الأربعاء 10 يونيو 2026

رائد التامينات يترجل الفانية (1-2)

عرفته لأول مرة في الثالث من مايو 1987م، عقب صدور أول قانون للتأمينات الاجتماعية رقم (16) لسنة 1987م، حين كنت أرغب في إجراء مقابلة صحفية معه لجريدة كويتية كحالة اختبار لي لتعييني مندوبًا لها في اليمن.. وكنت أعددت أسئلة مركزة ودقيقة لما عرفت عن الأستاذ الوزير محسن محمد العلفي، وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، من دقته وموضوعيته في الحديث. سلمت لمدير مكتبه أسئلتي المكتوبة، وكان لدى معالي الوزير مندوب منظمة العمل الدولية.. وعدني بالحضور اليوم التالي.

العلفي

ولما كنت قد جئت في موعدي، كان رحمة الله عليه قد قرأ أسئلتي مساء، استقبلني بحرارة، ومباشرة قال لي يا عبسي أريد منك نشر هذه المقابلة، بالإضافة إلى الصحيفة الكويتية، في صحف يمنية، أريد أن أنقل مستوى الفهم بنظام التأمينات إلى الشارع اليمني. كانت تلك الكلمات على محدوديتها قد أثلجت صدري، وفهمت منها قدر مستوى صدق وإخلاص الرجل.

أهديته (كتيبًا صغيرًا) بحجم كف اليد الواحدة، لفت نظره بعض ما ورد فيه، فقال من أعد هذا الكتيب؟ قلت له: الأستاذان عبدالله الوصابي رحمة الله عليه، وعلي سيف مقبل، بمشاركتي، فنهض من على كرسي مكتبه، وقال الفاتحة على روح الوصابي. وبعد قراءة الفاتحة كانت قسمات وجهه قد تغيرت، فقال إن الوصابي كان مرجعية علمية وإعلامية وثقافية وسياسية، يظهر أن بلادنا مالهاش نصيب في الطيبين المخلصين.

أردف قائلًا: أين كنت وأين أنت الآن، أسئلتك دليل معرفة وخبرة، قلت أي شيء لا يعجبك فيها لا ترد عليها، ومعرفتي بالتأمينات راجع إلى كوني نقابيًا، وحاليًا أعمل بشكل رسمي (محاسبًا) طرف مصانع العاقل.

تركت أسئلتي المكتوبة، وأخذنا بالحوار المباشر، فتحدث الأستاذ العلفي حول المتاعب والمتابعات في مجلس الشعب قبل وأثناء مناقشة قانون التأمينات الاجتماعية.

مررنا بالحديث حول فرع تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة، وسبرنا أغواره وعمق أعماقه، وكان الرجل على قدر كبير من الحصافة والدراية والمعرفة وحنكة وحكمة الطرح، ثم عرجنا إلى تأمين إصابة العمل والأمراض المهنية، فاستفاض حديثًا عن مختلف جوانبه. قلت يا معالي الوزير ماذا عن تأمين البطالة، فقال هذا الفرع التأميني على أهميته وضرورة التعاطي معه، لكنه مكلف، وربما يتحول إلى عبء إضافي جديد على الدولة ورجال الأعمال وأيضًا العمال. قاطعته بالقول هذا واجب الدولة، فقال قدرة الدولة في الوضع القائم لا تمكنها من الوفاء بهذا النوع من التأمين.

إذن، يا معالي الوزير، البديل في تقديري (تأمين التعطل عن العمل) فماذا تقول.. الأمر بحاجة إلى دراسة، ودعنا أولًا نحقق نجاحًا في الفروع الثلاثة الأساسية، ثم ننتقل إلى ما دونها.

ولماذا لم يستوعب القانون 16 فرع التأمين الصحي الاجتماعي..؟ كنا في الوزارة نعتزم إدخال فرع التأمين الصحي الاجتماعي في هذا القانون، لكن وزارة الصحة اليمنية ومعها منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية، أصرت على أن يكون لهذا الفرع التأميني قانون مستقل وهيئة مستقلة تتبع وزارة الصحة.

وأين اهتمامكم بفروع تأمين الأمومة والطفولة وتأمين الأعباء العائلية..؟ سنعمد إلى وضع جدول زمني لتطبيق فروع التأمينات الستة في قادم الأيام، وكلما حققنا نجاحًا في فرع تأميني انتقلنا إلى الفرع الآخر، حتى نستكمل تطبيق منظومة الحماية التأمينية كاملة بإذن الله وبجهود كل الخيرين والصادقين والمخلصين. فالأمر يتطلب قدرًا كبيرًا من تفاعل أطراف العمل الثلاثة: الحكومة ممثلة بوزارة العمل، وأصحاب الأعمال، والعمال من خلال اتحادهم.

الرجل بصدق كان يمتلك رؤية حين قال إن (التأمينات الاجتماعية) تعني تضييق دائرة الفقر والتسول وتحجيم دائرة البطالة، وتحقيق قدر من الحماية والأمان لمجتمع العمل والعمال.

بالفعل نشر حوار معالي الوزير العلفي في الصحافة الكويتية وصحف اليمن رسمية وأهلية، كون الحوار كان واسعًا ومشبعًا بجديد المعلومات والأفكار والرؤى.

ولم يكن الأستاذ العلفي رائد تأمينات فحسب، بل كان رائدًا في مجال العدل والقانون، وله بصمات في الداخلية والنيابة والعدل ولجنة الانتخابات ومجلس الشورى.

رحمه الله رحمة الأبرار، وأسكنه الجنة دار الخلود مع الأنبياء والشهداء والصديقين، وحسن أولئك رفيقًا، وألهم أهله وذويه وكل أحبابه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

يتبع...

الامين العام لحزب العمال الديمقراطي