الإثنين 8 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • القاضي محمد علي الأكوع الحوالي.. المؤرخ التقليدي الموضوعي

القاضي محمد علي الأكوع الحوالي.. المؤرخ التقليدي الموضوعي

القاضي محمد علي الأكوع الحوالي.. المؤرخ التقليدي الموضوعي

محمد علي الأكوع عاشق التاريخ، الذي يضع اليمن في قلب عقله وهو يقرأ ويكتب.. هو من جيل المؤرخين اليمنيين القلائل الذين يجمعون بين الكتابة التقليدية والحديثة في الرؤية لنفسه وللواقع وللتاريخ.. لا يعتقد أن كتابته نهائية للتاريخ، وفي التاريخ، وهذا يكفي للقول بأن ما كتبه، وما حققه، هو إضافة نوعية للمكتبة اليمنية والعربية.

كتابة التاريخ هي بالأمس واليوم إشكالية معقدة من زوايا عديدة، لأنني أعتقد أن الموقف من كتابة التاريخ هو في الأساس موقف من الحياة الحاضرة، وتعكس صورة كيف نحن نقرأ ونفكر في المستقبل؛ هل بروح المستقبل وإدراك التعدد والتنوع في القراءة والكتابة وفي الحياة، أم بعقلية الاستبداد بالأمر بسلطة الأمر الواقع والشخصنة للواقع والتاريخ لتتوافق مع حالة الذات الكاتبة؟

ومن هنا، فإن الحقيقة التاريخية تقتضي منا كعرب اليوم إعادة النظر في معظم الكتابة الفكرية والسياسية للتاريخ العربي الإسلامي، والحديث والمعاصر؛ لأن معظمه كتب بفكر الغلبة وعقلية القوة والتغلب.

السمة الجوهرية للأستاذ محمد بن علي الأكوع تكمن في مفارقته -إلى حد ما- لمنطق فكر الغلبة وروحية القوة في كتابة التاريخ، وذلك مظهرٌ في سجل كتاباته ومؤلفاته الخاصة الحافلة بروح التوازن والتاريخية في قراءة أشياء وحقائق التاريخ، حتى مع المسائل التي لا يتفق معها، حيث يحاول أن يوردها كما هي، دون تدخل أيديولوجي أو تعصب ثقافي في عرضه للوقائع وحقائق التاريخ. إن انهماكه في روح التاريخ وتماهيه في سطور صفحات أحداثه وحقائقه الواقعية والأسطورية قد خلقت في روحه ووعيه شخصية الحكيم، وذاتية المؤرخ الموضوعي بهذه الدرجة أو تلك؛ أي شخصية المؤرخ "المستقل" غير المتعصب، الذي يمكنه أن يرى الأوجه المختلفة للتاريخ، إلا في تحقيقه لكتاب "كشف أسرار الباطنية" للفقيه أبي عبدالله محمد بن مالك بن أبي القبائل الحمادي المعافري، الذي أظهر فيه قدرًا كبيرًا من التعصب المذهبي في انحيازه الأيديولوجي/ السياسي ضد الإسماعيلية/ الباطنية، فتبدت فيه صورة المؤرخ الموضوعي باهتة، وكأنه يفكر بعقل السلطة التاريخية، وليس بروحية المفكر التاريخي، وهو عمومًا موقف الكثير من كُتّاب السنة، والزيدية الهادوية، وبعض تيارات الصوفية، وحتى بعض الجماعات الشيعية، في موقفهم من الإسماعيلية.

نعلم من قراءتنا للتاريخ أن "المسكوت عنه" في التاريخ -وهو كثير- هو إهمال الوقائع والحقائق التي لا تتفق مع وجهة نظر السلطة السائدة؛ وبهذا المعنى فإن معظم ما وصلنا وما كُتب في دفتر التاريخ الحديث والمعاصر، إنما يدخل ضمن منطق كتابة المحو لحقائق الشعوب في التاريخ، للابتداء بكتابة تاريخ السلطان.

والمؤرخ الجليل محمد بن علي الأكوع، في غالبية كتاباته وتحقيقاته، لم يخلط بين علاقته بالحاكم أو قربه منه وبين كتابته للتاريخ، ولا علاقة في إهدائه بعض كتبه للحاكم بمنطق قراءته للتاريخ. فالتاريخ أعمُّ وأجلى صفاته هو تأكيده لحقائق حياة الناس، وتعبير عن دور وحركة الشعب في التاريخ.

ويورد العلامة محمد بن علي الأكوع في كتابه (حياة عالم وأمير) المخصص لإسماعيل باسلامة ص47 ما يلي: "وكان صاحب المواهب جبارًا عنيدًا، جاهلًا غبيًا، كان يجبر العلماء أن يقرؤوا عليه مُؤلفه الغث المليء بالأخطاء والترهات، وهكذا كانت تنتزع الإمامة في اليمن بعد أن استقر نصابها في أيديهم -يقصد الأكوع هنا: أولاد القاسم بن محمد- وفي اقتتال بالغ الخطورة غير آبهين إلى تمزيق البلاد، ومحقها وسحقها ونتنها بالمجاعة والفناء والأمراض الفتاكة وخراب الديار، والجهل الشنيع، والتشيع المريع". وفي هذا الكتاب الذي خصصه لإسماعيل باسلامة، تجد فيه محاولة لإعادة قراءة التاريخ اليمني في مراحله المختلفة وفي صفحاته المجهولة؛ إنه شكل من كتابة "السيرة" الذي تشغله فكرة التاريخ في تجلياته الذاتية والموضوعية والأسطورية. إن روح الباحث والعالم بالتاريخ تكتشفها وأنت تقرأ للأستاذ الجليل رحمه الله، على أنك يمكن أن تجد ذلك واضحًا كل الوضوح في تحقيقاته العظيمة، وفي اختياراته التحقيقية التي يضفي تحقيقه عليها بُعدًا تاريخيًا صافيًا، ويزيد من مكانة الكتاب العلمية والتحقيقية: "قرة العيون" و"الإكليل" في أجزائه الأول والثاني والعاشر، وكذلك كتاب "صفة جزيرة العرب"؛ كلها شاهدة على حضوره الفاعل في التاريخ وفي التحقيق التاريخي، والذي حفر اسمه مُشرقًا في سماء الكتابة التاريخية وفي الوعي التاريخي اليمني والعربي والإسلامي.

إنه بحق همداني اليمن المعاصر، أو كما قال عنه حمد الجاسر في مقدمة صفة جزيرة العرب: وارث علم الهمداني ومحيي آثاره ومؤرخ القطر اليماني في هذا العصر. لم يكن القاضي العلامة محمد بن علي الأكوع محققًا لكل ما يقع تحت يده أو كل ما يصل إليه، وتحقيقاته النوعية الفريدة تكشف ذلك الاختيار الواعي؛ فهو يحقق ما يجده ذا قيمة تاريخية أو قيمة معرفية أو قيمة فكرية ثقافية وطنية منسية، فيقوم على ضوء ذلك بتحقيق متونها وإعادة قراءة جديدة لها بما يضيفه للمادة المحققة من حواشٍ وتعليقات وشروح لهذه الفكرة أو القضية، ولكن بما لا يمس جوهر المادة التاريخية للكتاب، أو بما لا يعرضها للتحوير والخلل بحرف المعنى عن سياقه الأصلي التاريخي. وتلك قيمة حقيقية لهذا العالم الجليل والمؤرخ البديع؛ فهو على تقليدية دراسته التي كانت سائدة، وبسبب انحصار التعليم في قمة هرم ضيقة -وهو الأمر الذي يفسر ظاهرة "هجر العلم" المحدودة والموزعة على بعض المدن اليمنية ويعكس أزمة الحياة التعليمية والثقافية وغيابها عن معظم مناطق البلاد- إلا أنك تستطيع أن تجد الفارق بينه وبين أقرانه من المؤرخين والعلماء المحققين، بما يفرضه مؤرخًا متميزًا له ذاته التاريخية الوطنية الخاصة كمحقق ومؤلف تاريخي؛ وهذا يعني أنه لم يكن متقوقعًا في جلباب الكتابة التقليدية القديمة للتاريخ.

إن رؤيته للتاريخ الوطني تتسم بالرؤية الذاتية والموضوعية والعقلانية والتاريخية، ولكنها الرؤية التي تعيش حالة تماس مع هاجس البحث عن الحقيقة التاريخية كما هي. ولا بأس هنا من الإشارة إلى "ذاتيته الوطنية اليمانية" القحطانية الحوالية في نسيجها وسياقها التاريخي، والتي لا أجدها نقيصة أو تعصبًا وتطرفًا لا يؤمن بحق الآخر في الوجود والاختلاف، خاصة إذا ما قرأنا تلك الإشارات أو الآراء التي قد توحي أو تظهر التعصب الوطني أو التأكيد على الجغرافيا الوطنية، وكلها قضايا وأفكار لا يمكن وعيها وإدراكها بشكل سليم بعيدًا عن شروط إنتاجها أو كتابتها في خضم منطق الكتابة الصراعية التاريخية التي كانت سائدة؛ فليس صحيحًا ولا منطقيًا وعلميًا أن نعيد قراءة الفكرة التاريخية، والواقعة التاريخية بعد إخراجها عن سياقها الموضوعي التاريخي، لأننا بذلك كأننا نحاول إعادة فهمه وقراءته بمناهج وايديولوجيات العصر السائدة اليوم.

دون شك فإن الكتابة التقليدية للتاريخ تفتقر إلى حد ما للموضوعية ولمسألة النظرة الشاملة في قراءتها للتاريخ، كما هي في بعض الكتابات المنتشرة اليوم التي ما تزال تنظر إلى التاريخ كتراكم كمي للأحداث ووقائع منفصلة، ودفتر للجرائم والأحداث والحكايات؛ وهي قطعًا كتابات تفتقر للتحليل والتركيب والنقد في تحديد ماهية التاريخ ومضمونه، ولكن تلك المسألة تبقى إشكالية مرتبطة بالتطور الموضوعي لمراحل تجليات الذات في التاريخ، وتعبيرها عن نفسها في تجسيداتها الواقعية التاريخية. وهنا يمكنني القول: إن الأستاذ العلامة محمد بن علي الأكوع قد استطاع بهذه الدرجة أو تلك أن يفلت من سطوة ذلك المنطق القديم في وعي وقراءة التاريخ.

وفي صفحات كتابته أو تأليفه الخاص، يمكنك أن تجد ومضات عقله الوضاء والنقدي؛ ففي كتابه "حياة عالم وأمير" الذي طرح فيه شكلًا جديدًا في كتابة السيرة الذاتية مترافقة مع إعادة قراءة للتاريخ الوطني -قياسًا لما كان سائدًا- من خلال كتابة التاريخ الخاص لشخصية الأمير إسماعيل بن محمد باسلامة، اتسمت كتابته عنه وفيه بالروح النقدية وبعيدًا عن السطحية في التعامل مع الأحداث والوقائع؛ حيث لم يكتفِ العلامة الجهبذ بتسجيل التاريخ كأحداث ووقائع أو في التعامل مع الذاكرة التاريخية كدعاء ووعظ، بل إننا نراه في كثير من المواضع يقدم مبضع المشرح التاريخي النقدي المحلل للظواهر التاريخية كما يعتقدها ويراها، وبمنطق عقله الذاتي والتاريخي الخاص به الذي لا ينفصل عن إدراكه الدقيق للتاريخ الوطني اليمني العام.

فهو على سبيل المثال يصف اليمني قائلًا: "ولا تزال البندقية في يده ولا ارعوى ولا استكفى، فإن شغله الشاغل هو فلسفته نحو الحكام وحول النهب والسلب -يقصد القبائل المسلحة في مناطق شمال الشمال- وما حادثة صنعاء ونهبها حتى فراش المساجد، والإجرام الشنيع بعد مقتل الإمام يحيى بن حميد الدين 1948م، وبإغراء استيلاء ابنه الإمام أحمد، ببعيد، ولعل لهم عذرًا بالفقر والعوز فهما مصدر الشقاء" (ص25).. لاحظوا الرؤية السببية في قراءة وتفسير الأحداث بعللها كما هي واضحة وحاضرة في مواضع مختلفة من كتاباته وتحقيقاته، وصدق عنه هنا ما قاله الباحث والعالم حمد الجاسر من أنه وارث علم الهمداني ومحيي آثاره، ومؤرخ القطر اليماني في هذا العصر، كما جاء في مقدمة "صفة جزيرة العرب".

تعرفت على القاضي المؤرخ محمد بن علي الأكوع في نهاية النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، من خلال الصديق الفقيد الشاعر إسماعيل بن محمد الوريث، حيث كنا نتردد على زيارته في منزله بين وقت وآخر حتى ألف زيارتنا له؛ فوجدته ودودًا يحب الاستماع للآخر ومنفتحًا اجتماعيًا وإنسانيًا. ومن ملاحظاته ذات الطابع الاجتماعي الساخر والناقد أن من كان يقودنا إلى غرفته/ مجلسه أثناء زيارتنا له كان يردد بصوت عالٍ: "الله الله.. الله الله.. الله الله" حتى وصولنا لمجلسه، فقال تعليقًا على هذه الحالة: "أبصرتم كيف صار الله عندنا يُخوفون به الزوار/ الناس!".

ولا تفوتني هنا الإشارة إلى روحه المتسامحة وقبوله بالرأي المغاير لما يعتقده -باستثناء موقفه الفكري الحاد والمتعصب من الإسماعيلية- وهذه واضحة من خلال منطق علاقته بالناس في المجتمع وبالتاريخ، والذوات المفكرة في التاريخ والصانعة له.

إن الأستاذ والمؤرخ القاضي محمد بن علي الأكوع سيبقى لزمن طويل فريد عصره، وكتابه في أجزائه الثلاثة عن سيرته الذاتية التي سجل فيها بعض مفردات حياته الشخصية "اعترافاته" خير دليل على ذلك، فمهما كان الثمن الاجتماعي أو الأخلاقي الذي يفرضه منطق تقاليد السياسة الاجتماعية، لقد سجل حياته الداخلية الخصوصية دونما حرج ولا خوف ولا استهجان لبعض ما ذهب إليه.

إنه حس الفكاهة الذي يحضر في بعض كتاباته، وفي أحاديثه وتعليقاته التي تجمع بين النقد الساخر والفكاهة " خفة الروح".

إن سيرته الذاتية، خاصة في جزئها الثالث، هي الدليل على عمق رؤيته النقدية الاجتماعية للواقع في تناقضاته وللتاريخ، وعلى مدنيته الاجتماعية وتجاوزه الموضوعي والنقدي -إلى حد ما- للموروث الاجتماعي والتقليدي في النظر للمرأة وللمقدس الاجتماعي.

وهو ما فهمته منه من خلال بعض حواراتنا معه.

لقد سبق الأستاذ العلامة الجليل محمد بن علي الأكوع سياق عصره وتقدم على وعي الشباب المعاصر اليوم في العديد من المناقب والمآثر؛ إنه شخصية فكرية وثقافية واجتماعية مستقلة. وحديثه المبدع مع قريبه العميد محمد بن علي الأكوع حين حادثه حول كتاب سيرته الذاتية، هو دليل احترامه لنفسه ولقناعاته، وقبل كل شيء احترامه للواقع وللتاريخ بصرف النظر عما يراه الآخرون.

لقد قال المؤرخ محمد علي الأكوع للعميد محمد بن علي الأكوع: "لا يغرنك الناس، فهم غاية عجيبة؛ يلعنون الشيء ويستميتون في الحصول عليه"، أو قوله: "وأينو بيتها عليها لعنة الله"، أو قوله لأحدهم: "ارجعوا إلى كتب الفقه في باب النكاح لتدركوا كيف تمت مناقشة هذه الأمور في الفكر الديني الإسلامي".

رحم الله القاضي العلامة الأستاذ الجليل محمد بن علي الأكوع الحوالي.

ويبقى الكمال لله.