حين يتحدث المتحولون عن المبادئ
لم أكن أرغب يومًا في استحضار ماضي أحد، لكن حين يتحول بعض أصحاب التاريخ المثقل بالتقلبات إلى أوصياء على الوطنية، يصبح إنصاف التاريخ واجبا، لا رغبة.
أكثر من يزايدون اليوم بالقضية الجنوبية ليسوا بالضرورة أكثر الناس تضحية، بل إن بعضهم كان في كل مرحلة جزءا من السلطة القائمة أو تابعا لها. لم يعرفوا ثباتا على موقف، بل عرفوا كيف يبدلون مواقفهم كلما تبدلت موازين القوة.
في أحداث 13 يناير، كان منهم من ارتضى أن يكون عينا على رفاقه، يرفع التقارير ويشارك في الوشاية، فكانت تلك البلاغات سببا في مداهمات واعتقالات، وما زال بعض الضحايا مجهولي المصير حتى اليوم. وهناك من نجا من تلك الوشايات، وما زال شاهدا على تلك المرحلة بما فيها من خذلان.
وفي حرب 1994، عندما كان آخرون يواجهون نظام علي عبدالله صالح وينظمون صفوفهم في ظروف بالغة الخطورة، اختفى هؤلاء أو احتموا بقراهم، وبعضهم تنكر حتى لرفاقه الذين طرقوا بابه. وآخرون لم يخفوا انتقالهم إلى المؤتمر الشعبي العام حفاظا على الوظيفة والمنصب.
لا أحد يعترض على حق الإنسان في مراجعة قناعاته أو تغيير موقفه السياسي إذا كان ذلك نابعا من قناعة فكرية. لكن ما لا يمكن احترامه هو التحول الذي تمليه المصلحة، ثم تحويل ذلك التحول إلى منصة للمزايدة على من دفعوا ثمن ثباتهم.
المؤلم أن بعض من كانوا بالأمس أكثر الناس خضوعا للسلطة، أصبحوا اليوم يتحدثون باسم القضية الجنوبية وكأنهم أصحاب تاريخ نضالي لا يرقى إليه الشك، بينما يعرفهم رفاق الأمس كما عرفهم التاريخ.
لقد خسر أصحاب المبادئ الكثير؛ خسروا الوظائف والمناصب والامتيازات، لكنهم احتفظوا بما هو أثمن: احترامهم لأنفسهم وصدقهم مع تاريخهم. أما المتحولون فقد ربحوا ما أرادوه من مصالح، لكنهم خسروا ثقة الناس، لأن الذاكرة لا تموت، ولأن التاريخ لا يكتبه أصحاب الشعارات، بل يكتبه أصحاب المواقف.
ستظل القضية أكبر من أن يحتكرها الانتهازيون، وأشرف من أن تكون وسيلة لتبييض تاريخ من عاشوا على تبديل الولاءات. فالأوطان لا تبنى بالمزايدات، وإنما بالثبات على القيم، وبالصدق مع الناس، وبالاستعداد لدفع ثمن الموقف عندما يكون للموقف ثمن.
والتاريخ، مهما طال الزمن، يضع كل إنسان في المكان الذي يستحقه.
