الأربعاء 13 مايو 2026

الدولة لا تأتي بالشعارات

منذ الانقلاب الحوثي على الدولة في اليمن ونحن نسمع مطالبات بعودة الدولة واستعادة حضورها، وكأن الدولة كيان يمكن أن يظهر بمجرد الرغبة أو الشعارات. غير أن الحقيقة أعمق من ذلك؛ فالدولة لا تحضر من ذات نفسها، ولا تُبنى بالأمنيات، بل تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية: التشريعات، والمؤسسة، والمسؤول.

حين تكون التشريعات محترمة ونافذة على الجميع دون استثناء، تصبح الدولة حاضرة. وحين تُبنى المؤسسات على أسس وطنية قائمة على الكفاءة والحياد، تصبح الدولة قادرة على الاستمرار. أما عندما يكون المسؤول ملتزمًا بالقانون وخاضعًا للمساءلة، فإن الثقة العامة تبدأ بالتشكل، ويشعر المواطن أن هناك دولة تحميه لا سلطة تتحكم به.

لكن الإشكالية تبدأ عندما تُبنى المؤسسات على أسس مناطقية أو قروية أو حزبية، فتتحول من مؤسسات وطنية إلى أدوات نفوذ تخدم جماعات بعينها. عندها يضعف الانتماء الوطني، وتتقدم الولاءات الضيقة على مفهوم الدولة الجامعة. فالمؤسسة التي لا تقوم على الكفاءة والعدالة لا تستطيع إنتاج دولة، مهما حملت من أسماء أو شعارات.

وتتعقد الأزمة أكثر عندما يتجاوز المسؤول التشريعات، ويدير المؤسسة وفق أهوائه ورغباته ومصالحه الشخصية. ففي هذه الحالة يفقد القانون هيبته، وتتحول اللوائح إلى نصوص معطلة، بينما تصبح القرارات مرتبطة بمزاج الفرد لا بمصلحة المجتمع. وهنا لا تعود المؤسسات قادرة على أداء دورها الحقيقي، لأنها أصبحت خاضعة للأشخاص بدل أن يكون الجميع خاضعين للنظام.

إن الدولة ليست مباني حكومية، ولا مناصب رسمية، ولا خطابات سياسية. الدولة هي عدالة يشعر بها المواطن، ونظام يُطبق على الجميع، ومؤسسات تعمل باستقلالية، ومسؤول يدرك أنه موظف لخدمة الناس لا مالك لمصائرهم.

ولهذا فإن استعادة الدولة لا تبدأ بتغيير الوجوه فقط، بل بإعادة بناء الفكرة نفسها: فكرة أن القانون فوق الجميع، وأن المؤسسة للوطن لا للجماعة، وأن المسؤولية تكليف لا امتياز.

فالدول لا تسقط فقط بالحروب، بل تسقط أيضًا عندما تتحول المؤسسات إلى أدوات ولاء، وعندما يصبح القانون تابعًا للأشخاص بدل أن يكون مرجعًا لهم. وعندها يغيب معنى الدولة، حتى وإن بقي اسمها حاضرًا في الخطابات واللافتات ومنشورات فيس بوك واكس.