حاتم أبو حاتم.. وهج المبدأ وبوصلة الوطن..!
في سماء اليمن العاصفة بالمحن، تبرز قامات استثنائية لا تنحني للأنواء ولا تبيع مواقفها في أسواق المزاد السياسي.
ويتربع اللواء الطيار المهندس والمناضل القومي الناصري، حاتم علي هادي أبو حاتم، كواحد من أنقى تلك الرموز الوطنية التي جسدت قيم الصلابة والنزاهة والوفاء حتى الرمق الأخير.

لم يكن الراحل الكبير مجرد قائد عسكري يقود الطائرات في الفضاء، أو سياسي محترف يعتلي منصات الخطابة الحزبية المعتادة.
لقد كان ظاهرة وطنية فريدة، ومدرسة أخلاقية تمشي على قدمين، جمعت في تناغم مدهش بين أصالة الجذور القبلية، ونقاء الوعي المدني الحقوقي المستنير.
عندما شرعت في تأبين هذه القامة الوطنية الباسقة بما يجب أن يؤبن به عند كاتب لم يكن مجرد كاتب يكتب عمن يستحقون الكتابة عنهم، وإنما كاتب جمعته بالفقيد محطات كثيرة على مدى أكثر من ربع قرن فلقد عرفته عن قرب في عشرات الفعاليات المختلفة الوطنية منذ عام أكثر من 25 سنة.. فعاليات جماهيرية وطنية من اعتصامات، ومظاهرات، ومسيرات حقوقية، ووطنية، وفعاليات ثقافية وورش ونقاشات وطنية لا يتسع المقال لسردها، وعرفته في جلسات خاصة بمقاهي كانت تجمعنا حتى ألممت بأطراف من سيرته النضالية الفريدة.
لهذا صدقوني إن قلت أني أحترت كيف ومن أين ابدأ الكتابة عنه.
إن حياته نموذجا للاقتداء، والمثالية التي ما أحوج هذا الجيل إلى اقتفاء اثرها، والتحلي بمآثرها لاسيما وأنه ينحدر من بيئة كانت من أكثر البيئات القبلية الداعمة لنظام الإمامة، ومع ذلك تمرد عليها، وكسر توابيتها الجامدة، وتحرر منها، بل واستطاع فيما بعد التأثير عليها.
هل أكتب عن حاتم أبو حاتم.. أجنحة الطيار وجذور الأرض.
أو أكتب عن حاتم أبو حاتم: كبرياء المبدأ في زمن الارتداد.
أو عن حاتم أبو حاتم.. جنرال الشارع وضمير القبيلة المدنية.
أو حاتم أبو حاتم: النهر الذي لم يغير مجراه.
أو حاتم أبو حاتم.. صرخة ناصرة في ليل الجحود.
ولأنه يجب أن أكتب حاولت تجنب الحيرة، والإرتياب، وأعطيت للوعي حرية التحليق في درب تبانة الاستثنائيين الوطنيين في هذا البلد الذين يعد أبو حاتم واحداً من ألمع نجومه البازغين، وليعذرني الرفاق ممن يعرفون الفقيد إذا ما جاءت سطوري أدناه دون المنشود مما يجب أن يكتب.
وُلد هذا الثائر الفذ في عام 1946م في قلب منطقة نهم الأبية، تلك البلاد المحاطة بالجبال الشاهقة والتي طالما ألهمت أبناءها معاني الحرية والأنفة.
تنفس حاتم أبو حاتم في طفولته الباكرة قيم الشهامة والشهود التاريخي، ورغم قسوة البيئة القبلية وبساطتها، فقد ارتبطت مسارات حياته باكراً بمدينة صنعاء، حيث بدأ يرقب عن كثب ملامح التحول الاجتماعي والسياسي في البلاد.
ومع اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962م المباركة التي هزت أركان النظام الإمامي المستبد، لم يقف الشاب اليافع موقف المتفرج على الإطلاق.
اندفع حاتم أبو حاتم، وهو في ريعان شبابه وأول تفتحه على الحياة، لينخرط بوعي وعنفوان في صفوف المدافعين عن المكتسبات الجمهورية الوليدة.
التحق بصفوف "جيش الشباب" وقوات "الحرس الوطني"، حاملاً روحه على كفه في خنادق الدفاع عن صنعاء ومحيطها ضد قوى الارتداد الساعية لإعادة عهود الجهل والظلام.
كانت تلك اللحظات التاريخية الحرجة هي المصهر الحقيقي الذي تشكلت فيه شخصيته النضالية، وتوطدت فيها عقيدته الوطنية التي لا تقبل المساومة أو التراجع.
لم يكتف الشاب الجمهوري المندفع بركوب موجة العاطفة الثورية، بل أدرك باكراً أن بناء الدولة الحديثة يتطلب تأهيلاً علمياً وعسكرياً على أعلى المستويات لخدمة الوطن.
لذلك، أُبتعث في السبعينات من القرن الماضي إلى الاتحاد السوفيتي لخوض غمار الدراسة العسكرية المتخصصة، وهناك اختار مساراً تكنولوجياً معقداً وتخصص في مجال هندسة الطيران.
عاد المهندس الطيار إلى وطنه مكتملاً بالمعارف والخبرات الحية، ليدخل السلك العسكري من أوسع أبواب الكفاءة والانضباط الصارم، متدرجاً في الرتب حتى نال رتبة لواء طيار مهندس بجدارة.
وفي كل محطة عسكرية أو إدارية أُسندت إليه، كان اللواء حاتم أبو حاتم يخط سيرة باذخة من الأمانة ونزاهة اليد التي تثير إعجاب رفاقه ومحبيه.
أدار لمدة بسيطة مرفق المرور العام في فترات سابقة بصرامة القانون التي لا تستثني أحداً، ضارباً أروع الأمثلة في تطبيق النظام على الوجهاء والقادة قبل المواطنين العاديين.
وعقب تحقيق الوحدة اليمنية المباركة في 22 مايو 1990م، رُشح لإدارة وترؤس فريق بناء وإعادة تنظيم القوات المسلحة، وهي مهمة وطنية بالغة التعقيد تطلبت دمج وتوحيد مؤسستين عسكريتين مختلفتين العقيدة والتشكيل.
وحين تقاطع طريقه مع وزارة الأشغال العامة والطرق، تجلت عبقريته الهندسية والقيادية في الإشراف المباشر على مشاريع البنية التحتية الحيوية بكفاءة لا تشوبها شائبة.
وكان إشرافه الصارم والنظيف على شق وتشييد عقبة "الفَرضة" الاستراتيجية شاهداً مادياً حياً على كونه رجلاً يحمي المال العام، ويصون مقدرات الشعب من الهدر والنهب الممنهج.
لقد خرج من كل تلك الدوائر والمناصب والمؤسسات الكبرى بجيوب نظيفة تماماً، وسمعة ناصعة البياض، مفضلاً حياة الكفاف والبساطة على أموال السحت والفساد والتربح غير المشروع.
التقى التكوين النفسي النقي لحاتم أبو حاتم باكراً مع قيم وأفكار التيار القومي العروبي الناصري، التي نادت بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والوحدة العربية الشاملة.
انتمى بكامل وعيه إلى التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، وغدا بمرور الأيام والسنين أحد أبرز القادة التاريخيين والمؤثرين في مسار الحركة الناصرية باليمن.
عاصر الفقيد الكبير محطات مفصلية ومصيرية في تاريخ اليمن المعاصر، حيث كان من الوجوه القيادية العسكرية والسياسية اللصيقة بـ "حركة 13 يونيو التصحيحية".
تلك الحركة التنموية الواعدة التي قادها الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي لتأسيس دولة النظام والقانون، وإنهاء مراكز النفوذ التقليدية والتدخلات الخارجية في شؤون اليمن.
وبعد جريمة اغتيال الرئيس الحمدي الغادرة والمؤامرة التي وأدت حلم الدولة، لم يقف أبو حاتم مكتوف الأيدي أمام انحراف المسار الجمهوري.
اندفع بكل شجاعة وبسالة للمشاركة بوضوح وتأثير في قيادة "حركة 15 أكتوبر 1978م" الانقلابية التي قادها عيسى محمد سيف ، ورفاقه الناصريين للتصدي للنظام الجديد الذي صعد على أنقاض مشروع الحمدي.
فشلت الحركة عسكرياً، وأعقبتها موجة تصفيات وإعدامات وملاحقات شرسة طالت قيادات وكوادر التنظيم الناصري في كل المحافظات.
وفي تلك الحقبة العاصفة والقاتمة، تجلت صلابة أبو حاتم الاستثنائية، إذ رفض الانكسار أو تقديم التنازلات المهينة للسلطة الحاكمة.
تجرع مرارة الملاحقة الأمنية، وعاش مخاض العمل السري الشاق لسنوات طويلة، وفياً لدماء رفقائه الشهداء، ولم يغره عفو عام أو مناصب براقة لبيع قناعاته الفكرية والسياسية.
ولم تكن جغرافيا اليمن وحدها حدود نضاله القومي، بل كان عروبي الهوى، مسكوناً بوجع قضايا الأمة الكبرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية العادلة.
وفي عام 1996م، تداعى مع كوكبة من أحرار ومناضلي اليمن لتأسيس "اللجنة الوطنية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني"، وتولى قيادتها وتفعيل نشاطها لسنوات طويلة.
غدا صوته هادراً في المحافل العربية والإقليمية، فصار عضواً بارزاً وفاعلاً في "المؤتمر القومي العربي" و"المؤتمر القومي الإسلامي" في بيروت، مدافعاً عن حقوق الشعب الفلسطيني وخيارات المقاومة والتحرر من الهيمنة الاستعمارية.
مع مطلع الألفية الجديدة، وتغول الفساد وتراجع الهامش الديمقراطي، اتخذ اللواء الطيار حاتم أبو حاتم قراراً غاية في النبل والفرادة والجرأة.
قرر خلع رتبته العسكرية العالية ومكانته القبلية الوجيهة ليتخلى عن الأبراج العاجية وينزل مباشرة إلى أرصفة الشوارع كمناضل مدني حقوقي بامتياز.
ويعيدنا الأديب والكاتب فتحي أبو النصر بوفاء نادر إلى تلك المحطة، مسلطاً الضوء في مذكراته ومقالاته على فعاليات "الخميس" الشهيرة أمام مبنى رئاسة الوزراء بصنعاء.
في تلك الساحة التي كانت المتنفس الوحيد للمستضعفين، كان "العم حاتم" حاضراً بصفة دائمة، بابتسامته التي لا تفارق وجهه وبساطته الآسرة التي تجذب القلوب.
كان يفترش الأسفلت ليتضامن مع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي، ويساند أسر الضحايا ويوجه أصواتهم بقوة وثبات صوب الآذان الصماء للسلطة المتغطرسة.
كانت تلك الوقفات الأسبوعية الشجاعة هي اللبنات الأساسية الخصبة التي هيأت الوعي الجمعي وأسست لولادة ثورة الشباب السلمية في عام 2011م.
وحين اندلعت الثورة، انضم حاتم أبو حاتم بلا تردد لصفوف الشباب الثائر في "ساحة التغيير" بصنعاء، ليصبح بسرعة إحدى الأيقونات القيادية الملهمة التي لفتت الأنظار بنبلها.
لم يكن يبحث في الساحات عن مجد شخصي، ولا تطلع لمناصب في حكومات المحاصصة، بل كان يبتغي تحريك المياه الراكدة وإنقاذ اليمن، مدافعاً عن مبادئه وعن كرامة المواطن حتى اللحظة الأخيرة.
عُرف بين الجميع بصلابته المبدئية وعدم تهاونه أمام قوى الفساد والاستبداد، بينما ظل قلبه الكبير مفتوحاً على الدوام لأوجاع الناس وعامة الشعب وأنينهم اليومي.
وحين دارت رحى الحرب الطاحنة في البلاد بعد عام 2014م، وتوزعت النخب السياسية والفكرية على فنادق وعواصم الخارج، اتخذ أبو حاتم خياره الأكثر شجاعة.
رفض اللواء الطيار حاتم أبو حاتم مغادرة صنعاء، واختار البقاء في منزله يتقاسم مع البسطاء الحصار والضيق والخوف والقصف والدمار والإنهاك.
آثر البقاء في وطنه بدلاً من العيش الرغيد في عواصم اللجوء، ولم يبرح صنعاء إلا مضطراً لرحلة علاجية قصيرة وخاطفة إلى العاصمة المصرية القاهرة.
وبمجرد انتهاء الفحوصات الطبية، حزم حقائبه وعاد على الفور متشبثاً بتراب بلاده وصنعائه، ليعيش حياته البسيطة بعيداً عن صخب الأضواء الكاذبة وشاشات التلفزة الموجهة.
عاد ليعيش في حضن المدينة التي أحبها، وحرص على حضور المقايل الصنعانية، حيث يعشق التواصل الإنساني والاجتماعي المباشر والصادق مع الناس ومحاوراتهم.
أظهرت مواقفه في تلك الأيام العصيبة معدن هذا الرجل الاستثنائي الذي تعالت قامته الشامخة عن السقوط في مستنقع التيارات الطائفية أو المناطقية أو الحزبية الضيقة.
كان وسيظل جمهورياً بامتياز، وناصرياً كبيراً، منسجماً بشكل تام مع قيم الوحدة الوطنية الصادقة والمساواة الإنسانية، حتى وإن كلفه ذلك التضحية برهانه الشخصي واستقراره.
وفي سنواته الأخيرة، ورغم اشتداد المرض عليه، انضم لمجموعة "نداء السلام" وتيار تجريم الحروب، داعياً باستمرار لوقف الاقتتال العبثي والحفاظ على النسيج الاجتماعي والسيادة اليمنية.
واجه في أواخر أيامه وطأة المرض الشديد، وعانى في صمت من مرارة الجحود والإهمال من قبل سلطات الأمر الواقع والنخب التي استغرقتها صراعات المصالح والغنائم.
تضاءلت الأضواء من حوله في وقت كان يجب أن تشرق فيه شموس التضامن والوفاء لرجل أفنى ثمانين عاماً من عمره في الذود عن اليمن وحقوق أبنائه.
ولكن، وكما كتب رفيقه فتحي أبو النصر بعاطفة صادقة من قلب صنعاء: "الأوطان تبقى حية بحب أبنائها الأوفياء، وحاتم أبو حاتم هو واحد من هؤلاء الأوفياء الذين لن تُنسى أسماؤهم أبداً في تاريخ اليمن".
وأخيراً.... فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها في العاصمة صنعاء في مايو 2026م، لينطوي برحيله جسد شريف ومناضل نقائي صلب، فرض احترامه العميق على الخصوم السياسيين قبل الأصدقاء والمحبين.
إن التأمل العميق في تفاصيل سيرة ومسيرة اللواء المهندس حاتم أبو حاتم، يكشف عن نموذج وطني وإنساني بالغ الندرة والفرادة في النخب اليمنية المعاصرة.
فقد نجح هذا القائد الفذ في إبراز ثنائية مدهشة شكّلت جوهر هويته وسلوكه، وهي ثنائية "أصالة القبيلي الشهم ومدنية المناضل الحقوقي والسياسي الملتزم" كما يقول فتحي أبو النصر.
لم يتترس يوماً وراء عصبيته القبلية في نهم، ولم يستخدم رتبته العسكرية الرفيعة لترهيب أحد أو حيازة مكاسب شخصية على حساب الدولة.
بل إنه، بوعي مدني متقدم فاق به الكثير من النخب الأكاديمية والسياسية المدّعاة، سخّر وجاهته وثقله لخدمة قيم القانون والجمهورية والمؤسسية والدفاع عن حقوق الضعفاء والمظلومين.
لقد جسد طوال حياته المبدأ القائل بأن النضال ليس مجرد شعارات رنانة تُرفع في المواسم والمناسبات، بل هو موقف أخلاقي يومي، وحضور دائم في ميادين الرفض لكل أشكال الظلم.
ويمكن لكل باحث عن الحقائق وأسرار الحركات الوطنية في اليمن أن يجد تفاصيل أوسع حول رؤيته السياسية من خلال مشاهدة لقاء "سيرة وذكريات مع المناضل حاتم أبو حاتم"، حيث يستعرض مذكراته الشخصية والحقائق التي عاصرها في بناء الدولة.
رحل أبو حاتم عن دنيانا، وصَدَقَ وعد الكلمة الوفية، فها هو تاريخه الناصع يُبعث اليوم كشاهد حقيقي على مرحلة من أنقى مراحل النضال العسكري والمدني.
نم قرير العين يا أبا حاتم، فقد صنت العهد، وأديت الأمانة، وستظل سيرتك العطرة سراجاً يضيء للأجيال دروب الحرية والكرامة والوفاء للوطن.
