صنعاء 19C امطار خفيفة

سعر الصرف في اقتصاد الحرب: هندسة الكمية وتحدي إدارة "الطلب"

مقدمة:

بعد أن حُسم الجدل حول سعر الصرف بوصفه سلوكًا سياديًا ثابتًا،-كما تناولنا فيالمقال السابق- لم يعد السؤال الجوهري هو: كم يجب أن يكون السعر؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: كيف نُدير "السيولة والتدفقات" عند هذا السعر المُعلن والثابت دون أن نُفرغه من مضمونه؟  في نظام التثبيت، السعر هو "الثابت" والكمية هي "المتغير" وساحة الصراع؛ وأي إخفاق في ضبط هذه الكمية يعني الانزلاق نحو "تعويم مقنّع" يشوه الواقع الاقتصادي حتى وإن بقي السعر معلنًا رسميًا.


أولًا: حين تحسم الحوكمة ما عجز عنه الاحتياطي:

تُردَّد مقولة مفادها أن تثبيت سعر الصرف لا يتحقق إلا باحتياطيات ضخمة وفائض في الميزان التجاري. ورغم وجاهة هذا الطرح في اقتصاديات السلم (وفق مقاربات المرونات ونظرية المحفظة)، فإن التجربة اليمنية تفنّده عمليًا. بين عامي (2000–2010)، امتلك البنك المركزي احتياطيات (5–7 مليارات دولار)، مدعومة بفوائض في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، ومع ذلك ارتفع سعر الصرف من 161 إلى 219 ريالًا. في المقابل، بين (2011–2014)، وفي قلب الاضطراب السياسي، استقر السعر عند (213–214) رغم احتياطيات أقل وميزان تجاري سالب، لكن في ظل توافق سياسي وقرار نقدي حازم والتزام مؤسسي.
وفقاً لنتائج دراستنا القياسية المنشورة بعنوان "العلاقة المتبادلة بين سعر الصرف ومتغيرات الاقتصاد الكلي في اليمن" وجدنا أن ما يقارب 64% من الطلب على العملة الأجنبية كان مدفوع بتوقعات تصاعدية يغذيها متنفذون ولاعبون بدافع الربح واليوم  بدافع "الريع الحربي".
الخلاصة العلمية واضحة: ما حققه البنك المركزي في الأشهر الأخيرة ليس نتاج 'تراكم احتياطي' ضخم، بل هو ثمرة "حوكمة نقدية" نجحت في كسر يقين التوقعات التصاعدي، وحولت السعر من متغير سوقي عشوائي إلى قرار سيادي، تضبطه سياسة رفع "كلفة الامتثال" التي ينتهجها البنك المركزي ولجنة تنظيم وتمويل الواردات، برعاية إقليمية ودولية واضحة. لقد أثبتت التجربة أن التحكم في "السيولة والتدفقات" هو المحدد الحقيقي للاستقرار، لا حجم الاحتياطي في حد ذاته.


ثانيًا: فلسفة الكمية وإدارة الطلب:

في نظام السعر الثابت، يُمثَّل السعر بمنحنى خط أفقي شبه ثابت - يتحرك في نطاق ضيق بين (425-428 للسعودي) و (1617-1626 للدولار) وهو لا يتفاعل مع تقلبات السوق العشوائية، مما يضفي عليه طابع الثبات غير القاسي. هذا الاستقرار النسبي في السعر ينقل كل ضغط السوق و "تفاعلاته" إلى 'الكمية'؛ فأي خلل في التوازن بين العرض والطلب سيظهر فوراً في شكل اختناقات أو سوق سوداء أو امتناع عن البيع أو الشراء أو موجات مضاربة. ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة فلترة الطلب وتوجيهه عبر القنوات الرسمية."


ثالثًا: لجنة تنظيم وتمويل الواردات "مايسترو" الاستقرار:

الجهة الوحيدة القادرة على ضبط الطلب هي: لجنة تنظيم وتمويل الواردات (المايسترو) برئاسة محافظ البنك المركزي. وهذا الجمع بين الوظيفتين لم يأتي من فراغ، فاللجنة أداة سيادية حيوية حولت السعر من إعلان إلى واقع، وظيفتها؛ تصنيف السلع (ضرورية / غير ضرورية) وتحديد سقوف الطلب، توجيه التدفقات عبر قنوات رسمية ومنع الطلب غير المنتج من مزاحمة السلع الأساسية، حين تُضبط الكمية، يستقر السعر دون استنزاف الاحتياطي، ودون نقل عبء الحرب إلى كاهل المواطن.


رابعاً: اقتصاد البقاء لا اقتصاد الرفاه:

في سياق اقتصاد الحرب، لا نتحدث عن: اقتصاد نمو ورفاه ولا اقتصاد استقرار طويل الأجل نحن أمام اقتصاد بقاء، أو اقتصاد كفاف، هدفه الأساسي: الحفاظ على القدرة المعيشية ومنع تآكل الدخول وحماية الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي. وأخطر خطأ تحليلي هو إسقاط منطق اقتصاد الرفاه على زمن الحرب. وعليه يجب تفكيك الطلب بصرامة إلى: طلب استيراد سلع أساسية (أولوية مطلقة) طلب خدمي (بضوابط صارمة) طلب حكومي دولاري، وطلب كمالي / رفاهي، من هذا المنطلق، يصبح من الضروري: كبح الطلب غير الضروري على الدولار وترشيد الاستيراد الاستهلاكي ومنع النفقات الدولارية غير المنتجة وتحديد ضوابط صارمة لشراء وبيع العملة الأجنبية وتشديد الرقابة على شركات الصرافة والبنوك. السلعة الكمالية في زمن الحرب ليست "خياراً استهلاكياً"، بل "تكلفة سيادية" تستنزف الأمن القومي الغذائي.


خامسًا: شرعية الاستثناء في الدول الهشة:

نصوص صريحة: تتمتع الدول الهشة، أو تلك التي تكابد النزاعات، بحق أصيل في تفعيل مفهوم "الحماية الوقائية"؛ وهو حق سيادي يُمارس لحماية الأمن القومي والسلم الاجتماعي. لذا، فإن التذرع باتفاقيات صندوق النقد أو منظمة التجارة العالمية لفرض "تحرير الاستيراد" أو "تعويم العملة" في أتون الحرب هو استدلال يفتقر للدقة القانونية والواقعية. وتدعم هذه القواعد نصوص صريحة في صلب النظام المالي العالمي؛ ومنها اتفاقية "بريتون وودز" (المادة 14)، التي تمنح الدول الأعضاء الحق في فرض قيود على الصرف خلال "الفترات الانتقالية"، وكذلك اتفاقية "الجات" GATT المادة (21) التابعة لمنظمة التجارة العالمية، التي تشرعن "استثناءات الأمن القومي" وتسمح للدول باتخاذ ما تراه ضرورياً من إجراءات تجارية في زمن الحرب.
مخرجات برامج التعافي: منذ عام 2008، وعبر "سياسة الأمم المتحدة للتعافي الاقتصادي في حالات ما بعد الصراع"، أرسى المجتمع الدولي قواعد استثنائية لإدارة الاقتصادات المأزومة. وتدعم هذه القواعد توصيات لجنة بناء السلام التابعة للأمم المتحدة (UNPBC)، ولجنة الأزمات الدولية (ICG)، ومنظمة العمل الدولية (ILO). هذه البرامج تسمح بـ: (تقييد حركة العملة، ضبط الاستيراد، وتأجيل الالتزامات التجارية) كجزء من إدارة انتقالية للسياسات الاقتصادية. هذه الالتزامات لا تُلغى، لكنها تُؤجَّل حتى تستعيد الدولة قدرتها المؤسسية؛ حيث تُعتبر الفترات الانتقالية هي فترة "حماية وقائية" لإعادة الترتيب والخلق المؤسسي.
الخلاصة السيادية: اليمن تملك شرعية "الاستثناء"؛ وبدعم منها ورعايتها، فالسيادة النقدية والتجارية لا تُقاس بالالتزام الأعمى بالاتفاقيات، بل بالقدرة على حماية المجتمع ومنع الانهيار وتأمين السلع الأساسية. وأي اتفاقية دولية: تفقد إلزاميتها الفعلية عندما تفقد الدولة استقرارها.


خاتمة:

في اقتصاد الحرب: تثبيت السعر قرار سيادي دفاعي. وضبط الكمية هو المعركة الميدانية الحقيقية. ولجنة تنظيم وتمويل الواردات هي المايسترو الذي يضبط الإيقاع. من دون إدارة دقيقة للكمية: يتحول التثبيت إلى شعار، وتتحول السيادة إلى وهم، ويدفع المواطن الثمن. لكن التحدي له وجه آخر؛ فالعرض غير المنتظم وغير المؤسسي قد يكون أخطر من الطلب الفوضوي، وهذا ما سنناقشه في المقال القادم: كيف نضبط "العرض" عند السعر السيادي الثابت؟

باحث مختص في اقتصاد الحرب والتعافي بعد الصراع

الكلمات الدلالية