبعاد للكفاءات، وترافقت بعض السياسات الاقتصادية مع إضعاف قطاعات ومؤسسات كان يمكن أن تشكل قاعدة لنمو عدن والجنوب. لذلك فإن نقد تجربة ما بعد أكتوبر لا يعني الإساءة إلى أكتوبر، كما أن نقد ما بعد سبتمبر لا يعني الإساءة إلى سبتمبر.
لكن الغريب اليوم أن يتحول الغضب من ممارسات الأنظمة التي حكمت باسم الثورتين إلى غضب من الثورتين نفسيهما.
والأغرب أن يتحول الخلاف السياسي مع الشمال إلى موقف عدائي من كل ما جاء منه، حتى من الأفكار التي كانت في أصلها عابرة للجغرافيا. وكأن سبتمبر أصبحت مذنبة لأنها حدثت في الشمال، مع أن الاستبداد الذي ثارت عليه لم يكن قضية جغرافية، بل قضية إنسان ودولة ومجتمع.
هذا النوع من التفكير لا يحررنا من الماضي، بل يعيد إنتاجه بصورة جديدة.
نحن بحاجة إلى أن نفرق بين الثورة وبين من صادروا الثورة، وبين أهدافها وبين الأنظمة التي حكمت باسمها، وبين الشمال كجغرافيا وبين القوى السياسية التي مارست الهيمنة، وبين الجنوب كقضية عادلة وبين القوى التي ارتكبت باسم الجنوب أخطاء لا تقل خطورة.
سبتمبر ليست مقدسة ولا فوق النقد، وأكتوبر كذلك. لكنهما تستحقان قراءة تاريخية عادلة، لا محاكمة سياسية بأثر رجعي.
فالذي يريد أن ينتقد سبتمبر فليحاكم أفكارها ونتائجها بالأدلة، لا أن يحاكمها لأنها «ثورة شمالية». والذي يريد الدفاع عن أكتوبر فليدافع عن أهدافها، لا أن يحولها إلى هوية مناطقية مغلقة.
إن أخطر ما نفعله اليوم هو أن نستخدم جراح الماضي لإنتاج جراح جديدة.
لقد فشلت الأنظمة التي جاءت بعد سبتمبر وأكتوبر في تحقيق كثير من وعودهما، لكن ذلك لا يلغي أن فكرة التحرر نفسها كانت أكبر من تلك الأنظمة. وما نحتاجه اليوم ليس أن نلعن سبتمبر أو أكتوبر، وإنما أن نسأل: لماذا عجزنا عن تحويل قيمهما إلى دولة؟ ومن الذي صادر مشروع الدولة والمواطنة طوال هذه العقود؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن نختلف حوله.
أما تحويل سبتمبر وأكتوبر إلى خصمين، والشمال والجنوب إلى هويتين متعاديتين، فهو في النهاية انتصار للإرث الذي جاءت الثورتان أصلا لمقاومته.