اليمن: صراع القوى وظلّ القاعدة
تُختزل الأزمة اليمنية غالباً في مواجهة بين جماعة الحوثيين وخصومها، بينما الواقع أكثر تعقيداً، إذ تعيش البلاد حالة من تعدد القوى وتداخل الحسابات المحلية والإقليمية، في ظل استمرار ضعف مؤسسات الدولة نتيجة سنوات الحرب والانقسام.
لا تزال جماعة الحوثيين الطرف الأكثر تماسكاً عسكرياً وتنظيمياً، مستفيدة من سيطرتها على #صنعاء ومناطق واسعة من شمال البلاد ذات الكثافة السكانية الأكبر، ما منحها قدرة على ترسيخ نفوذها السياسي والأمني عبر قيادة موحدة وأجهزة مترابطة، وجعلها تبدو أكثر استقراراً مقارنة بخصومها الذين يعانون من الانقسامات وتضارب المصالح.
في المقابل، يمثل مجلس القيادة الرئاسي السلطة المعترف بها دولياً، غير أن تعدد مكوناته وتباين أولويات القوى المنضوية داخله ما يزال يحدّ من قدرته على التحول إلى سلطة متماسكة، كما أن تنافس مراكز النفوذ العسكرية والسياسية أضعف حضوره الداخلي وقدرته على فرض مشروع موحد في مواجهة الحوثيين.
ويحتفظ التجمع اليمني للإصلاح بثقل سياسي واجتماعي في عدد من المحافظات، لكنه يواجه ضغوطاً إقليمية ودولية متزايدة، مع تصاعد الجدل حول علاقته بتيارات الإسلام السياسي، وما يرافق ذلك من حديث عن احتمالات تصنيفات أو إجراءات أمريكية قد تستهدف شخصيات أو شبكات مرتبطة به.
أما المجلس الانتقالي الجنوبي، فيسعى لإعادة تثبيت حضوره السياسي بعد تراجع الدور الإماراتي المباشر وفترات غياب رئيسه عيدروس الزبيدي، وهي عوامل انعكست على تماسكه الداخلي وحضوره الميداني، مع استمرار تركيزه على القضية الجنوبية وتأكيد نفسه كطرف رئيسي في أي تسوية قادمة.
ومع انحسار الحضور الإماراتي المباشر، برزت #المملكة_العربية_السعودية باعتبارها الطرف الخارجي الأكثر تأثيراً في إدارة الملف اليمني، عبر شبكات نفوذ سياسية وعسكرية ومالية، خصوصاً من خلال ما يعرف بـ “اللجنة الخاصة” السعودية المرتبطة تاريخياً بإدارة التوازنات اليمنية وصناعة التحالفات.
وفي الوقت نفسه، تتجه الأنظار نحو تفاهمات غير معلنة ومسار تهدئة طويل بين السعودية والحوثيين، يهدف إلى تثبيت الهدنة وتقليص التهديدات العابرة للحدود وتأمين الحدود الجنوبية للمملكة، رغم بقاء التسوية السياسية الشاملة بعيدة حتى الآن.
وعلى الصعيد الإنساني، يظل ملف تبادل الأسرى من أكثر المسارات نشاطاً، مع استمرار المفاوضات بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية الأمم المتحدة، وسط مؤشرات على إمكانية حدوث انفراجة قريبة، فيما لا يزال آلاف المحتجزين والمخفيين قسراً ينتظرون حلاً حقيقياً بعيداً عن التجاذبات السياسية.
كما تتواصل معاناة السكان المعيشية بصورة متفاقمة، خصوصاً مع تأخر صرف المرتبات في عدد من المناطق، والانهيار المستمر للخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء، بالتزامن مع اشتداد حرارة الصيف، ما فاقم الأعباء الإنسانية على ملايين اليمنيين وأثار حالة من السخط الشعبي في المدن الخاضعة لمختلف الأطراف.
وتواصل الأمم المتحدة إدانة حملات الاعتقال التي تنفذها جماعة الحوثيين بحق موظفين أمميين وعاملين في منظمات دولية ومحلية، معتبرة أن تلك الإجراءات تعرقل العمل الإنساني وتفاقم معاناة السكان في بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وفي الجنوب، لم تتحول الدعوة السعودية لعقد مؤتمر “جنوبي ـ جنوبي” إلى خطوات عملية حتى الآن، ما يعكس حجم التعقيدات داخل الساحة الجنوبية وتباين الحسابات بين مكوناتها المختلفة.
بالتوازي مع ذلك، تظهر مؤشرات على سعي #الإمارات لاستعادة جزء من نفوذها في #اليمن عبر بوابة مكافحة الإرهاب، خصوصاً في المناطق الجنوبية والساحلية، تحت عنوان مواجهة الجماعات المتشددة وتأمين الممرات البحرية.
كما تتصاعد دعوات محلية وحقوقية لفتح ملفات تتعلق بما يعرف بـ “الوحدة 400” المرتبطة بعمار صالح، إلى جانب مراجعة أدوار بعض التشكيلات التابعة لقوات المقاومة الوطنية، وسط مطالبات بالشفافية والمساءلة وتوضيح الانتهاكات المنسوبة لتلك الجهات.
وسط هذه الخارطة المعقدة، يبرز تنظيم #القاعدة كأحد الأطراف التي لا تحظى بالاهتمام ذاته رغم استمرار حضوره. فعلى الرغم من الضربات الجوية والعمليات الأمنية التي استهدفته، فإن الحديث المتكرر عن نهايته لا يعكس بالضرورة حقيقة المشهد على الأرض.
وبحسب تقديرات مراقبين، غيّر التنظيم أساليبه التشغيلية، واتجه إلى نمط الخلايا الصغيرة والعمل السري وإعادة التموضع بعيداً عن الأضواء، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة والانقسامات المحلية وضعف مؤسسات الدولة.
كما تتكرر اتهامات تربطه بأطراف مختلفة، سواء الحوثيين أو #إيران أو قوى سياسية أخرى، إلا أن كثيراً من الخبراء يرون أن هذه القراءات تبسيطية، إذ يتحرك التنظيم وفق أجندته الخاصة، مستفيداً من تناقضات الجميع دون أن يكون تابعاً دائماً لأي جهة.
وتكمن خطورة المشهد اليمني في أن إنهاك القوى الرئيسية لا يعني بالضرورة اقتراب الاستقرار، فكل فراغ سياسي أو أمني، وكل انقسام داخل المعسكرات المتنافسة، قد يفتح مساحة جديدة أمام التنظيمات المتشددة لإعادة التموضع والتمدد.
وبين حرب مفتوحة، وتسويات جزئية، وتدخلات إقليمية متشابكة، ومؤسسات دولة ضعيفة، يبقى اليمن ساحة متعددة المستويات، فيما تراقب التنظيمات المتشددة لحظة إنهاك الجميع.
