كيف نصل إلى الحقيقة في ملف الأستاذ محمد قحطان؟
خلال اليومين الماضيين، دار نقاشٌ واسع حول الشهادة التي نشرتها بخصوص ملف المحتجزين، خاصةً في ما يتعلق بالتباين بين ما ورد فيها، وما أدلت به أسرة الأستاذ محمد قحطان—وتحديدًا ابنته وصهره جميل القبيسي. وقد تواصل معي عددٌ من الإخوة، مستفسرين ومعلّقين، وهو أمرٌ صحي ومطلوب، ما دام الهدف هو الوصول إلى الحقيقة المجرّدة، بعيدًا عن الاصطفافات والاعتبارات الضيقة.
غير أن هذا الجدل، على أهميته، ينبغي ألّا يبقى أسيرَ الروايات المتقابلة، بل يجب أن يُنقل إلى مستوى أكثر جدية ووضوحًا، يكون فيه الاحتكام إلى التحقيق المؤسسي لا السجال الإعلامي. وهنا يبرز سؤالٌ جوهري ينبغي أن يكون محور النقاش:
إذا كانت الأسرة تؤكد وجود شهودٍ على أنه ما يزال حيًّا، وقد تم ذكر بعض هؤلاء الشهود بالاسم، فلماذا لم تتحرك الجهات المعنية في “الشرعية” لفتح تحقيقٍ رسمي في هذا الادعاء؟
لماذا لا يتم استدعاء هؤلاء الشهود بشكلٍ قانوني، وتوثيق شهاداتهم، وإخضاعها للفحص والتدقيق عبر الجهات المختصة؟ ولماذا لا تُعلن نتائج هذا التحقيق—أيًا كانت—للرأي العام، بما يضع حدًا لهذا الجدل، ويكشف الحقيقة كما هي—إن كانوا فعلًا يبحثون عنها؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتعلق فقط بحالة فردية، بل تمسّ جوهر التعاطي مع ملف إنساني بالغ الحساسية، ظلّ لسنواتٍ رهينة التجاذبات السياسية، بدل أن يكون مجالًا للمعالجة الجادة والمسؤولة.
فإما أن هناك تقصيرًا واضحًا—لا يمكن تبريره—في التعامل مع معطيات يفترض أنها تقود إلى كشف الحقيقة، وهو احتمالٌ يبدو ضعيفًا،
وإما أن هناك إرادة لإبقاء هذا الملف في حالة ضبابية، بحيث يظل قابلًا للاستخدام كورقة ضغط ومكايدة، كلما لاحت في الأفق بوادر انفراج،
أو أن هناك أطرافًا مستفيدة من استمرار الغموض، لا ترى في كشف الحقيقة مصلحةً لها.
وفي كل الأحوال، فإن الخاسر الأكبر هم المحتجزون، الذين عُلِّق مصيرهم في فراغ الحقيقة، ومعهم أسرٌ لا تزال تنتظر إجاباتٍ حاسمة، بدل أن تُترك رهينةً لرواياتٍ متناقضة وتفسيراتٍ مُسيّسة.
إن نقل هذا الملف من دائرة التوظيف السياسي إلى دائرة المسؤولية القانونية والأخلاقية لم يعد خيارًا، بل ضرورة. وأول خطوة في هذا الاتجاه تبدأ بتحقيقٍ شفاف، يُبنى على الشهادات المعلنة، ويُقدَّم للرأي العام بوضوح، بعيدًا عن الانتقائية والتسويف.
فالحقيقة لا تُبنى بالظنون، ولا تُدار بالمكايدات، بل تُنتزع عبر إجراءاتٍ واضحة، وإرادةٍ صادقة في كشفها—كائنةً ما كانت.
أما أنا، فما زلت عند قناعتي بأن مسؤولية صنعاء ثانوية في هذا الأمر، وأن أصحاب المصلحة في إخفاء الحقيقة والتلاعب بها هم من تسببوا في اغتيال الأستاذ قحطان—عمدًا أو خطأ، وبشكلٍ مباشر أو غير مباشر—وهم ثلاثة أطراف بصورة رئيسية: التحالف العربي، وبعض المنتمين إلى حزب المؤتمر، والإصلاح؛ وذلك إلى أن يثبت العكس عبر تحقيقٍ رسميٍّ نزيه.
