بين ضجيج النكف وصمت النتائج... هل أصبح الاستعراض بديلاً عن الإنجاز؟
كلما اشتعلت أزمة في اليمن، خرجت المواكب، وارتفعت البنادق، وتعالت الهتافات، وامتلأت وسائل التواصل بصور الأرتال والسيارات رباعية الدفع. المشهد يبدو مهيبًا، حتى يخيل للمتابع أن التاريخ على وشك أن يكتب فصلًا جديدًا. لكن بعد انقشاع الغبار، يطرح اليمني السؤال نفسه: ماذا تحقق؟
لقد اعتاد اليمنيون على مشاهدة عروض القوة أكثر من مشاهدة نتائجها. فالكاميرات تعمل بكفاءة، والخطابات تُلقى بحماس، والشعارات تُرفع بثقة، أما المواطن فيعود إلى بيته كما كان: يبحث عن الأمن، والراتب، والكهرباء، والماء، والدواء.
ولعل أكثر ما يثير المفارقة أن بعض القوى تتعامل مع الحشد وكأنه إنجاز بحد ذاته، بينما الحقيقة أن الحشد ليس هدفًا، بل وسيلة، والوسائل لا تُقاس بجمال صورها، وإنما بما تتركه من أثر على الأرض.
في اليمن أصبح الضجيج أحيانًا أعلى من الحقيقة. كل طرف يعلن أنه صاحب الحق المطلق، وكل طرف يعد بالنصر القريب، وكل طرف يتحدث باسم الشعب، بينما الشعب نفسه يقف في طوابير الوقود، ويكافح لتأمين لقمة العيش، ويتساءل: من يتحدث باسمي فعلًا؟
المشهد يحمل شيئًا من الكوميديا السوداء؛ فكلما اشتدت الأزمة، ازدهرت لغة البطولات، وكأن ارتفاع مستوى الخطاب يعوض انخفاض مستوى الإنجاز. حتى أصبح المواطن يحفظ البيانات قبل أن تُكتب، ويعرف نهايتها قبل أن تبدأ.
ليست المشكلة في القبيلة، فالقبيلة كانت عبر التاريخ جزءًا من النسيج الاجتماعي اليمني، وأسهمت في حل النزاعات وحماية الناس في محطات كثيرة. وليست المشكلة في الحشد إذا كان منضبطًا بالقانون ويخدم مصلحة عامة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستعراض إلى غاية، وعندما يصبح التصفيق أهم من النتيجة، والصورة أهم من الحقيقة.
إن اليمن لا يحتاج إلى سباق في عدد السيارات أو البنادق أو الهتافات، بل إلى سباق في بناء المؤسسات، وترميم الثقة، وحقن الدماء، وإعادة الاعتبار للدولة والقانون. فالأمم لا تُبنى بالضجيج وحده، وإنما بالإدارة الرشيدة، والعدالة، والاقتصاد، والتعليم، واحترام كرامة الإنسان.
لقد تعب اليمنيون من تكرار المشهد نفسه: إعلان، ثم حشد، ثم ضجيج، ثم انتظار طويل... ثم يعود الجميع إلى نقطة البداية، وكأن الزمن يدور في حلقة مفرغة لا تريد أن تنتهي.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الجميع ليس: كم عدد من حضر؟ بل: ماذا تحقق؟ وهل اقترب اليمن خطوة من السلام والاستقرار، أم أضيف فصل جديد إلى مسلسل الاستعراضات؟
فالتاريخ لا يمنح الجوائز لأكثر الأصوات صخبًا، بل لمن يحقق النتائج. أما الضجيج، فمهما ارتفع، فإنه لا يطحن قمحًا، ولا يطعم جائعًا، ولا يعيد وطنًا أنهكته الحروب.
وما بين صخب المواكب وصمت الإنجاز، يبقى المواطن اليمني واقفًا على قارعة الطريق، يردد بحسرة: أسمع ضجيجًا كثيرًا... لكنني لا أرى طحينًا.
