مستحيل
أصبح من المستحيل على اليمني أن يفتح عينيه صباحًا دون أن يشعر بأنه يدفع ضريبة وجوده فقط في هذه الجغرافيا، وقبل أن ينام ليلًا يتأكد فقط أن رأسه ما زال حيًّا، أو عاقلًا في أحسن الأحوال.
مستحيل، وأنت تتابع نشرات التعيينات السرية، أن تجد قرارات دولة، بل كشف عزومة عائلية في مناسبة كبيرة، وإن لم يكونوا من العائلة ستجدها أسماءً هبطت بالمظلات على كراسي المسؤولية، ووحدهم أصحاب الشهادات والخبرات يقفون خارج الصورة مثل ديكور قديم في مؤسسة حكومية مهجورة. لقد أصبحت الكفاءة في بلادنا مثل الإنترنت السريع، الجميع يسمع عنه لكن لا أحد يجده.
مستحيل أن يموت الفساد في نفوس مسؤولينا، بل يتوالد في كل النفوس والجيوب؛ فالفساد عندنا ليس مجرد ظاهرة، بل كائن أسطوري يتكيّف مع كل الفصول السياسية، يبدّل جلده مع كل حكومة: شرعية، حوثية، ساحلية، انتقالية، انتهازية، ويغيّر شعاراته أسرع من تغيير أسعار الصرف، ولكل جماعة «سائلة» مستعدة لاستقبال الأبطال الجدد.
مستحيل أن يشبع هوامير الفساد من موارد الدولة وهباتها، حتى وإن تقلصت تلك الموارد جراء فسادهم وعبثهم. اكتشفوا فجأة أن جيوب الفقراء ما تزال تحتوي على احتياطي استراتيجي قابل للنهب والسحب والإيداع في حسابات الخارج، وامتصاص ما تبقى فيها من رمق وفقر.
مستحيل ألّا تجد يمنيًا بلا معاملة معطلة، أو وظيفة مسلوبة، أو أرضية منهوبة، أو راتب ضائع، أو وظيفة ذهبت بالواسطة، أو منحة دراسية وصلت إلى ابن مسؤول لا يعرف الفرق بين الجامعة والجامع.
مستحيل أن تجد فاسدًا يشعر بالعار؛ فالنهابة والفاسدون لم يعودوا يخجلون من أنفسهم، بل يمشون بيننا بكامل أناقتهم، محاطين بالحراسات والبدلات وربطات العنق، ويتحدثون عن النزاهة والحوكمة والشفافية، بينما المواطن يبحث عن قيمة دبة غاز، أو كيس دقيق، أو دواء رديء.
في بلادنا، اللص لا يختبئ، بل يعقد مؤتمرًا صحفيًا ليشرح لك لماذا سرقك، وأهمية صبرك على إفساده حياتك، ويقنعك بأنها ضرورة وطنية.
لذا، كن شكورًا... والسلام.
