صنعاء 19C امطار خفيفة

افتهان المشهري: شهيدة النزاهة والدفاع عن المال العام

افتهان المشهري: شهيدة النزاهة والدفاع عن المال العام

اغتيال النزاهة لا يبدأ بالرصاص، بل حين تصمت السلطات الرسمية عن الفساد والنهب والجبايات، ويصبح الدفاع عن المال العام سببًا في الموت (الاغتيال).

في تاريخ الشعوب تبقى بعض الأسماء حاضرة في الذاكرة الجمعية، لا لأنها شغلت منصبًا، بل لأنها جسدت قيمةً أخلاقية عليا. وفي هذا السياق، تبرز افتهان المشهري بوصفها أيقونة وطنية خالدة للنزاهة والدفاع عن المال العام، امرأةٌ اختارت الوقوف في صف المبدأ حين تراجع كثيرون، فدفعت حياتها ثمنًا لالتزامها بالقانون وصونها لحق المجتمع في موارده العامة.
ستبقى افتهان المشهري أيقونة النزاهة والوطنية، والعار لمافيات الفساد ونهب المال العام التي خططت لاغتيالها، في صمتٍ مخزٍ من السلطات المسؤولة عن تعز.
إن جريمة اغتيالها مثلت اعتداءً جسيمًا على الحق في الحياة، وانتهاكًا خطيرًا لمبادئ سيادة القانون، كما عكست في الوقت ذاته خطورة الوضع في تعز، والذي لا يزال يزداد تفاقمًا.
في تعز يجد الموظف العام نفسه مستهدفًا بسبب التزامه بالنزاهة والدفاع عن المال العام، بل قد يُصفّى جسديًا. وما جرائم اغتيال افتهان المشهري، وعدنان الحمادي، وغيرهما من مئات الضحايا، إلا مؤشرات على واقعٍ بالغ الخطورة.
لقد عُرفت افتهان المشهري بتمسكها بواجباتها الوظيفية، وبموقفها الرافض لأي ممارسات تمس الموارد العامة أو تفرغ الوظيفة العامة من معناها القانوني والأخلاقي. ومن هذا المنطلق، أدّت دورها بوصفها موظفة عامة مؤتمنة على إدارة موردٍ يخص المجتمع بأسره، مستندةً إلى مبدأ قانوني راسخ مفاده أن المال العام ملكٌ للمجتمع، وأن حمايته واجبٌ يقع على عاتق كل من يتولى مسؤولية إدارته.
إن اغتيالها لا يمكن النظر إليه بوصفه حادثة جنائية معزولة فحسب، بل هو فعل يمس جوهر فكرة النزاهة العامة، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن الالتزام بالقانون قد يتحول إلى سببٍ للخطر في ظل غياب الحماية الكافية لمن يؤدون واجباتهم بشرف واستقامة.
وعليه، فإن هذه الجريمة تفرض ضرورة التأكيد على جملة من المبادئ الأساسية:
إن الحق في الحياة حقٌ أصيل لا يجوز المساس به، ويقع على عاتق الدولة واجبٌ قانوني وأخلاقي في حماية مواطنيها، وبخاصة من يؤدون واجباتهم في خدمة الصالح العام.
إن حماية الموظفين العموميين الذين يمارسون مهامهم بنزاهة تمثل جزءًا لا يتجزأ من حماية المال العام ومؤسسات الدولة.
إن الإفلات من العقاب في مثل هذه الجرائم يقوّض الثقة في العدالة، ويشجع على استهداف كل من يتصدى للفساد أو يسعى إلى حماية الموارد العامة.
إن سيرة افتهان المشهري ستظل شاهدًا مؤلمًا على أن الدفاع عن المال العام قد يتحول، في بعض البيئات، إلى تضحية قصوى. ومع ذلك، فإن القيمة الرمزية لموقفها تكمن في أنها جسدت معنى النزاهة في الوظيفة العامة، وأكدت أن الالتزام بالقانون ليس مجرد نصوص جامدة، بل موقف أخلاقي قد يدفع صاحبه ثمنًا باهظًا.
وبهذا المعنى، فإن استذكار افتهان المشهري ليس مجرد رثاء لامرأة فقدت حياتها، بل هو تأكيد على أن حماية المال العام وصون النزاهة المؤسسية يظلان ركيزة أساسية لبناء دولة القانون والعدالة.
لقد اغتيل جسد افتهان المشهري، لكن المبدأ الذي دافعت عنه لم يُغتل. فالنزاهة التي عاشت لها ستبقى معيارًا أخلاقيًا في الوعي العام، وشهادةً على أن الدفاع عن المال العام هو في جوهره دفاعٌ عن كرامة المجتمع وحقه في دولة القانون والعدالة.
رحمة الله تغشاها، وجنة الفردوس ماواها
لروحها السلام والخلود،
ولقتلتها، ومن خطط ودبر وساهم وصمت الخزي والعار الأبدي.

الكلمات الدلالية