نغني.. نرقص لنحيا، الفن كمقاومة:
عن التنوع والمساواة كحق وجودي لذوي الاحتياجات الخاصة

"لطالما حثني جدي على العزف يوميًا، لتبقى الأنغام تسري في جسدي" من رواية "المدينة" لـ دين كونتز
**
لعامين متتاليين حضرت فعالية نوعية تُعد من أهم الفعاليات في مدينة دارمشتات، وهي اليوم الأوروبي لذوي الاحتياجات الخاصة، الذي يصادف الخامس من مايو من كل عام.
في تلك الفعالية التي حضرها 200 شخص تقريبًا من أجناس وأعمار وثقافات مختلفة، بما فيه منظمات المجتمع المدني وممثلي المدينة ومؤسساتها، وفي المقدمة، عمدة المدينة باربرا أكدينز، والموسيقيون، والفنانون من مسرح TheaterLabor INC. والأخير ممن قاموا بالتدريب والإشراف. حملت الوجوه، قوة وأملًا وجمالًا للحياة والمستقبل. وطالبوا ومعهم أفراد المجتمع، بالحقوق الأساسية والمدنية، المنصوص عليها بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، وفي مقدمتها المساواة والدمج الشامل في مختلف مرافق الحياة.
وأنت تشاهدهم بالأقنعة الملونة، حاملين الشعارات، وقبلها أرواحهم وابتساماتهم وقفشاتهم الجميلة وأغانيهم ورقصاتهم، كانوا ينقشون حضورهم في فضاءات دارمشتات، كما في المدن والشوارع في ألمانيا وأوروبا، ليجعلوا من هذا اليوم انتصارًا للقوة والإرادة والحياة الطبيعية، وفي أساسها الأول: المساواة وعدم التمييز.
كانو يلونون أحلامهم بأصواتهم، في كل شعار وأغنية ورقصة وضحكة البراءة الخارجة من القلب، ونظراتهم بامتداد الأفق الإنساني الذي لا يعرف الحدود، كانت أصواتهم ترتفع بقوة: نحن أقوياء، نحن متنوعون، ليست كل الإعاقات مرئية، ونحن فخورون بتفردنا وتنوعنا، ويؤكدون ومعهم أفراد المجتمع، بألا تكون المطالب مجرد شعارات، بل واقعًا ملموسًا يجعلنا متساوين في الحقوق والواجبات.

لقد أضفت وجوه الإناسة والألفة، والأجواءالماطرة والمظلات الملونة والأقنعة وتلاوين الشارع والسماء وإيقاعات الموسيقى سحرًا فياضًا بدلالاته الإنسانية والفنية معًا، ذلك المشهد الملون بدا أشبه بالمسرح المفتوح في الهواء الطلق.
تلك الألوان والأقنعة المتواشجة مع زخات المطر المتكاثفة على الوجوه والمظلات الملونة، شكلت صورة ولوحات تشكيلية أعطت للتظاهرة سحرًا وبعدًا إنسانيًا لثقافتنا الشعبية، فأينما يحل الغيث يحل الخير والبركة من خضرة وحياة متجددة.
إحدى المشاركات رفعت شعارًا: "نحن لسنا محط شفقة، مختلفون ولنا حقوق متساوية"، كلمات وكتابات تنمي روح التعايش والمحبة والجمال، هكذا هي الحياة، الاختلاف أساسي، ضرورة، كالمطر الذي يروي البشر والشجر والحجر.
صورة آسرة
في مشهد استدعى تأملاتي، وظللت أسيرة له، كان أحد الشبان المساعدين لذوي الاحتياجات الخاصة، يحمل مظلة يظلل أحد المشاركين من المطر، كانت الفرقة الموسيقية تعزف، والناس يغنون ويرقصون، يعانقون بعضهم بعضًا تحت المطر، وذلك الشاب المرافق للرجل ينصت لما يدور حوله، ولا ينسى أن يحني على الرجل ويتفقده، هل الملابس الواقية من المطر مغطية جسده بشكل جيد حتى لا يشعر بالبرد! أو إن كان يحتاج أي شيء... الخ، لقد كان مشهدًا حانيًا ومؤثرًا، ليس فقط في تلك اللقطة الإنسانية، بل في تفاصيل تلك الفعالية بالمجمل لكل العاملين والمتطوعين مع ذوي الاحتياجات الخاصة، فكل يؤدي عمله في مراعاتهم وتلبية احتياجاتهم... الخ.
صورة أخرىتراهم في المشاركات المختلفة للمدينة من رحلات جماعية وترفيهية، حفلات الرقص، وأحيانًا النزهات اليومية بمرافقة المتطوعين أو العاملين، وتراهم في أكثر من مكان وبثقة عالية يعملون في مرافق ومؤسسات مختلفة، ولا ينسون أن يرسموا ابتسامة وهم ينجزون أعمالهم.
المدينة التي لا تخذلك
ذلك المشهد البصري المتنوع يؤكد أن المدينة ليست فقط عمارة، وشوارع وألوانًا، بل هي الإنساااان بكل اختلافاته وتنوعه، هذا هو المعنى الحقيقي للمدينة، نعم، الحق في المدينة كما نادى به هنري لوفيفر والمفكرون، كمطلب إنساني، المدينة المؤنسنة العامرة بالموسيقى والفنون وتلاوين الحياة الإنسانية الكريمة والسعيدة، هي توقنا الأبدي للعيش والحياة فيها.
إنها المدينة -الأم التي لا تخذلك.
