السينما اليمنية في مهرجان كانّ: فيلم سارة إسحاق يقتنص الإشادات العالمية

حقق الفيلم الروائي اليمني المحطة - The Station للمخرجة سارة إسحاق حضوراً استثنائياً في المحافل الفنية الدولية، بعدما اختير للعرض العالمي الأول ضمن مسابقة «أسبوع النقاد» في دورته التاسعة والسبعين لمهرجان كان السينمائي الدولي لعام 2026، في خطوة فنية بارزة توجت بإشادات واسعة من النقاد والمتابعين، والذين رأوا في العمل قفزة نوعية للسينما اليمنية وقدرتها على صياغة سردية بصرية إنسانية تقترب من واقع المجتمع وتفاصيل حياته اليومية وسط التحديات.
تتمحور أحداث الفيلم حول قصة إنسانية عميقة تدور في بلدة يمنية مزقتها الحرب، مسلطاً الضوء على صمود النساء من خلال شخصية «ليال» التي تدير محطة وقود مخصصة للنساء فقط، والتي تحولت بمرور الوقت إلى فقاعة اجتماعية آمنة ومساحة تلتقي فيها نساء من طبقات وخلفيات مختلفة؛ فمنهن من يبحثن عن الوقود لإقامة حفلات زفاف كبيرة، ومنهن من يحتجن إليه لمجرد تشغيل مصباح يسمح لهن بالقراءة، متحديات بذلك القيود الاجتماعية والتقاليد الأسرية الصارمة.

وتتصاعد حدة التوترات الدرامية في الفيلم عندما يسعى شقيق «ليال» الصغير إلى إثبات ذاته والتحرر من القيود، مما يقوده إلى منزلقات خطيرة من بينها تجنيد الأطفال، وتتشابك موازين العلاقات العائلية أكثر مع الظهور المفاجئ لأختهما المنفصلة، لتدخل الشخصيات في اختبار حقيقي يكشف حدود الروابط الإنسانية، متناولاً معاناتهم اليومية بأسلوب رمزي يستبدل التفسيرات السياسية المباشرة للصراع بملصقات وأشرطة ملونة باللونين الأزرق والبرتقالي لتمييز الفصائل المتحاربة، مرسخاً التركيز على اللحظات الإنسانية الخفيفة، والضحكات، واللقاءات الاجتماعية التي يتشبث بها الناس كآلية حتمية للبقاء ومقاومة الموت.
جاء هذا النجاح ثمرة تعاون فني متميز في السيناريو الذي شاركت في كتابته المخرجة سارة إسحاق إلى جانب الاردنية ناديا الإليوات، وفي الإنتاج المشترك بين شركتي «Screen Project» و«Georges Films» وبمساهمة جهات إنتاجية أوروبية وآسيوية عدة، فيما تولى أمين برادة الإدارة البصرية عبر التصوير، وصاغ الموسيقا التصويرية تيسا روز جاكسون وداريوس تيمر.
وكان فيلم «المحطة» قد حصد سلسلة من النجاحات والاعترافات الدولية المرموقة التي سبقت وتزامنت مع عرضه في مهرجان كان، إذ استهل مسيرته بالفوز بجائزة "بينالي فينيسيا" ضمن برنامج "النسخة الأخيرة" في مهرجان البندقية السينمائي الدولي لعام 2025، ونال الفيلم بموجبها جائزة مالية قدرها 5,000 يورو، إلى جانب حزم من الدعم التقني والتوزيع والترجمة قدمتها مؤسسات سينمائية أوروبية رائدة مثل مؤسسة "تيترا فيلم" في باريس، ومؤسسة "راي سينما" في إيطاليا، ومؤسسة "ساب تايتل" في لندن وتورينو، مما ساهم في تمويل مراحل ما بعد الإنتاج والتوزيع العالمي.
وامتدت رحلة الفيلم عبر منصات الدعم والتمويل العالمية الإضافية التي حظي بدعوات رسمية منها، وشملت مشاركته في محترف "سينيفوندسيون" التابع لمهرجان كان السينمائي، وحصوله على منحة صندوق "هوبير بالس" من مهرجان روتردام السينمائي الدولي، بالإضافة إلى نيله جائزة دعوة "سورفوند" في النرويج، وجائزة "بالم هيلز" الممنوحة ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، فضلاً عن الدعم المالي الموجه له من صندوق أفلام "جوائز الشاشة لآسيا والمحيط الهادئ".
وقد جسد حكاية الفيلم طاقم تمثيلي لافت حظي بتقدير كبير، وضم أسماء يمنية بارزة من بينها: منال المليكي في دور «ليال» اضافة الى عبير محمد، رشاد خالد، صالح المرشحي، رندا محمد، فاطمة مثنى وشروق محمد.
تقف وراء هذا العمل المخرجة والكاتبة سارة إسحاق، المقيمة في أمستردام والتي تلقت تعليمها الأكاديمي في دراسة الدين والسياسة في الشرق الأوسط والقانون الدولي في جامعة إدنبرة، لتصنع لنفسها مسيرة سينمائية ملتزمة بقضايا الشارع وتفاصيل الحياة التي لا تنقلها شاشات الأخبار، مما أهّلها لتشغل منصب الرئيس التنفيذي لمؤسستي «Comra Films» و«Comra Academy» واختيارها كعضو لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة في مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية (IDFA) لعام 2021.
تزخر السيرة الفنية للمخرجة سارة إسحاق بإنتاجات وثائقية ومبادرات تركت أثراً جلياً في المشهد السينمائي الدولي، ويتصدرها فيلم "ليس للكرامة جدران" (Karama Has No Walls) المنتج عام 2012 كعمل وثائقي قصير وثّق محطات مفصلية من الاحتجاجات الشعبية في اليمن، مسجلاً حضوراً استثنائياً بترشحه لجوائز الأوسكار العالمية والأكاديمية البريطانية للأفلام "بافتا".
وتلت ذلك بفيلم "بيت التوت" (The Mulberry House) عام 2013 الذي قدمت فيه قراءة سينمائية طويلة للتحولات الاجتماعية والسياسية اليمنية برؤية ذاتية من داخل منزل عائلتها، ونال فرصة العرض في مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية، متبعة هذه الأعمال برؤية تمكينية تمثلت في تأسيس منصة وأكاديمية "قمرة" (Comra Films & Comra Academy)، وهو مشروع رائد يهدف إلى تدريب جيل جديد من السينمائيين اليمنيين ومساندتهم، مع توفير فضاءات حرة ومستقلة للإنتاج والتعبير البصري لتجاوز تعقيدات الواقع الصعب وتحديات الصراع المستمر.
