صنعاء 19C امطار خفيفة

الزيارة الخطأ للبلد الخطيئة في التوقيت الخطأ لرئيس وزراء الهند

ناريندرا مودي ـ EPA

قام رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، الذي يرأس منذ عام 2014 حكومة يمينية متطرفة، وإن شئت فقل فاشية، وليس في ذلك مبالغة، بزيارة لإسرائيل في يومي 25 و26 فبراير الجاري، نقل فيها الهند العظيمة من دولة قائدة في حركة عدم الانحياز، معادية للصهيونية والاستعمار، ومؤيدة لقضايا التحرر من الاستعمار والعنصرية، وفي القلب منها قضية فلسطين، إلى دولة قزمة تتودد لدولة عنصرية مارقة يحضن رئيس وزرائها ماريندرا مودي بحرارة مجرم الحرب نتنياهو، المطلوب للعدالة في محكمة الجنايات الدولية. مودي نسف الموقف التاريخي للهند من قضية فلسطين، الذي اتسم بالتأييد المطلق طوال فترة حكم حزب المؤتمر الوطني الهندي المعارض، الذي توقع أن زيارة مودي ستلحق الضرر بقضية فلسطين. المجازر ليست غريبة على مودي؛ فقد ارتكب حزبه، حزب الشعب الهندوسي، في ولاية قوجرات، إحدى أكبر مجازر الهند ضد مسلمي الولاية عام 2002، عندما كان مودي كبير وزراء الولاية.


في زيارته لإسرائيل، عبر مودي عن إيديولوجية حزبه المعادية لفلسطين وللإسلام وللعرب، التي لا تختلف عن إيديولوجية حزب الليكود. عقلانيًا، كان على مودي ألا يسقط هذه السقطة، وأن يراعي مصالح الهند الكبيرة في الوطن العربي، وخاصة في الخليج العربي، الذي يعمل فيه قرابة عشرة مليون هندي يضخون حوالي سبعين مليار دولار سنويًا في الاقتصاد الهندي.
ولأنه يعي مدى التفكك العربي بفعل الاتفاقيات الإبراهيمية، فقد تشجع على التعبير عن مشاعر كان من الصعب عليه البوح بها من قبل، تجسد العلاقة العضوية لحزبه مع حزب الليكود وعلاقته الشخصية بنتنياهو، الذي وصف مودي بأنه "أكبر من صديق بل أخ".
مودي بدا مفتونًا بنتنياهو، سواء في ابتساماته أو تبادل القبل والأحضان، أو فيما قاله خلال الزيارة.
إن حزب مودي الفاشي لا يختلف عن حزب الليكود الصهيوني، وكلاهما يشتركان في ارتكاب نفس الجرائم ولنفس الدوافع. بلغت قسوة الفاشيين من أعضاء حزب الشعب الهندوسي في عام 2002، في ظل سلطة مودي، حرق منازل مسلمي الولاية وسجنهم وإرهابهم، لكي لا يقول أحد الضحايا: لقد حرقوا منزلي وشردوا أسرتي أو اغتصبوا... بالإضافة إلى محاولة إجبارهم على التخلي عن دينهم، الذي تعتبره إيديولوجية الحزب دخيلًا على الهند، ومن ثم تسوغ له العمل على إجبار مسلمي الهند على الارتداد عن دينهم واعتناقهم الهندوسية، التي هي، في رأي المستنيرين من الهندوس، ليست ديانة وإنما مجموعة قيم أخلاقية. وقد عبر هؤلاء عن هذا الموقف بعد تدمير مسجد بابري التاريخي عام 1992 من قبل نفس الحزب والمليشيات التابعة له.
كان من نتيجة مجازر قوجرات، بعد وصول الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض عام 2009، أن مُنع مودي من زيارة أمريكا، ولم يغير أوباما موقفه إلا بعد أن أصبح مودي رئيسًا لوزراء الهند عام 2014.
عندما زار مودي صديقه نتنياهو عام 2017، زار رام الله والتقى برئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وفي زيارته الأخيرة لم يفعل ما يفعله كل زعماء العالم تقريبًا بالذهاب، ولو مجاملة أو لإظهار التوازن في العلاقة مع تل أبيب ورام الله والعرب. ولهذا دلالته الخطيرة على القضية الفلسطينية، التي كانت الهند لعقود، في عهود حكم حزب المؤتمر، من أكبر الداعمين لها على المستويين الوطني والدولي. لكن علينا ألا ننسى اليوم التغيرات التي أحدثها التطبيع الترامبي على قضية فلسطين، ابتداءً من عام 2020 فيما سمي بالاتفاقيات الإبراهيمية.

مودي يذرف الدموع:

ما قاله مودي في الكنيست عن ضحايا 7 أكتوبر 2023 من المستوطنين وحدهم، وتجاهله المتعمد لتدمير غزة ومعاناة الغزيين، التي تصل تقاريرها الأممية إلى نيودلهي، واستشهاد 72070 وإصابة 171748 فلسطينيًا، رسالة للفلسطينيين وللعرب عنوانها: من أنتم حتى تتضامن الهند معكم؟ وجوهرها أن فلسطين لم تعد ضمن اهتمامات الهند كجار للمنطقة العربية.
ألقى مودي خطابًا في الكنيست عبر فيه عن انحيازه الكامل لإسرائيل، ومما قاله ولم يقله في زيارتين سابقتين أنه وُلد في 17 سبتمبر 1950، يوم اعتراف الهند بإسرائيل. وأما قوله إن إسرائيل هي الوطن الأب، وأن الهند هي الوطن الأم، فقد عبر عن عدم إدراكه أن من تفاوضوا معه من الإسرائيليين هم بيض الوجوه، لا علاقة لهم بفلسطين المحتلة، وهم كالمهندس المعماري البريطاني السير إدوين لوتينز، الذي قرر مودي قبيل زيارته إزاحة تمثاله النصفي من القصر الجمهوري بنيودلهي. مودي عبر عن سذاجة وانبطاح لا يليقان بدولة عظيمة كالهند لها علاقات تاريخية ومصالح كبيرة مع الوطن العربي، ولا يمكن لقائد ذي بصيرة القفز عليهما.
إن هذا التحول يجب أن يهتم به من بقي من العرب مساندًا لقضية فلسطين ومعاديًا للتمدد الإسرائيلي في أكثر من قطر عربي مجاور وغير مجاور. في خطابه في الكنيست تجاهل مودي كلية شهداء وجرحى العدوان الإسرائيلي على غزة، واكتفى بما يُطرب العدو، كقوله: "أشعر بألمكم، الهند تقف مع إسرائيل بثبات وبقناعة راسخة، أحمل معي التعازي من شعب الهند لكل حياة فقدت ولكل أسرة تحطمت حياتها بالهجوم البربري لحماس في 7 أكتوبر، إنه لشرف كبير لي أن أقف هنا كممثل لحضارة عريقة "أخرى"". ونوه مودي بالممر الهندي الذي يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا، ويضم أربع دول يُعبر عنها بـ"مجموعة 12U2"، وهي أمريكا والهند والإمارات وإسرائيل. هذا الممر عبرت جمهورية أرض الصومال ولبنان مؤخرًا عن رغبتهما في أن تصبحا جزءًا منه.
وختم مودي خطابه بما يعد تحديًا لكل فلسطيني وعربي بـ"تحيا إسرائيل"، التي لا يراها مودي كيانًا محتلًا عنصريًا وتوسعيًا. قد يكون مودي مقتنعًا بأن ما تفعله إسرائيل هو ما ترغب الهند القيام به. لهذا السبب فإن ما ارتكبته إسرائيل من جرائم وإبادة وتجويع لم يكن ليستحق عزاء مودي لأسر الشهداء والضحايا، وكأن مودي لم يعلم بوصف الفلسطينيين بأنهم حيوانات بشرية، وبما يقوله ويفعله الفاشيان بن غفير وسموتريتش في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، وبتقارير كل المنظمات الدولية عن انتهاكات إسرائيل في غزة والضفة والقدس المحتلتين.
لقد وقف مودي عند 7 أكتوبر وتجاهل ما بعدها، وكل ما ارتكبته إسرائيل من جرائم أدت إلى إدانة مضيفه نتنياهو من محكمة الجنايات الدولية كمجرم حرب مطلوب للمحاكمة. زيارته لم تكن سوى ازدراء آخر سبقه إليه ترامب لقرار المحكمة، ولفك عزلة نتنياهو داخليًا ودوليًا، ودعم سعيه للنجاح في انتخابات الكنيست القادمة، ليواصل دوره في القتل والاستيطان في الضفة والقدس وإنكار حقوق الفلسطينيين في وطنهم، بل ووجودهم.
ترافقت زيارة مودي لإسرائيل مع إعلان جماعي لخمس دول اسكندنافية، هي النرويج والسويد والدنمارك وفنلندا وإيسلندا، أنها ستعتقل نتنياهو إذا حلقت طائرته في المجال الجوي لإحدى هذه الدول. وقد أحيط مودي، بدون شك، علمًا بهذا التطور وهو في فلسطين المحتلة.

رد فعل أولي:

استنكرت دار العلوم الإسلامية، ديوبند، ومقرها في شمال الهند، وهي المرجعية الأكبر لمسلمي الهند، وتوصف بأنها "أزهر الهند وآسيا"، زيارة مودي وما قاله في دولة الاحتلال، وقالت في بيان لها: "نحن ربع مليار نسمة، ولا يمكن تجاهلنا، ويجب أن تدرك القيادة السياسية جيدًا أن الإسلام ليس ديانة عابرة، بل هو الدين الثاني في الهند، وأننا جزء أصيل في تراب هذا الوطن وتاريخه، ونحن قوة ديمغرافية لا تقبل التهميش، وباسم ربع مليار مسلم نعلن أن إسرائيل كانت وستظل عدوًا صريحًا لكل من يؤمن بالإنسانية وبالعدالة. إن دماء أشقائنا في فلسطين ومقدساتنا في القدس خط أحمر. لن نقبل المهادنة أو التقارب السياسي الذي يتجاهل مشاعرنا وعقيدتنا، ونعلن رفض ربع مليار مسلم لأي قرار يتجاهل نبضهم، ونعتبره فاقدًا للشرعية، لأن الهند قامت على التعدد. لقد أعذر من أنذر، وسيظل صوت الحق فوق كل اعتبار".
إن مودي لم يكن ليجرؤ على قول ما قاله، وعلى القيام بالزيارة في هذا الوقت بالذات، إلا لأن أمريكا نجحت إلى حد كبير في تفكيك الموقف العربي من فلسطين، وتجاوز بعض الدول العربية ما اعتدناه من تطبيع بارد مع العدو. إن الزيارة انقلاب على ثوابت الهند في دعم فلسطين وكل القضايا العادلة لشعوب العالم الثالث.

الكلمات الدلالية