عبد الرحمن منيف وروايته مدن الملح: تقاسيم الليل والنهار(3-3)

الكِتَاب الجَديد الذي تُعِدُّهُ مِسْ مَارك عن الأمراض المستعصية في شِبْهِ القارَّةِ الهِندِيَّة تحتاج للاطلاع على وثائق بشأنهِ.
أمَّا الكتاب الذي أنجزتهُ خِلالَ السَّنَوات الماضية، فهو مَزيجٌ من الذِّكريات والانطباعات؛ إضَافَةً إلى القراءة والتأثيرات المتبادلة بين الثقافتين: الإنجليزية، والهندية، وينعكس ذلك على قصص الأطفال(1).
وَتَرَى البَاحِثَة أنَّ البُسُط تعكس نَفسَّيات الشُّعُوب أكثر من خطباء الزعماء، والسياسيين. وَتَرَى أنه يمكن اكتشاف الشعوب ومعرفتها من خلال الأغاني، وَالمَصنوعات النَّسِيجيَّة، وَقِصصِ الأطفال(2).
وَالشَّرقيون يَتَعاملونَ مَعَ الزَّمَن بِشَكلٍ مُختلفٍ عن البريطانيين؛ كَمَا تَرَى، وأنَّ العالم الذي نعيش فيه صَغير، وَأحيَانًا صَغيرٌ جِدًّا. فَالقِصص التي تُردِّدُهَا الجَدَّات في «ماتال» أو «كميولولا» هي ذاتها التي تُرَدَّدُ في أصغر قُرَى إنجلترا؛ مع فارق وحيد؛ إذ تتغير أسماء الأشخاص، والأماكن فقط، وهي ذاتها التي تتكرر في «حيدر أباد»، وَرُبَّمَا تَتكرر عندكم أيضًا في «النَّاصرة»، و«بيت لحم»(3).
صَحيح أنَّ هناك فُرُوقًا بَينَ مَكَانٍ وَآخَر؛ وبسببِ هَذهِ الفُروق بِالذَّات؛ تَكتَسِبُ الأماكن نَكهتهَا وَتَميُّزَهَا؛ وهذا ما يجب أن نحُاَفِظَ عليه، وأن نجعله ينتقل من جِيلٍ إلى آخَر.
أمَّا إذا تشابهت بُلدان العالم تَمامًا؛ أي إذا انعَدَمَت الفُروق؛ فَعندئذٍ تكون البشرية قد وصلت إلى نهاية مرحلة كبيرة، ولا بد أن تنتهي تَمامًا؛ كَمَا حَصَلَ في حَضَارات قديمة، عندما كانت الحضارة الأقوى تُدمِّر مَا عَداهَا من الحضارات(4).
الأشهُر التي قضاها فنر كَانت مَليئةً بالاستفادة من مسز ماركو، وَحُضُور عِدَّة اجتماعات لباحثين، وعلماء، ومفكرين، يناقشون مُختَلَف القضايا، ويساعده هاملتون في الترجمة، وإيضاح المصطلحات؛ وَكَانَ ضَروريًا له.
وَأدركَ أنهم يعرفون عن «موران» أكثرَ مِمَّا يَعرف بكثير. وَكَانَ أسبُوعُهُ مَليئًا بالتعلم. وكانوا يسألونه عن عمير، وابن مياح، وعويد ابن مشعان- قَادةِ الإخوان.
دَعَا فنر ماركو لزيارة موران؛ فضحكت، وقالت له: «شرقكم يحيرني. إنَّهُ مَزيجٌ غَريب. إنَّهُ -وَرُبَّمَا هذه الكلمة متداولة أو مبتذلة- لقاء الطُرُق، والحضارات، والدِّيَانَات؛ ولذلك أصبح مُزعِجًا لنفسه ولغيره.
إنَّهُ مثل المرأة الحامل؛ وقد تجاوزت شهرها، فلا يُعرَف: هل تلد نَبيًّا، أو مَسخًا؟ هل تتابع سَيرهَا ضمن منطق التاريخ والجغرافيا، أم تُحَاول أن تَكوَن شَيئًا آخر»(5).
تضيف: «لَشدَّ ما يُحَيِّرُني هذا الشَّرق. إنَّهُ كتلة من الغموض وَالتناقض؛ لَيسَ لنفسه فقط، وَإنَّمَا بالنسبة للآخرين أيضًا؛ إذ بمقدار ما هو مؤهل، وبمقدار ما تُسَاعِدهُ الظروف؛ فإنه يبدو بَطيئًا ثَقيلاً حتى لَتظُنَّهُ أصبحَ جُثَّةً لا تَحتاجُ إلا إلى دَفن.
لَكنَّهُ أيضًا، وفي كثير من الحالات، يفاجئك. وَمَثلمَا كنت أقول لهاملتون: هذا الشَّرق بمقدار ما يحتويه من حضارات، وأساطير، وما تتوافر فيه من رغبات وجنون، فَإنَّهُ مُؤهلٌ للأمرين مَعًا: إمَّا أن يُنقِذَ العَالم، أو أن يَكونَ نِهَايةَ العَالَم»(6).
عَادَ فنر من لندن حَامِلاً المُعَاهَدة الجديدة؛ وهي لا تختلف عن القديمة التي قَدَّمَهَا «دنيس» إلا في تفاصيل قَليلة؛ إذ لا تزال تَعتبَرُ السُّلطَان مُجَرَّدَ حَاكمٍ صَغير؛ مثلَ عَشَراتٍ من الشِّيُوخ والأمراء الذينَ حوله، وتفرض عليه من الشروط والقيود؛ مَا يَضطرُّهُ للعودة إليهم في الكبيرة والصغيرة؛ مُقَابل المعونة التي يدفعونها، والحماية التي يوفرونها.
اضطرَ في المَاضِي للتوقيع على مُعَاهَدة مُمَاثِلة، وَلكنَّ الأمر الآن مُختَلف؛ فهو سَيطرَ عَلى «الحويزة» وَ«العوالي»؛ وهو المتكلم الوحيد باسم هذه المنطقة الواسعة؛ فلماذا يَبقَى صَغيرًا؟ وَلأيِّ سَبب يتعاملون مَعَهُ بهذه الطريقة؟(7).
بدأ التغيير في «موران»؛ فرجاله يفسدون علاقاته مع الجوار، وَيَتنازعُونَ مَعَ بعضهم في رَسَائِلَ وَاضحة، وابن ماضي عَادَ لِخلقِ المتَاعِب، وانشرت المَجَاعة، وَغَرِقَ فنر الذي يُعِدُّهُ لِيَكونَ السَّاعِدَ الأيمن في حزن وفاة زوجته زينة.
عثمان العليان قَضَى سنوات عديدة في «جاوة».. زَارَ كُلَّ الأقطار، وَتَاجَرَ في كُلِّ شَيء، وَاستقرَّ به المُقَام في «مصر».
كَوَّنَ ثَروةً كبيرةً، وَتَزوَّجَ أكثر من مَرَّة. عَادَ إلى «موران»، وَنَشَأت بينه وبين السُّلطَان علاقات عجيبة؛ وكأنهما أصدقاء مُنذُ زَمَنٍ طَويل.
استطاع تَدبيرَ المال للسلطان الذي كان في ضَائِقَةٍ شَديدَة. الذين يَعرفُونَ عليان يقولون: «إنه لا يبول على يَدِ مجروح».
السُّلطَان دَائِمَ القلق من مواقف بريطانيا المفتوحة عَلى كُلِّ أطراف الصراع: اللقاءات مع الأمراء الصِّغَار؛ ومع ابن ماضي، واللقاءات مع الأطراف الدولية؛ مع الأمريكان، والفرنسيين، وغيرهم، ولكن مصدر القلق الحقيقي لَدَى السُّلطَان علاقة بريطانيا بابن ماضي، ونشاط ابن ماضي، والتواصل في «موران»، وخوفه من أن يُغَيِّرَ البريطانيون موقفهم.
وَصَلَ «بتلر» إلى «الطَّريفَة»، والتقيا في «عين نبات». كَانَ السُّلطَان يَعرِفُه جَيِّدًا، وقد التقى به أكثرَ من مَرَّة.
يُورِد مُنيف رَسمَ خريطة الحدود مع قَطَر. وقد روى يوسف شاهين فِيمَا بعد؛ في مرحلة معينة، قال بتلر: «لا». فَرَدَّ عليه السلطان: «قَتَلني. ولا يمكن أن أقبل».
قال بتلر: «هذا كُلُّ شَيء، ولا أستطيع أن أتقدم مَعَكَ خُطوةً وَاحِدةً».
قال السلطان: «أخذتَ نِصفَ مَملَكَتي، وجعلتني الآن عَارٍ أمَامَ رَعِيَّتِي، ولا أدري كيف أقابلَ الناس، أو كيف أنظر في وجوههم؟!».
وَكَادَ بتلر يَردُّ على السلطان، لكنهُ فَجأةً تَوقَّف. فَدمُوعُ السُّلطَان كانت تتساقط على وجنتيه بغزارة، وَكَانت تَنصَبُّ على لِحيتهِ، ولا يعرف كيف يُوقِف دموعه، أو كيف يَتصرَّفَ؟
وبتلر الذي كان صَلبًا مِثلَ صَخرة، وكان يريد أن يَصِلَ إلى النتائج التي حَدَّدَهَا سَلفًا، وكانت الخارطة قد فُرِدَت على طَاولة كبيرة، وقد تبادل الاثنان، وَتَبادلَ الآخرون النَّظَر إلى هذا الجَسَد المَيِّت غَيرِ المفهوم وغير الواضح، لكن فَجأةً، وَحِينَ رَأى بتلر دموع السُّلطَان وَانفعَالَهُ، وَتَأكَّدَ في لَحظةٍ من اللحظات أنَّ السُّلطَان سَيُغَادِر الخيمةَ، وَسَوفَ يَركبُ حِصَانهُ، وَيَأمرُ حَاشيتَهُ أن تتبعه.
في تلك اللحظة؛ وهي لحظة ضعف مجنونة؛ كما وصفها بتلر في وَقتٍ لاحق= اضطر، أو وَجَدَ نَفسهُ مُضطرًا لكي يستجيب لبعض مطالب السلطان، أو أن يرضيه.
قال بتلر، مُخاطِبًا السلطان بِنَزقٍ أقرب إلى الضعف، وَأكَّدَ ثَلاثةٌ من المستشارين، وخمسة من الخدم أنهم رَأوا دُموعًا على خَدِّهِ مَسَحَها بسرعة وغضب: «اسمع، ويجب أن تسمع ذلك جَيدًا يَا صَاحِبَ الجلالة، إنني إذا أخذت مِنكَ في هذا المكان؛ فَإنَّمَا أعطيك هُنَا». وَأشَّرَ بالقلم الأحمر.
كَانت الإشارة كبيرة أقرب إلى الدائرة، أو إلى البالون، وكانت في الجهة المقابلة؛ مِمَّا كَانَ السُّلطَان يعتبره حُدودَهُ ونهاية سَلطَنَته.
تَطلَّعَ السُّلطَان إلى الدَّائِرة- إلى البالون الأحمر الكبير، مَسَّدَ لحيته، وَالتفتَ إلى أكثر من ناحية، وقال بطريقة مسرحية: «اسمع يا الصاحب».
ابتسمَ بحزن، وكانت بقايا الدموع في عينيه وعلى لحيته: «والله، وبالله، وتالله، لولا معزتكم، ولولا أنَّ الواحد يريد يخلص ماكنت أقبل، لكن ما يخالف».
وَابتسمَ أكثر، ثُمَّ أضافَ: «ويلزم تعرف يا الصاحب أنكم إذا غبنتونا هذه المرة، لكن لا بد أن تعوضون علينا؛ وهذا يحصل بين الإخوان وَالشُّرَكاء»(8).
القصة كاملة يوردها صاحب كتاب «تاريخ العربية السعودية»، وكان التعويض: ثُلُثَي أراضي الكويت، وسوف أورِدُ ذَلِكَ في القِراءةِ النَّقديَّة. (الكاتب).
بدأ اهتمام السلطان بالاعتراف الدولي. وفنر هو المُرَشَّح؛ لِيلعبَ الدَّور إلى جانب هاملتون، وسيسافر مع فنر عبد الله البخيت- صديق السلطان؛ وهو آتٍ من الأزهر، وثقافته الأدبية والثقافية واسعة، ومستنير في رؤيته، واطلاعه اللغوي والديني؛ وهو تميمي كما يقول.
حَمَلَتْ وَاحِدة مِنْ أحبِّ مَحظِيَّات السُّلطَان إليه؛ وهو غَائب أكثر من عام ونصف، وَاتُهِمَ سيَّاف السُّلطَان: «جدوع التكروني».
المَحظِيَّة «يمامة» أصرَّت على رواية: أنها، وهي نائمة رَأَت عفريت رَكِبهَا، وَظَلَّت متمسكة بروايتها. وقد قُتِلَت هي وجدوع، واختار السُّلطَان سَيَّافًا جَديدًا.
تَزايدَ اهتمام السُّلطَان بشيوخ «الحويزة»، و«رِجَال الآخرة»؛ كَمَا يُسَمِّيهم. وعندما بَلغَ السُّلطَان طلب ابن العريفان، وابن الفرحان إعفاءهما من العمل في القصر بسبب المشاكل الموجودة؛ جَرَى جلد كَثير من العاملين. وقد استمرَّ الجلد من الفجر، وحتى ما بعد منتصف النهار، وَأبعِدَ عَددٌ من الخِصيَان، وَجَرى تهديد النِّسَاء، وتراجع ابن العريفان، وابن الفرحان عن الاستقالة.
هاملتون في رَدِّهِ على تساؤلات السُّلطَان: «السِّيَاسة ليست الرغبات، وليست الأفكار التي يتعلمها الطلاب في الجامعة. السِّيَاسة شَيءٌ آخر تَمامًا. إنَّهَا صِراع القُوَى، وَالمَصَالح، والإرادات، والممكنات. وهذا الصراع من التعقيد والتشابك إلى درجة يبدو بعض الأحيان مُستحِيلاً، أو دُونَ حَلٍّ؛ خَاصةً بالنسبة لأفراد، وقُوَى، وحتى شعوب معزولين وبعيدين(9).
لا بُدَّ من التأكيد أنَّ بريطانيا كانت مُحرَجَة وَحَائِرةً تِجاهَ أصدقائها وأعدائها مَعًا، لا تعرف كيف تتصرف؟ من تُرضِي، وَمَنْ تُغضِب؟
أمَّا الآن، وبعد أن تَحدَّدَت الأمور جَميعًا، فيمكن أن نتحدَّث، وأن تتفق، وأن نصل إلى النتائج المطلوبة»(10).
ومن هذا اللقاء، وبكثير من المهارة، والتواطؤ، وَسُوءِ النِّيَّة من الطرفين= فَهِمَ السُّلطَان أن عليه أن يطوي أعلامَ الفَتح، والغزو، وَالضَّمّ؛ لأنَّ الأمور تَمَّ الاتفاق عليها بين اللاعبين الأساسيين، وَلَيسَ أمام اللاعبين الصِّغَار إلا أن يَلعبوا في الوقت الضائع، أو دون أن يَشعرَ اللاعبون الكبار فقط؛ من أجل تسجيل بعض النقاط، أو تحسين المواقع.
وَقَد فَهِمَ السُّلطَان أيضًا أنَّ لدى بريطانيا مِنْ أبنائها مَنْ يَلعبونَ في الملاعب الأخرى، وهؤلاء يتنافسون ويختلفون، ويمكن أن يورطوا بريطانيا أو أصدقائها(11).
وَعَادَ هاملتون إلى القول: «المُهِم الآن أن نَعملَ كُلُّنَا من أجل أن نبني دَولةً قَويًّة تستطيع أن تَفرِضَ شُروطَها»(12).
أغدَقَ السلطان الهدايا على العجرمي- أحد الدُّعَاة الكبار، وكانت الهدايا بواسطة ابن بخيت.
كَانَ العجرمي يَرتاب بدوافع السُّلطَان، ويتذكر ما حصل لسلفه محمد القلعاوي الذي قُتِلَ عقب انهمار هدايا السلطان، إلا أنَّ زياراتِ عبد الله البخيت بَدَّدَت الشُّكُوك.
استدعى السُّلطَان ابن بخيت على عَجَل. جَاءَ بعينين حمراوين، ومتعثر الخُطَى. قال له السُّلطَان: «لَديكَ قصور في النوم».
رَدَّ بنزق: «تسهروننا إلى الفجر، وتروحون تنامون، وَنَبقَى كالذئب: عين مفتحة، وعين مغمضة».
أبلغَ ابن بخيت: كيف بَعَثَ العليان، ومهيوب، وعدد من رجاله؛ لِيَخطبَ ابنة العجرمي. وَعَرفَ لاحِقًا أنَّ للعجرمي ابنتين: ابنةً صغيرة، وَابنةً تجاوزت الأربعين. وكانت فرصة ابن بخيت أن يتسمخر؛ فأنشد:
«لا تَنكِحَنَّ عَجُوزًا إن دَعَوكَ لها
فَإنَّ أطيبَ نِصفَيهَا الذي ذَهَبَا
وإذا أردتَ يا طويلَ العمر، فَإنَّ المرأة الكبيرة مُجَرِّبَة أفضل من الصغيرة؛ لأنَّ الصغيرة لا تترك الرجل ينام. والله سيعاقب كُلَّ موران إذا ماتت بنت العجرمي، ولم تتزوج».
هَدَّدَ السُّلطَان ابن بخيت بالزامه بالزواج من الكبيرة وَضَحِكَا مَعًا.
صَاهَرَ السُّلطَان العجرمي، وأغدقَ عليه، وَكَسِبَهُ إلى صَفِّهِ في الصِّراع ضِدَّ قَادة الإخوان.
ابن العليان وعبد الله البخيت حضرا بداية احتفال الزواج، وانسحبا في وقت مبكر، ودون أن يُحِسَّ بهما أحد. وَقَد تَعوَّدَا أن يفعلا ذلك؛ حين يشعران أنهما بحاجة إلى «بنزين» خاص تعودا عليه في الأماكن الأخرى حيث عَاشَا.
وَعَلَّقَا على زواج الملك: قال أحدهم: «تزوج سخلة؟».
رَدَّ الثاني: «تزوج بتيس»(13).
شَعَرَ السُّلطان بالرضا بعد الاستيلاء على «العَوالي». وَفَجأةً وَصَلَ القنصل البريطاني راين سميث؛ وهو عكس انجلتون دنيس، ولكنه بدا غَاضِبًا: «بريطانيا العظمى تبلغكم بمزيد الأسف أنها مضطرة لإعادة النظر بعلاقاتها مع حكومتكم؛ وقد تكون مضطرة لاتخاذ تدابير عاجلة في مناطق الحدود؛ بعد الاعتداءات الخطيرة والمتكررة التي قامت بها قوات جلالتكم».
فُوجِئَ السلطان بالزيارة، وأكثر منها بلهجة القنصل، ولم يكن يدري بوقوع الاعتداءات.
رَدَّ بتبسيط: «أول مرة تفهمنا شنهو اللي صَار، وبعدها تقول لنا: يصير، وما يصير».
«إنَّ حكومة صاحب الجلالة تعتبركم مَسئولين مُبَاشَرةً عن الاعتداءات».
احتملَ السُّلطَان غَضَبَ القنصل، وَقَدَّرَ أنَّ حوادثَ مُعيَّنَة وَقَعَت، ولم يَعلَم بها.
رَدَّ: «كُلّ مشكلة، ولها حَلّ».
ازداد القنصل غَضَبًا؛ إذ لا يعقل أنَّ أخبار «الحويزة» لم تصله. وَعَادة البدو يَعرفونَ كُلَّ شيء، ويتظاهرون بعدم المعرفة. اعتبرَ أنَّ السلطان يلعب معه هذه اللعبة.
وَصَلَ هاملتون وفنر، وحضرا اللقاء، وَدَارَ الحديث باللغة الإنجليزية؛ الأمر الذي أزالَ اللبسَ، وَغَيَّرَ الجَوَّ.
اعتذر القنصل؛ لأنَّ السُّلطَان لم يعرف ما حصل في الحدود مِنْ قِبَل ابن مياح. قال القنصل: «جِئتُ إلى هنا يا صاحب الجلالة؛ لكي أقدِّمَ احتجاجًا باسم حكومتي على هذه الاعتداءات؛ ولأبلغكم أيضًا أنَّ حكومة صاحب الجلالة تحتفظ لنفسها باتخاذ الإجراءات التي تَراَها مُنَاسِبة؛ بِمَا في ذلك الرَّد العسكري».
غَيَّرَ السُّلطَان نظريته، وَتَطلع بِشيءٍ من الغضب، والتوسل مَعًا، وَبَدا غَيرَ قَادرٍ على الرَّد.
تابع رايان سميث: «وقد طلبت مني حكومتي أن أبلغها بالإجراءات التي سوف تتخذها».
طَلبَ هاملتون الكلام. وَقَالَ السلطان: «أنت يا الصاحب مَعَنَا من يوم تركنا موران، وتعرف كُلَّ شيء. بس هذا الكلب ابن الكلب ابن مياح يريد يخربها بيننا وبينكم، ولازم هو الذي شَعَلهَا».
شهد هاملتون بعدم معرفة السُّلطَان بالأمر. والعلاقة المتينة تسمح بالمعالجة بدون توتر، والأولوية للمعالجة؛ باتخاذ الإجراءات الحازمة؛ لمعاقبة المسؤولين أولاً، وعدم تَكَرُّر ذَلِكَ مُستقبَلاً.
وَرَدَّ السُّلطَان: «وحِنَّا -إن شاء الله متحركين يوم والثاني. ولا بُدَّ أن أصلَ الحويزة بنفسي، وأنت ضمن الجماعة هناك. وسَلِّمْ لنا عليهم، وقل لهم: طويل العمر تأثر واجد. وهذا الذي صَار ما يهون عليه، ولا يسمح به. أمَّا المستقبل، فمثل ما قال الصاحب»(14).
قال هاملتون لفنر: «السياسة يَا صاحب ليست الهروب من المشاكل، أو الغضب؛ وَإنَّمَا مواجهتها مَهمَا كانت قَاسية وصعبة، واتخاذ القرارات مهما كانت مؤلمة»(15).51.
في غياب السٌّلطَان اتُهِمَ ثلاثة من أتباع ابن ماضي التحقوا بِالسُّلطَان- اتهموا بمحاولة اغتيال راكان.
جَمَعَ السُّلطَان ثَمانيةً من الخِصيان، وَخَمسةً من الخدم، وتِسعةً من العبيد. وفي يَومٍ وَاحد أمَر بقتلهم، وَأمرَ بحضور كُلِّ النِّسَاء لمشاهدة الإعدامات.
بعد شهور طويلة كَتبَ رأفت شيخ الصاغة في «مذكراته»: «يوم الثلاثاء؛ السابع من شهر ربيع ثاني من السنة الماضية= يوم مشهود في موران: يوم الدم، والخوف؛ لأنَّهُ كَانَ يوم الموت في «قصر الرَّوض». فقد ذكر لي من أثق بهم أنَّ السلطان أمَرَ بإعدام اثنين وعشرين رَجُلاً مِنْ خَدمِهِ وعبيده؛ بسبب مَا نُقِلَ إليه عن الأخطاء التي ارتكبوها أثناء غيابه في العوالي».
طبيعي لا يمكن التحقق من صِحَّة الاتهامات التي وُجِّهَت لهم؛ لأنه لم تَجِرِ أيَّةُ محاكمات أو حتى تحقيقات. فَخِلال فترةٍ قَصيرة جَمَعَ هؤلاء الرجال، وَأطلقَ عليهم النار.
«وَقيلَ: إنَّ نساء السُّلطَان حَضَرنَ تنفيذ هذا الحكم؛ بِناءً على طلب السُّلطَان نفسه، أمَّا بعد ذلك فقد قيل لي: إنَّ السُّلطَان أرغمَ نِساءَهُ على أن يَلتهمنَ مقادير كَبيرةً من المِلح والفلفل؛ وَقَد دَعَاهُنَّ للغداء، وعلى مائدته؛ وحين رفضت إحدى النساء طَلبَ مِنْ حَرَسهِ الخاص ضَرْبَهَا».
وَقَد تسببت هذه القضية في حالات مرضية؛ اطلعت شَخصِيًّا على قِسمٍ منها؛ عِلمًا بأنَّ الطبيبة الإنجليزية المُكلَّفَة بالإشراف الصحي على نِسَاء القصر ذكرت لي: أنَّ الأمراض التي عالجتها، وإن كان معظمها متعلقة بالمعدة؛ إلا أنَّهَا تَشُكّ أن تَكونَ كميات الملح أو الفلفل التي قيل: إنَّ السلطان أرغمَ نِسَاءَهُ على تناولها= كانت السَّبَب؛ لأنَّ ذلك ترافق مع أعراض أخرى. وهذه الحالة إذا كانت تَتَّسِمُ بالقسوة والغرابة؛ فَإنَّهَا تَدَلُّ على إحدى طُرُق السُّلطَان في التَّصَرُّف(16).
-----------------------------------------------------------
(1) مدن الملح، تقاسيم الليل والنهار، عبد الرحمن منيف، ص 203.
(2) المصدر السابق: 204.
(3) المصدر السابق: 205.
(4)المصدر السابق: 206.
(5)المصدر السابق: 212.
(6)المصدر السابق: الصفحة نفسها.
(7)المصدر السابق: 216.
(8)المصدر السابق: 233-238.
(9) المصدر السابق: 274.
(10) المصدر السابق: 275.
(11) المصدر السابق: الصفحة نفسها.
(12) المصدر السابق: 278.
(13)المصدر السابق: 294.
(14) المصدر السابق: 307-311.
(15) المصدر السابق: 311.
(16) المصدر السابق: 327-328.
