بين طموح الشهادة وواقع المعيشة
كيف تُجبر متطلبات الحياة الخريجين على تغيير بوصلتهم المهنية؟
تبدأ رحلة الإنسان مع المعرفة بخطوات تعثرية أولى في أروقة الطفولة المبكرة، لتستمر الرحلة وتتصاعد عبر محطات التعليم الأساسي والثانوي، وصولاً إلى المحطة الأهم والمنعطف الأبرز: المرحلة الجامعية.
في هذه المرحلة الذروية، يخوض الطالب معركة حقيقية مع الصعاب؛ فيتجرع مرارة التنقل، ويجابه شحّ الإمكانيات المادية، ويكابد لتأمين متطلبات التحصيل العلمي في ظل ظروف معيشية خانقة. سنوات مضنية تتزاحم فيها ساعات الأرق، وتتقلب بين صفحات الملازم والكتب، ويجافي النوم فيها الأجفان، ليس لشيء إلا ترقباً لتلك اللحظة المفصلية التي تُمثّل مبتغى السهر وعنوان الظفر: يوم التخرج.
في ذلك اليوم المشهود، تتدفق مشاعر فرحة عارمة لا تُقدّر بثمن، تتلاشى معها غصص التعب وسهر الليالي في رمشة عين، يحدو الخريج أمل عريض للانتقال إلى الضفة الأجمل، ضفة حصاد الثمار وجني عوائد الجهد والتحصيل عبر الالتحاق بوظيفة رسمية تترجم تخصصّه العلمي إلى واقع عملي يخدم به مجتمعه ويبني به مستقبله.
بيد أن هذا الأمل المتأهب سرعان ما يصطدم بصخرة الواقع المرير. واقعٌ يواجه الخريج بعبارات قاتمة: "ليس الحلم كالحقيقة، والفرص شحيحة، والمقاعد الوظيفية قد غُصّت بأصحابها"، في ظل انسداد أفق التوظيف الرسمي واستيعاب الخريجين الجدد.
أمام هذا الجدار البيروقراطي والاقتصادي المسدود، يجد الخريج نفسه مجبراً على الانكفاء، وتغيير بوصلته المهنية مجبراً لا بطلاً. وتبدأ رحلة البحث المضنية في أزقة الأسواق ومنعطفاتها عن أي بارقة أمل، لينتهي به المطاف في مهنٍ وأعمال حرة بالأجر اليومي، أو برواتب شهرية زهيدة لا تسمن ولا تغني من جوع؛ فتراه تارة وراء طاولة في متجر، وتارة خلف منصة عرض، وأخرى يدير "بسطة" متواضعة على رصيف الشارع.
هنا، وفي لحظات الانكسار والوقوف بين أطلال الأحلام الأكاديمية، ينبثق سؤال المراجعة الذاتية القاسي وتأنيب الضمير الموحش:
"لماذا تجرعت كل هذا العناء؟ ولو أنني انخرطت في سوق العمل منذ نعومة أظافري ودون عناء الدراسة، ألم أكن اليوم في وضع مالي مستقر، وذو مكانة وشأن، ومحققاً لجلّ أحلامي التي وأدتها الشهادة المعلقة على الجدار؟"
إنها المفارقة المؤلمة التي تضع جيل الشباب اليوم بين مطرقة الطموح الأكاديمي وسندان الحاجة المعيشية، وتحول الشهادات الجامعية في نظر أصحابها من وسيلة لبناء المستقبل إلى مجرد ذكريات جميلة لجهد ضائع.
