صنعاء 19C امطار خفيفة

نجيب إبراهيم.. رجل الظل الذي تستحق مسيرته السياسية التقدير الحكومي

نجيب إبراهيم.. رجل الظل الذي تستحق مسيرته السياسية التقدير الحكومي

إن والدنا القيادي والسياسي البارز المناضل الكبير نجيب محمد إبراهيم، ذلك الرجل الذي أعطى لوطنه عمره كله بصمت وإخلاص. لم يعرفوا قيمته الحقيقية إلا بعد أن غاب عن دنيانا. واليوم، وأنا أحمل اسمه وأكتب عنه بكل فخر واعتزاز، أقولها بملء الفم: إنه أحد عظماء عدن، وأحد رجال السياسة اليمنيين الأوفياء الذين يستحقون من دولتهم ومحافظتهم وقفة تكريم تليق بتاريخهم الحافل.


لقد كان والدنا -رحمه الله- رجل دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كان يدرك أن المسؤولية أمانة، وأن الوطن ليس منصة للمصالح الشخصية، بل هو مشروع حياة يبذل من أجله الغالي والنفيس. وكان إلى جانب ذلك نزيهًا، مشهودًا له بالنزاهة من قبل أعدائه قبل أصدقائه، لم تلوث يده ولا سمعته أية شبهة فساد أو منفعة خاصة. ظل طوال حياته مثالًا للرجل النظيف الذي يحمل هم الوطن في قلبه وضميره، لا في جيبه وحسابه البنكي.

النشأة والنضال المبكر: جيل الستينيات العصي

في قلب المعلا، وفي الحادي والعشرين من أبريل عام 1951م، ولد والدنا. وفي تراب عدن ترعرع حب الوطن وتجذر فيه، تلقى تعليمه في مدارسها حتى نال شهادة الثانوية العامة من ثانوية خور مكسر (الجلاء حاليًا) عام 1971م. لكن صفة "الطالب" لم تكن كافية لوصف هذا الشاب الثائر. ففي ستينيات القرن الماضي، كان أحد الفتية الذين حملوا هموم أوطانهم على أكتافهم. انخرط مبكرًا في العمل السياسي والوطني، وبرز نجمه في القطاع الطلابي ليصبح عضوًا قياديًا في التنظيم الطلابي لطلائع اليمن، ثم سكرتيرًا للنشاط الثقافي والإعلامي والتحريضي. كان صوته وقلمه سلاحًا في مواجهة الوجود البريطاني؛ فأثبت أن الكلمة قد تكون أعتى من الرصاصة. كان النضال في دمه قبل أن يكمل عقده الثاني.

موقع قيادي ومعتقل سياسي: ثمن الحرية

سرعان ما تدرج والدي في المواقع القيادية ليصل إلى منصب السكرتير العام للاتحاد العام لطلبة اليمن (فرع الجنوب). لم يكن طريقه مفروشًا بالورود، بل دفع ثمن مواقفه الشجاعة غاليًا، إذ اعتقل أربع مرات متفرقة قضى فيها فترات متفاوتة في سجون المستعمر، ليضيف اسمه إلى قائمة المناضلين العظماء في الحرية بالجنوب.

البعث ثم الوحدة: صانع قرار في لحظات مفصلية

التحق بحزب البعث العربي الاشتراكي عام 1966م، فكان نجمه ساطعًا في جبهتي العمل الطلابي والسياسي. لم يكن عضوًا عاديًا، بل قائدًا مفكرًا. انتخب عام 1972م عضوًا في المكتب السياسي للمنظمة. وعندما توحد حزب البعث في شطري اليمن تحت اسم "حزب الطليعة الشعبية" عام 1974م، كان في قلب الحدث، إذ انتخب عضوًا في المكتب السياسي وتقلد منصب السكرتير التنظيمي ثم السكرتير الثقافي والإعلامي، ليؤكد أنه موسوعة في التنظيم والفكر معًا. وتدرج في المناصب فقد كان عضوًا في اللجنة المركزية ومديرًا لمصنع الغزل والنسيج ثم مديرًا لوكالة أنباء عدن.
وعندما كان الوطن على موعد مع محطة توحيدية كبرى، كان حاضرًا. ففي المؤتمر التوحيدي للتنظيم السياسي الموحد (أكتوبر 1975)، الذي ضم الجبهة القومية وحزب الطليعة واتحاد الشعب الديمقراطي، كان أحد الأسماء اللامعة التي انتخبت في اللجنة المركزية (البالغ عدد أعضائها 61 عضوًا). كان يمثل مدرسة البعث إلى جانب عمالقة آخرين ليرسم ملامح المرحلة المقبلة. ثم جاء المؤتمر العام الأول للحزب الاشتراكي اليمني (أكتوبر 1978) ليؤكد مكانته كعضو في اللجنة المركزية للحزب الجديد.

أحداث 1986: جرح غائر وموقف شجاع

عندما انفجرت مأساة يناير 1986، لم يكن والدنا إلا ضحية من ضحاياها. فبعد الأحداث الدامية التي أضعفت الحزب الاشتراكي، وجد نفسه متخفيًا في عدن منذ 26 يناير وحتى يوليو من ذلك العام، يعيش كابوس المطاردة والاختفاء. أتذكر تلك الأيام جيدًا، وأنا طفل في السابعة من عمري، كنت أرى الخوف في عيون الجميع، لكن والدي كان شجاعًا حتى في أصعب اللحظات. تمكن بصعوبة من الهرب إلى صنعاء. كانت هذه المرحلة اختبارًا قاسيًا، لكنه خرج منها بموقف شجاع وانحاز إلى خيار لم شمل القيادة الشرعية في الخارج، حاملًا على عاتقه مسؤولية الدفاع عن خياراته السياسية بكل نزاهة.

القلم الدبلوماسي والصحفي: بناء إعلام وطني

كان والدنا صحفيًا من الطراز الرفيع. بدأ مسيرته الإعلامية مبكرًا متفرغًا للعمل الحزبي في صنعاء، ثم سكرتيرًا إعلاميًا للمجلس اليمني للسلم والتضامن عام 1976. سافر إلى مشارق الأرض ومغاربها، ومثل اليمن في مؤتمرات دولية، وكتب دراسات ومقالات ناضجة عن قضايا التضامن الأفروآسيوي.

نجيب إبراهيم بمعية العطاسلتعزيز مهاراته، تلقى سلسلة من الدورات التخصصية العليا التي تؤكد اهتمام الدولة بتأهيله ككفاءة وطنية. ففي أبريل 1977، شارك في دورة متقدمة في إدارة الدولة بمدينة الضالع، كانت محاضراتها تقدم لعلي ناصر محمد وغيره من القيادات. وفي أكتوبر من العام نفسه، أوفد في دورة عليا في موسكو بعنوان "أساليب قيادة الحزب للدولة" لمدة ثلاثة أشهر. وبين عامي 1979 و1981، تلقى دورات صحفية متخصصة في الاتحاد السوفيتي وألمانيا الديمقراطية، حيث اطلع على تجارب الإعلام في الدول الاشتراكية، وطبق منها ما يناسب واقع اليمن، ليصهر تلك الخبرات في مشروعه الوطني الأكبر.

قائد ومدير لوكالة أنباء عدن: فارس الكلمة المسؤولة

في نوفمبر 1985، وصل والدنا إلى قمة مشواره المهني، إذ تسلم مسؤولية رئيس مجلس الإدارة والمدير العام ورئيس تحرير وكالة أنباء عدن. كانت الوكالة وقتها هي صوت الدولة الناطق والمصدر الأول للأخبار والتعليقات السياسية، تصدر أربع نشرات يومية وأسبوعية بالعربية وبالإنجليزية.
هنا تجلت عبقريته، لم يكن مجرد مدير، بل كان قائدًا وموجهًا وصاحب القلم الذي يصوغ التعليق السياسي الرسمي للدولة. كانت كلماته تتصدر الصحف وتذاع في الإذاعة والتلفزيون، تحمل رؤية الدولة وثقلها السياسي حتى أوائل يناير 1986. وهو أيضًا صاحب فكرة توسيع رقعة الوكالة، حيث أشرف على افتتاح مكاتب لها في سيئون والمهرة، بل كان له السبق في افتتاح أول مكتب لوكالة أنباء عدن في العاصمة موسكو، معينًا الزميل أمين أحمد عيده مديرًا له، ليحمل صوت اليمن إلى عمق المعسكر الشرقي آنذاك. كم كنت فخورًا وأنا أسمع زملاءه يتحدثون عن تلك الأيام، وكيف كان يكتب التعليقات السياسية بخط يده في مكتبه المتواضع، وكيف كان حريصًا على دقة المعلومة قبل نشرها.

منصة إضافية: مدير مصنع الغزل والنسيج.. قائد في الميدان الاقتصادي

وقبل أن يتسلم والدنا مسؤولية وكالة الأنباء بعدن، أوكلت إليه الدولة مهام وطنية كبرى في القطاع الاقتصادي، إذ عُين مديرًا عامًا لمصنع الغزل والنسيج في عدن. في فترة السبعينيات، كان المصنع يعاني من تحديات كبيرة تتعلق بتأمين المواد الخام ورفع كفاءة العمالة. والدي، بخبرته التنظيمية والإدارية، استطاع تطوير خطط الإنتاج وتحفيز العمال، مما أسهم في استقرار المصنع كصرح صناعي وطني. أظهر هناك نفس الكفاءة والاقتدار، محولًا التحديات الإدارية إلى فرص، ومثبتًا أن الرجل العظيم ينجح في أي موقع يوضع فيه، سواء كان بصناعة القرار السياسي أو بإدارة عجلة الإنتاج. هذه الفترة تعكس جانبًا مغايرًا في شخصيته، وتظهره كمسؤول تنفيذي بامتياز، قادر على قيادة المؤسسات الإعلامية والصناعية على حد سواء.

عضو القيادة الشرعية ورجل الظل

بعد أحداث 1986 وحتى قيام الوحدة في مايو 1990، كان والدنا أحد أبرز أعضاء القيادة الشرعية في صنعاء، والممثل الإعلامي والناطق الرسمي باسمها. تحمل مسؤولية جسيمة في ظروف بالغة التعقيد، وكان مثالًا للرجل المسؤول الذي لا يفرط في مبادئه.

نجيب مع علي ناصر محمد
في أكتوبر 1992، عين مستشارًا لوزير الإعلام بدرجة وزير تقديرًا لكفاءته وخبرته. لكنه آثر الابتعاد عن الأضواء، مفضلًا العمل بصمت في الظل. أتذكره في تلك الفترة كان يرفض الحديث عن مناصبه أو إنجازاته، وكان دائمًا يقول لي: "يا أنيس، العمل الحقيقي هو ما ينجز بصمت، وليس ما يعلن في الصحف". كان رجلًا من ذلك النوع النادر الذي يعمل من أجل الوطن لا من أجل المنصب.

الذكريات الأخيرة والرحيل الموجع

أتذكر والدنا في سنواته الأخيرة، كان رجلًا هادئًا قليل الكلام كثير التفكير. كان يجلس في غرفته يقرأ الصحف والمجلات، وكان صوته يعلو فقط عندما يتحدث عن أيام النضال الأولى، ثم يعود إلى صمته الطويل. كنت أجلس معه أستمع إلى حكاياته عن الماضي الجميل، وعن أحلامه الكبيرة التي لم تكتمل لهذا الوطن. كان يتحدث عن عدن بحب، وكيف يرى فيها مستقبلًا مشرقًا رغم كل شيء.
في صباح ذلك اليوم الأليم، الثلاثاء 12 نوفمبر 2009م، كنت بجانبه عندما توقف قلب والدنا عن النبض. كان عمري آنذاك 30 عامًا، لكني شعرت للحظات أني عدت طفلًا صغيرًا فقد سنده وحاميه. رحل عن دنيانا عن عمر ناهز 58 عامًا فقط، بعد عقود من العمل الصادق، تاركًا لنا إرثًا عظيمًا من النضال والعطاء والشرف والنزاهة.

العائلة: أمانة واستمرار

تلقينا بعد رحيله عددًا كبيرًا من برقيات التعازي، كان في مقدمتها برقية مؤثرة من صديق دربه ورفيق نضاله، الرئيس الأسبق علي ناصر محمد، الذي عبر عن حزنه العميق لفقدان رفيق درب طويل من النضال المشترك. كانت وصيته الوحيدة لي هي الشرف والنزاهة.

التكريم الذي غاب والواجب الذي لايزال قائمًا

واليوم، وبعد كل هذا التاريخ الحافل، وبصفتي ابنه أنيس، أقف لأتساءل: أين التكريم؟
إن والدنا ليس مجرد اسم يمر مرور الكرام في ذاكرة التاريخ. إنه قامة وطنية شامخة قدمت لوطنها ولعدن الشيء الكثير. إنه مناضل ضد الاستعمار، وقائد طلابي، وعضو قيادي في أحزاب الوحدة، وصحفي من الطراز الأول، ومدير مصنع الغزل والنسيج الذي أدار عجلة الاقتصاد، ورجل دولة بامتياز، ورئيس تحرير وكالة أنباء عدن في أهم مراحلها. لقد كان نزيهًا نظيف اليد والسمعة، مشهودًا له بالنزاهة من القريب والبعيد، وهو ما يجعل سيرته نقية وتاريخه مشرقًا.

نجيب إبراهيم مع سالمين
إن تكريم والدنا من قبل الحكومة اليمنية ليس منةً أو فضلًا، بل هو حق أصيل له، ووفاءً لخدماته الجليلة التي قدمها للوطن شعبًا وأرضًا. إنه أقل القليل الذي يمكن أن تقدمه الدولة تقديرًا لرجل قضى عمره في خدمتها دون أن يطلب منها شيئًا لنفسه. تكريم أمثاله هو تكريم للوطن نفسه، وللقيم النبيلة التي يجب أن تظل حاضرة في وجدان الأجيال.
وفي هذا المقام، أناشد الحكومة النظر في هذا المطلب بجدية واهتمام. فوزارة الإعلام أولى بتكريم أحد رؤساء تحرير وكالة الأنباء، ووزارة الثقافة أولى بتخليد اسم مناضل وقامة فكرية، والمحافظة أولى بأن تكرم أبناءها المخلصين. إنهم جميعًا معنيون بهذا الوفاء، وأيديهم تمتد لتكريم قامة وطنية تستحق التقدير والاحترام والتكريم.

رسالتي إلى الحكومة اليمنية

أيها المسؤولون، إن تكريم رجال مثل والدنا ليس مجرد وفاء لذكراهم فقط، بل هو استثمار في مستقبل الأجيال. عندما تخلدون اسمه، فإنكم ترسلون رسالة إلى كل شاب يمني أن الوطن يعرف قدر أبنائه المخلصين، وأن العطاء لا يضيع هباءً.
كان خدومًا للجميع، لم يبخل يومًا بتقديم خدماته التي لا مقابل لها لمن يعرفهم ومن لا يعرفهم. والدنا قضى عمره في خدمة هذا الوطن، في السراء والضراء، في النضال السري والعلني، في المناصب الرسمية وفي الظل، في الصحافة وفي إدارة المصانع والسياسة، ومثل اليمن مرارًا وتكرارًا في كثير من المحافل الدولية. لم يطلب يومًا من الأيام مقابلًا ماديًا أو معنويًا. كان رجلًا مبدئيًا حتى النخاع. واليوم، نحن نطالب بالاعتراف بتاريخ هذا الرجل وبإعلاء ذكراه كما يليق به. إن تكريمه هو تكريم للنزاهة والوطنية والإخلاص، وهي قيم باتت أشد حاجة في حياتنا اليوم.

إلى روحك الطاهرة يا والدي

أكتب هذه الكلمات ودموعي تملأ عيني، لكن قلبي يمتلئ فخرًا بأني ابنك. علمتني أن أكون صادقًا مع نفسي ومع وطني. علمتني أن الكرامة أغلى من المنصب، وأن المبادئ تبقى حين يرحل الناس. كنت نعم الأب والصديق والمعلم.
لقد رحلت بجسدك، لكن سيرتك العطرة باقية فينا وفي كل من عرفك. ومطلب تكريمك حق لن يسقط بالتقادم، وسنبقى نطالب به حتى تنال ما تستحقه من تقدير.
رحم الله والدنا نجيب إبراهيم، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عنا وعن وطننا خير الجزاء، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته. وإنه لعهد بيننا وبين أنفسنا أن نبقى أوفياء لنهجه، متمسكين بمبادئه، وأن نعمل على أن تبقى ذكراه منارة تضيء طريق الأجيال القادمة.
عاشت ذكراك خالدة في وجدان عدن واليمن. وعدًا منا يا أبي أن نبقى أوفياء لمسيرتك، حاملين رايتك من بعدك.

الكلمات الدلالية